مساحة للحكاية، ووقت لك← رواية متاهة الوحوش
الفصل 807: حان الوقتنحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 807: حان الوقت

الفصل 807: حان الوقت

كانت تشينغ لينغ تعرف كمية التفطر والحزن التي يضمرها غاو يانغ في قلبه، ولا بد أنه قد قام بتفعيل "الدرع النفسي" فور استيقاظه، وإلا لما كان بهذا الهدوء والتماسك.

كان بحاجة إلى المواساة. كان بحاجة إلى شخص يثق به ليستمع إليه ويؤنس وحدته. وكانت تشينغ لينغ هي ذلك الشخص، لكنها لم تكن قادرة على فعل ذلك.

إن المعركة في حفرة الصحراء قد دمرتها نفسياً وجسدياً. لقد كانت على وشك الانهيار وبحاجة إلى نوم عميق، حتى لو كان ذلك من أجل هذه الشخصية فقط.

"ينبغي… أن ترتاحي." رمش غاو يانغ في وجهها.

"أجل." أومأت تشينغ لينغ برأسها. "تشينغ لينغ الصغيرة قلقة. إذا كنت لا تريد التعامل معها…"

"لا بأس." بدا صوت غاو يانغ هادئاً.

"حسناً." أغلقت تشينغ لينغ عينيها وأخذت نفسين عميقين.

بعد حوالي دقيقة، فتحت عينيها مرة أخرى.

لم تعد نظرتها هادئة وحازمة، بل أصبحت ناعمة وحزينة، والدموع تترقرق في عينيها. لقد كانت تشينغ لينغ الصغيرة.

فتحت فمها وأغلقته، وهي غير متأكدة مما تقوله. وسرعان ما انهمرت دموعها وهي تنظر إلى غاو يانغ، المستلقي على السرير وأطرافه لا تزال مفقودة.

مدت يدها لتضعها على صدر غاو يانغ. كانت دقات قلبه تتسارع مع تدفق مشاعره — كان "الدرع النفسي" لغاو يانغ يقترب من نهاية مفعوله.

سألته بتردد: "هل يؤلم؟"

أجاب غاو يانغ بصوت مبحوح: "إنه يؤلم".

"لا تلم نفسك يا غاو يانغ. لقد بذلت قصارى جهدك…"

"أجل، بذلت قصارى جهدي، بذلت قصارى جهدي…" ظل غاو يانغ يكرر الكلمات نفسها، وكأنه يحاول إغراق الصوت الذي بداخله. "الانتقام هو ما يجب علينا فعله. لم يكن لدي خيار. بذلت قصارى جهدي، بذلت قصارى جهدي…"

حدقت به تشينغ لينغ الصغيرة.

لم يستطع غاو يانغ التقاط أنفاسه، لكنه استمر في الكلام مثل لعبة تم ملء زنبركها ثم أُطلقت، غير قادر على التوقف.

"تفوهت جان بثلاثة مقاطع لفظية قبل أن تموت… كان الأمر عاجلاً جداً فلم أتمكن من رؤية ما كانت تحركه شفتها… ماذا قالت لي؟"

نظرت إليه تشينغ لينغ الصغيرة بذهول، وهي تشعر بوخزة ألم في قلبها.

"أنا لازالت أحبك؟" خمن غاو يانغ. "لقد أخبرتني أنها معجبة بي من قبل. ربما كانت تحاول الاعتراف لي قبل الموت… لا، لا. لقد كانت خجولة في مشاعرها، ولم تكن لتقول هذه الكلمات. وقد أخبرتني ذات مرة أنها من نوع الارتباط التجنبي…"

"أنا ممتنة لك؟" وضع غاو يانغ تخميناً آخر. "لا، لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً. مع قائد مثلي، ينبغي لها أن تستاء مني أكثر من أي شيء آخر…"

"إلى اللقاء قريبا؟ لا، هذا رسمي للغاية. ليس شيئاً قد تقوله…"

"تشينغ لينغ الصغيرة، ماذا كانت جان تحاول أن تقول لي؟ ماذا يمكن أن يكون… يجب أن أعرف. لا بد لي من ذلك. إنها كلماتها الأخيرة، ومع ذلك لم أسمعها…"

