مساحة للحكاية، ووقت لك← رواية متاهة الوحوش
الفصل 96: "الجنازة"نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 96: "الجنازة"

الفصل 96: الجنازة

مقبرة جسر تايبينغ، العاشرة صباحاً.

بُنيت المقبرة على طول تلة. وعند أسفل التلة كان هناك مجرى مائي متعرج ونظيف مع جسر حجري قديم يُدعى جسر تايبينغ. وعلى الجانب الآخر من الجسر، رقد الموتى في سباتهم الأبدي. وتناثرت شواهد القبور الرمادية على خضرة التلة مثل النجوم في سماء الليل.

كانت المقبرة قديمة في مدينة لي وتفتقر إلى التخطيط. ومع اجتياح الأعشاب الضارة للمكان، بدت موحشة ومهجورة.

ولكن مقارنة بتلك المقابر الجديدة التي كانت في نظام مثالي وتحتفظ بنظافتها، فضل غاو يانغ مقبرة جسر تايبينغ القديمة بكثير. هذا ما كان يعتقد أن المقبرة يجب أن تكون عليه — مستقراً حقيقياً للموتى.

باستثناء التنين، حضر الجميع جنازة الحصان الشبح.

وتناوبوا على جرف التراب لدفن التابوت.

وبعد ذلك، نصب الكلب السماوي شاهد القبر الذي نحته.

كانت الحملة الوديعة تبكي طوال الوقت، وعيناها منتفختان مثل مصباحين صغيرين. والآن، لم تستطع منع نفسها من الانفجار بالبكاء مجدداً. لم تستطع تقبل الحقيقة، وسألت الأرنبة البيضاء: "هل العم حصان شبح رجل سيء حقاً؟"

قرفصت الأرنبة البيضاء وواستها قائلة: "العم حصان شبح ليس رجلاً سيئاً يا حملتي الصغيرة اللطيفة. إنه مجرد الذئب الرمادي الكبير[1]."

"الذئب الرمادي الكبير؟" لم تفهم الحملة الوديعة.

"أجل. سيموت الذئب الرمادي الكبير جوعاً إذا لم يأكل الخنازير، لكن الخنازير ستموت إذا أكلها الذئب. بين الذئب الرمادي الكبير والخنازير الصغيرة، يجب أن يموت أحد ما."

قالت الحملة الوديعة بصوتها الطفولي: "نحن الخنازير، والعم حصان شبح هو الذئب الرمادي الكبير"، وأوحت نبرتها أنها لم تستوعب الأمر تماماً بعد.

"هذا صحيح." ضمت الأرنبة البيضاء الحملة الوديعة بين ذراعيها.

سعل نمر الحرب مرتين وقال بنبرة يكسوها الحزن: "خلال السنوات التسع التي قضاها الحصان الشبح معنا، كان رفيقنا وصديقنا وفرد عائلتنا الذي لا يعوض. ولكن في النهاية، اختار الخيانة. ومن المحتمل أيضاً أنه انضم إلينا كجاسوس منذ البداية."

تفحصت نظرته كل عضو من الأعضاء الحاضرين وتابع: "لسنا قديسين، ومن المستحيل أن نسامح وننسى الأحياء بابتسامة، ولكن في الموت، يمكننا المسامحة والنسيان. لقد كان جزءاً من رحلتنا، وأتمنى أن نتذكر جميعاً الأجزاء الجيدة منه وننسى المظالم التي ارتكبها في حقنا."

لم يقل أحد شيئاً.

أخرج الكلب السماوي هارمونيكا وولى ظهره للآخرين، عازفاً لحناً متعرجاً ومأساوياً نحو الأفق المفتوح.

وبينما كان يعزف، تناوب الجميع على السير نحو شاهد القبر حاملين زهرة أقحوان بيضاء، لتقديمها للرجل الميت.

وكانت المغنية آخر من وضع زهرة. كان مكياجها أكثر إشراقاً ووضوحاً من المعتاد، لكنه فشل في تغطية عينيها المنتفختين والمحمرتين.

وضعت الزهرة بلطف ووضعت إصبعين على شفتيها، ثم ضغطت بهما على شاهد القبر كوداع أخير.

وعندها انتهت المعزوفة، معلنةً ختام الجنازة.

همّوا بالمغادرة. وكان غاو يانغ يسير في مؤخرة المجموعة تماماً، وقَفّ شعر بدنه فجأة بعد بضع خطوات.

التفت خلف كتفه واصطدم بالصدمة عندما رأى القطة البيضاء المألوفة.

كانت جاثمة على شاهد قبر الحصان الشبح بوضعية تنضح بالأناقة، وكانت عيناها الخضراوان المتلونتان كالمشاهد المتغيرة تخترقان غاو يانغ.

ناداه الضابط هوانغ قائلاً: "غاو يانغ؟ فلنذهب".

وبعد رمشة عين، اختفت القطة البيضاء، وكأنها لم تكن هناك من الأساس.

