مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 153نحو 5 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 153

153

153

 

 

********

 

تخلّت تاليا عن خيط الوعي بإرادتها، لكنها لم تستيقظ في عالمٍ يحمل الراحة.

 

شعرت بمنشفة دافئة تمرّ برفق على وجهها وعنقها، ففتحت عينيها ببطء لترى الرجل الجالس أمامها كظلٍ باهت وسط الضباب.

 

كان باركاس يعتني بها بحذر شديد؛ يسحب ثوب نومها قليلًا ويمسح العرق عن ظهرها ببطء، وكأن الأمر ليس المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك.

 

 كانت لمساته هادئة ومعتادة إلى حدٍ مؤلم.

 

حين أدرك أنها استيقظت، توقّف ونظر إليها بصمت.

 

 ولأنها لم تُظهر رفضًا، أكمل تنظيف جسدها المرهق ثم ألبسها ثوبًا نظيفًا وسقاها الماء المغلي بالأعشاب بعناية.

 

تركت له تاليا كل شيء.

 

لم تكن تملك القوة للاعتراض، بل شعرت أن المقاومة نفسها أكثر إرهاقًا من الاستسلام.

 

ظلّ إلى جانبها بهدوء، يطعمها الدواء والماء من حينٍ لآخر، وأحيانًا يستدعي كاهنًا ليضع عليها سحر الشفاء.

 أما هي، فكانت تستلقي بصمت وتنتظر انتهاء تلك الأيام الثقيلة دون أن تعرف كم من الوقت مرّ عليها.

 

وبينما كانت تغرق على حدود الوعي واللاوعي، جاء زائر يطلب مقابلة باركاس. بدا الصوت مألوفًا، لكن عقلها المرهق لم يستطع تذكر صاحبه.

 

نهض الرجل بصعوبة واتجه نحو الباب، ثم تحدث مع الزائر بصوتٍ خافت. حدّقت تاليا قليلًا في ظهره العريض المضروب بضوء المصابيح، قبل أن تفقد اهتمامها وتغلق عينيها مجددًا.

 

“سأخرج لبعض الوقت.”

 

قالها وهو ينحني فوقها، وكأنه يطلب إذنها.

 

 لم تفهم سبب ذلك، فاكتفت بفتح عينيها للحظة ثم أغمضتهما من جديد. بعدها التقط معطفه وغادر الغرفة.

 

وفي اللحظة نفسها، دخلت عدة نساء إلى الغرفة، يبدو أنهن جئن للعناية بها. 

 

اقتربت إحداهن من السرير وتحدثت بصوت لطيف، لكن كلماتها وصلت إلى تاليا وكأنها تأتي من خلف جدارٍ ضبابي كثيف.

 

ظلّ العالم حولها باهتًا وغير واضح.

 

بعد فترة طويلة من النوم المتقطع، استعادت شيئًا من وعيها أخيرًا. 

 

فتحت عينيها ببطء على غرفة غارقة في الظلال؛ كانت خادمتان تغفوان قرب المدفأة، بينما جلست ماريسن والمُداوية بجانب السرير.

 

“هل تشعرين بتحسن الآن؟”

 

سألتها المُداوية بابتسامة صغيرة حالما رأت عينيها تُفتحان.

 

حرّكت تاليا شفتيها الجافتين بصعوبة وهمست:

 

“… ماذا حدث لطفلي؟”

 

خرج السؤال منها دون وعي، وكأنها كانت تخفيه داخلها طوال الوقت.

 

ساد الصمت.

 

ظهرت على وجه المُداوية ملامح ذنبٍ ثقيل، لكنها لم تستطع الإجابة. عندها تحدثت المرضعة بصوتٍ مرتجف بالبكاء:

 

“لقد دفنّا الطفل… في الفناء الخلفي للمعبد.”

 

نظرت إليها تاليا بعينين فارغتين.

 

أمسكت المرضعة بيدها المرتخية وهمست بحزن:

 

“كان صبيًا… ولو وُلد سالمًا، لكان طفلًا جميلًا جدًا…”

 

ثم أضافت محاولة مواساتها:

 

“أنتِ ما زلتِ شابة. سيكون بإمكانك إنجاب طفل آخر.”

 

في تلك اللحظة شعرت تاليا وكأن سكينًا انغرز في قلبها.

 

لم تعرف لماذا كانت تلك الكلمات مؤلمة إلى هذا الحد، لكنها شعرت بوضوح أن شيئًا داخلها يتمزق بعنف. 