"ماذا كنت أفعل؟ لماذا لم أسمعها… لماذا لم…"

"غاو يانغ!" فشلت تشينغ لينغ الصغيرة في النهاية في حبس دموعها. "لا تفعل، أرجوك. توقف فحسب…"

حدق غاو يانغ في السقف بعينين متسعتين، وبدا كأنه رجل ممسوس. "ما هي الكلمات؟ ماذا قالت؟ ماذا يمكن أن يكون…"

وهي تبكي، انحنت تشينغ لينغ الصغيرة ورفعت غاو يانغ بكلتا يديها بصعوبة، وجذبته إلى حضنها محتضنة رأسه، ومسدت شعره بلطف.

ترقرقت الدموع في عيني غاو يانغ الممسوستين، وكان لا يزال يتمتم بالكلمات نفسها. "ماذا قالت…"

بذلت تشينغ لينغ الصغيرة قصارى جهدها للتوقف عن البكاء. وبتقطع، غنت الأنشودة التي كانت أختها قد غنتها لغاو يانغ من قبل:

"مهدٌ… صغيرٌ جداً، يتأرجح… ذهاباً وإياباً…"

"سماء الليل… جميلة جداً…"

"أمي هي النجوم، وأبي هو القمر…"

"ابقَ معي حتى أغط في حلم…"

"لا لا لا، لا لا لا…"

"ابقَ معي حتى أغط في حلم…"

قامت "الوزغة" تلقائياً بإصلاح جسد غاو يانغ وسلبه كل طاقته. واجتاحته موجة من الإرهاق مرة أخرى. وفي أحضان غناء تشينغ لينغ الصغيرة، شعر وكأنه قارب صغير يتمايل على الماء، ويبحر ببطء نحو الهاوية السوداء التي ستلتهم كل شيء عند حافة المحيط.

—

عندما فتح غاو يانغ عينيه، وجد نفسه في كوخ دافئ. وكانت هناك كومة من الحطب الجاف في المدفأة الحجرية بجانبه، تغذي النار المتفرقعة.

رقص ضوء النار الدافئ في الكوخ. كان ينام على كرسي هزاز ودثار دافئ يغطيه.

كان هناك شابان يجلسان على الأريكة في الغرفة، ويمسك كل منهما بكوب من القهوة الساخنة المتصاعدة البخار.

سأل أحدهما: "هل ما زلت على اتصال بها؟"

فأجاب الآخر: "أجل. كان عيد ميلادي بالأمس، وأرسلت لي رسالة صوتية وغنت لي بمناسبة عيد ميلادي".

"لماذا لم تطلب منها زيارتك في مدينة لي؟"

"ماذا لو وافقت على زيارتي؟"

"سيكون أمراً مثيراً للاهتمام لو ظهرت حقاً. سيعني ذلك أن هناك حياة خارج الضباب."

"ليس بالضرورة. ربما لا توجد خارج الضباب بل في بعض المناطق الانتقالية. ربما كل الوحوش تأتي من هناك…"

لم يعد غاو يانغ قادراً على الاستماع بهدوء. ألقى بالغبار عنه في موجة عارمة من المشاعر وانتفض واقفاً على قدميه. "شيران! روني!"

"أوه، لقد استيقظت يا قائد." وضع شيران كوبه على عجل ووقف. وقام الشاب ذو المظهر المثقف المرتدي قميصاً أبيض بملامحه الرقيقة بتعديل نظارته بابتسامة لطيفة وخجولة. "آسف لإيقاظك يا قائد".

"أنتما…" لم يكن غاو يانغ متأكداً مما يقوله.

ابتسم شيران وقال: "كنا نتحدث عن العالم خارج الضباب. لن نستمر في الحديث إذا كنت لا تريد سماع ذلك يا قائد".