دخل غاو يانغ بسرعة إلى النظام؛ لم يرتفع معدل اكتسابه لنقاط الحظ، ولم تبدُ القطة البيضاء معادية له.

وفي الواقع، كان غاو يانغ يجادل نفسه بشأن ما إذا كان ينبغي له إخبار الضابط هوانغ وتشينغ لينغ عن القطة البيضاء.

ولكن لأسباب يجهلها، أخبره حدسه أن القطة البيضاء تلاحقه هو، وقد يكون من الأفضل إبقاء رفاقه بعيداً عن هذا الأمر.

—

وللعودة إلى القاعدة، ركب غاو يانغ، وتشينغ لينغ، والضابط هوانغ، والأرنبة البيضاء في سيارة الجيب الخاصة بنمر الحرب.

كان الرجل يشرب البيرة أثناء القيادة، وكان أقل كلاماً بكثير من المعتاد.

وإذ كانت تجلس في مقعد الراكب الأمامي، رفعت الأرنبة البيضاء رجليها على المقعد وكانت تطلا أظافر قدميها باللون الأسود.

وكان الضابط هوانغ يراسل زوجته على تطبيق "وي شات".

واستلقت تشينغ لينغ إلى الخلف في المقعد ورأسها مضغوط على النافذة، ترتاح وعيناها مغلقتان.

قال نمر الحرب فجأة: "لا بد أن المغنية محطمة تماماً".

سأل الضابط هوانغ: "هل هي مقربة من الحصان الشبح؟"

قالت الأرنبة البيضاء وهي لم تتوقف عما تفعله: "مقربة جداً".

وتابعت: "كانت شركة المحاماة الخاصة بالحصان الشبح قريبة من متجر زهور المغنية. وفي كل يوم قبل الذهاب إلى العمل، كان الحصان الشبح يمر بمتجر المغنية ليشتري باقة زهور. وكانت المغنية تصنع فنجانين من القهوة، يشربانهما بينما يقضيان وقتاً قصيراً معاً."

جعل ذلك غاو يانغ فضولياً بشأن شيء ما على الرغم من الموقف وسأل: "أليست موهبة المغنية هي قداس الموت؟"

سألدت الأرنبة البيضاء: "وماذا في ذلك؟"

أدرك غاو يانغ الأمر بنفسه وقال: "آه، لقد نسيت أن موهبة الحصان الشبح كانت التخاطر".

قال نمر الحرب: "موهبتاهما متطابقتان تماماً. ذات مرة، مررت بجانب متجر الزهور ورأيتهما يجلسان على الجانب الآخر من واجهة العرض، يستمعان إلى الموسيقى ويشربان القهوة. لم يتحدث أي منهما، لكنهما كانا يبتسمان بين الحين والآخر. لقد شككت دائماً في أنهما كانا يتوددان لبعضهما في خفاء".

رمقت الأرنبة البيضاء نمر الحرب بنظرة حادة وقالت: "ألا يمكن ألا تصيغ الأمر بهذه الطريقة؟ لقد كان بينهما اتصال روحي. تشعر المغنية بالوحدة لأنها لا تستطيع عادةً التحدث مع الناس".

تخيل غاو يانغ المشهد في رأسه ووجده رومانسياً للغاية، فتحسر قائلاً: "لا عجب أن المغنية كانت مفجوعة هكذا".

ابتسمت الأرنبة البيضاء بمرارة وقالت: "هناك سبب يمنع القائد لأجله العلاقات الرومانسية في العمل".

غير نمر الحرب الموضوع قائلاً: "مع رحيل الحصان الشبح يا غاو يانغ، ستأخذ مكانه. أنت حصان الأبراج الاثني عشر من الآن فصاعداً. هل فكرت في اسم مستعار؟"

اعترف غاو يانغ قائلاً: "كل شيء حدث فجأة، لم أفكر في الأمر". لقد أراد البقاء بعيداً عن الأضواء، ولم يتوقع أن يصبح في الخطوط الأمامية بهذه السرعة.

ابتسم نمر الحرب وقال: "لماذا لا أختار لك واحداً بصفتي معلمك؟ لديّ الاسم المثالي".

وقال غاو يانغ: "بالتأكيد".

رفع نمر الحرب حاجبيه قائلاً: "الحصان الأسود. ما رأيك؟"

'كان هذا اسماً مغروراً للغاية! وسيجذب الكثير من الانتباه! هل تحاول قتلي من خلال المبالغة في تقديري يا معلمي؟!'

ابتدلع غاو يانغ شكواه وقال: "لماذا لا نعيد التفكير في الأمر…"

رفعت الأرنبة البيضاء يدها قائلة: "أعتقد أنه اسم جيد. أنا أصوت لصالح الحصان الأسود".

قال الضابط هوانغ مع ابتسامة ساخرة: "وأنا أؤيد".

وقالت تشينغ لينغ وعيناها لا تزالان مغلقتين: "وأنا أؤيد أيضاً".