 

ولو لم تكن نصف حواسها ميتة، لصرخت من شدّة الألم.

 

ارتجف جسدها بخفة وسحبت يدها بعيدًا.

 

“… أريد أن أبقى وحدي. اخرجوا جميعًا.”

 

حاولت المرضعة الاعتراض، لكن ماريسن أجبرتها على المغادرة، ثم خرجت بقية النساء بهدوء حتى خلت الغرفة تمامًا.

 

ساد الصمت.

 

غطّت تاليا وجهها باللحاف البارد وأغمضت عينيها، لكن عقلها بدأ يستعيد وضوحه شيئًا فشيئًا، ومعه عاد الألم كاملًا.

 

وبينما كانت تحاول إيقاف ارتجاف جسدها، تذكرت أعشاب النوم التي احتفظت بها للطوارئ. نهضت بصعوبة واتجهت نحو الخزانة، ثم أخرجت بخورًا مصنوعًا من الأعشاب وأشعلته.

 

سرعان ما امتلأت الغرفة برائحة مرّة كثيفة.

 

جلست على الأرض تستنشق الدخان بعمق، حتى بدأت أعصابها تهدأ والعالم من حولها يبهت تدريجيًا.

 

‘العالم حادّ جدًا… ليت كل شيء يصبح ضبابيًا مثل هذا الدخان.’

 

استلقت على السرير وأخذت تستنشق المزيد، حتى صار كل شيء مشوشًا ومشوّهًا.

 

عندها فقط سمعت صوتًا غريبًا.

 

رفعت رأسها ببطء. لم يكن في الغرفة سوى ضوء النار المرتجف، لكن الصوت ازداد وضوحًا قرب أذنها.

 

صوت بكاء.

 

نهضت مترنحة واتجهت نحو النافذة. 

 

خلف الزجاج، كان القصر غارقًا في المطر والظلام، ومن مكانٍ بعيد بدا وكأن أحدهم ينتحب بحزنٍ عميق.

 

فتحت الباب وخرجت إلى الممر الصامت، متجنبة الحراس، ثم نزلت الدرج الضيق بخطوات متعثرة حتى وجدت نفسها في الفناء الخلفي تحت المطر الغزير.

 

لم تكن تعرف لماذا خرجت.

 

ولا إلى أين تقودها قدماها.

 

لكن صوت البكاء ظلّ يجذبها كخيطٍ خفي.

 

واصلت السير وسط الطين والمطر حتى وصلت أمام المعبد. دخلت عبر الممر المظلم، ثم خرجت إلى الجهة الخلفية حيث الأشجار اليابسة والشجيرات الشائكة…

 

 وهناك رأت قبرًا صغيرًا بلا شاهد.

 

توقفت أمامه مترنحة.

 

في تلك اللحظة فقط أدركت ماهية الصوت الذي كان يقودها طوال هذا الوقت.

 

كان صوت طفل يبكي.

 

فجأة خرجت منها ضحكة خافتة، لكنها لم تكن تعرف لماذا تضحك. 

 

سرعان ما انهارت على الأرض وبدأت تتحسس التراب البارد بيديها المرتجفتين.

 

اختلط المطر بالطين والدموع فوق يديها.

 

وعندما أدركت أن وجهها غارق بالبكاء، فهمت أخيرًا أنها لم تكن تضحك… بل كانت تنهار.

 

تعلّق النحيب بحلقها كشيء يخنقها، ثم انفجر منها البكاء بعنف، كأنها تتقيأ كل اليأس الذي حبسته داخلها.

 

انهار العالم من حولها أخيرًا.

 

أسندت جسدها على القبر الصغير وهي تبكي، وعندها سمعت صوت خطوات تقترب وسط المطر.

 

رفعت عينيها المبللتين لترى رجلًا يقف أمامها.

كان جسده الضخم مبتلًا بالكامل، وأنفاسه تتصاعد كالبخار في البرد القارس.

 

مدّ يده نحوها ببطء.

 

عرفت تلك اليد جيدًا.

إنها اليد التي منحتها الأمل يومًا… ثم علّمتها معنى اليأس.

 

تراجعت للخلف وكأنه يقدّم لها سلاحًا قاتلًا، فتوقف مكانه.

 

تساقط المطر البارد فوق وجهه الشاحب، ومن خلف ستار الماء رأت عينيه اللتين كانتا يومًا تتلألآن كالتاج الفضي.

 

أما الآن… فلم يبقَ فيهما سوى الخراب. 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.