بدى نمر الحرب سعيداً بالنتيجة وقال: "إذن تقرر الأمر".

تقبل غاو يانغ الاسم باستسلام قائلاً: "إذن… شكراً لك يا معلمي". فالذراع لا يمكنها أبداً الفوز في مصارعة ضد فخذ.

الحصان الأسود؟ ليأمل فقط أن يكون على قدر هذا الاسم.

—

وبدلاً من العودة إلى برج الألفية مباشرة، قاد نمر الحرب السيارة إلى منزل الحصان الشبح أولاً.

من ناحية، كان ذلك لفرز المقتنيات التي تركها وراءه.

ومن ناحية أخرى، ربما كانت هناك أدلة يمكن اكتشافها.

كان الحصان الشبح شخصاً منطوياً على نفسه؛ فقد ظل عازباً لسنوات، ولم يكن يملك عقارات أو سيارات، وكان يعيش في شقة مستأجرة.

فتح نمر الحرب قفل الباب بسهولة. وفي الداخل كانت هناك شقة استوديو من غرفة واحدة. وعلى الجانب الآخر من الجدار الزجاجي كانت توجد شرفة، وتتأرجح الستائر البيضاء مع الرياح، مما يسمح للضوء الطبيعي بالدخول بالكامل.

كانت الشقة نظيفة وبسيطة على نحو مفاجئ. وعلى الأرض كانت هناك مرتبة رمادية كبيرة وسميكة، وبجانبها طاولة قابلة للطي عليها كمبيوتر محمول مغلق.

وبجوارها كانت توجد خزانة كتب؛ امتلأ الرف العلوي بنحو عشرة كتب عن القانون، بينما امتلأت بقية الرفوف بأقراص مدمجة لموسيقى الجاز.

وعلى الجانب المقابل للمرتبة، وُضع نظام ستيريو أسود بجانب الجدار؛ بدا احترافياً وعالي الجودة، وربما كانت هذه هي الأشياء الثمينة الوحيدة في هذه الشقة.

رسم غاو يانغ في رأسه صورة لنمط حياة الحصان الشبح؛ يركب مترو أنفاق مزدحماً متوجهاً إلى منزله كل يوم بعد العمل، ثم يغلق الباب، ويخلع حذاءه، ويضع حقيبته، ويغير بدلته ليرتدي ملابس النوم، ويختار قرصاً مدمجاً يحبه من خزانة الكتب، ويشغل نظام الستيريو. وبعد ذلك يأخذ المكونات من الثلاجة ويبدأ في إعداد العشاء بينما تكون الموسيقى هي جليسه الوحيد.

حياة بسيطة، روتينية، ووحيدة.

لماذا خان المنظمة؟ ولصالح من كان يعمل؟ وما الذي كان يسعى إليه؟ وماذا كان حلمه؟ وهل كان نادماً؟ من الذي أحبه، ومن الذي استاء منه؟ وماذا عن شخص لم يستطع التوقف عن التفكير فيه؟

ربما لن يجدوا أبداً إجابات لهذه الأسئلة.

فتش الخمسة شقة الحصان الشبح, لكنهم لم يعثروا على أي أدلة تستحق الذكر. وكل ما حققوه هو زيادة عمق حزنهم.

أخذ نمر الحرب كمبيوتر الحصان الشبح المحمول وقرر المغادرة. وفي تلك اللحظة رن هاتفه، فأجاب أمام الجميع، وبعد نصف دقيقة، أغلق الخط قائلاً: "سنتحدث شخصياً".

حرك حاجبيه للأرنبة البيضاء قائلاً: "خمّني من اتصل للتو يا أرنبة؟"

"تحدث، أو اخرس واغرب عن وجهي." لم تكن الأرنبة البيضاء في مزاج يسمح بالألعاب.

أشرق تعبير نمر الحرب بالإثارة، وبدا أنه خرج بسرعة من ظلال موت الحصان الشبح وقال: "اتحاد الأنهار المائة".

تيقظت الأرنبة البيضاء أيضاً وسألت: "اتحاد الأنهار المائة؟ ما الأمر؟"

"شيء رائع. لقد عثروا على كهف روني."

الترجمة: كوكبة

—

[1] في النسخة الصينية من قصة "الخنازير الثلاثة الصغيرة"، يُعرف الذئب باسم "الذئب الرمادي الكبير" بدلاً من "الذئب الخبيث الكبير". والأمر نفسه ينطبق على قصة "ذات الرداء الأحمر". وبما أن الأرنبة البيضاء تقول إنه ليس رجلاً سيئاً، فإن الترجمة الحرفية للاسم الصيني تبدو أكثر ملاءمة من الاسم الأصلي لشخصية الحكاية الخرافية.

الأرك الأخير في المجلد قادم.

اوه، وقصة الحصان الشبح لها تتمة لاحقا رغم موت هذا الأخير.

الكاتب مش راح يخليه طالما هو في قبره.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.