"لا، لا. أنا مهتم." مشى غاو يانغ نحوهما. "لطالما أردت الدردشة معكما حول هذا الموضوع. أوه، والفضاء الانتقالي الذي تخمنانه قد يكون موجوداً بالفعل. لقد حلمت به؛ كان هناك جداران طويلان للغاية، أحدهما أبيض والآخر أسود، وبديا بلا نهاية. وفي المنتصف كانت هناك شجرة عملاقة…"

ابتهج شيران. "حقاً؟"

وكان روني متحمساً أيضاً، وهو يرتدي ملابس سوداء ضيقة ومكياجاً قوطياً داكناً، وتغطي الثقوب أذنيه. "هل فتحتَ البوابات يا قائد؟"

هز غاو يانغ رأسه بإحباط. "لا، ليس بعد…"

"أوه، حان الوقت." ألقى شيران نظرة على ساعته. "ينبغي أن نتحدث في المرة القادمة يا قائد. نحن منطلقون".

سأل غاو يانغ: "منطلقون؟ هل هناك مهمة؟"

"أجل، يجب أن نذهب." أمسك شيران وروني بمعطفيهما وارتديا وشاحيهما قبل أن يفتحا الباب الخشبي.

لحق بهما غاو يانغ بعد برهة من التوقف. وخارج الكوخ كان هناك عالم من الثلج. ووسط الهطول الأبيض، بدا كل شيء وكأنه متجمد في مكانه. وإذ يطؤون طبقة الثلج الكثيفة، تحدى الثلاثة الطقس القاسي وهم يتقدمون للأمام.

ومضت نجوم لا حصر لها في السماء في عمق الليل، لكن القمر لم يكن له أثر في أي مكان. وكان ما يحيط بهم شديد السواد وساكناً.

ساروا لمسافة طويلة جداً وسط العاصفة الثلجية قبل أن يهدأ الثلج أخيراً، وظهر ضوء دافئ في مرأى عيونهم. لقد كان موقد نار.

هتف شيران بسعادة: "انظروا! هذا هو العم دب والأخ ثعبان!" وهرع نحو موقد النار.

وتبعه روني وغاو يانغ.

كان الدب الرمادي والثعبان الرشيق يجلسان بجانب النار، مرتدين ملابس شتوية ثقيلة. وكان مقعداهما عبارة عن صخرتين بارزتين. وكان الدب الرمادي يرتشف من كوب من الفولاذ المقاوم للصدأ ممتلئ بنصفه بالنبيذ الساخن.

وعلى الموقد كان هناك حامل معدني للطهي، يستقر عليه خنجر يخترق أرنباً. وكان الأرنب شبه ناضج.

"العم دب، الأخ ثعبان! لقد وصلنا!" مشى شيران نحوهما وجثا على ركبتيه بجانب الدب الرمادي، مادا يديه نحو الموقد طلباً للدفء بينما كان يزفر. "هذا المكان بارد جداً".

صاح به الدب الرمادي بانزعاج: "شيران! أنا في عمر الثعبان الرشيق تقريباً. لماذا تدعوني بالعم وتدعوه بالأخ؟"

قال روني: "أنت لا تظهر للعم دب ما يكفي من الاحترام يا شيران".

وجه الدب الرمادي نظرة حادة إلى روني. "اغرب عن وجهي! ليس أنت أيضاً!"

ابتسم شيران معتذراً. "لقد اعتدت على ذلك، ولا يمكنني التخلص من هذه العادة الآن".

قدم الدب الرمادي تنازلاً: "إذن نادني بنائب القائد!"

قال شيران وكأنه يلاطف طفلاً: "حسناً، حسناً. نائب القائد…" ثم سأل بابتسامة: "الطقس بارد جداً يا نائب القائد، هل يمكنني الحصول على رشفة أيضاً؟"

شخر الدب الرمادي وأخرج حبة بطاطا حلوة مشوية وساخنة من جيبه. "انسَ الأمر. حتى رشفة واحدة ستطرحك أرضاً. كيف ستذهب إلى المهمة إذن؟ لقد وفرت لك هذا".

"أوه، شكرًا لك يا عم دب… نائب القائد!" قبل شيران البطاطا الحلوة المقدمة بسعادة. كانت ساخنة جداً لدرجة أنه اضطر إلى تقاذفها بين يديه. وقسمها إلى ثلاثة أجزاء، معطياً روني وغاو يانغ جزءاً لكل منهما. "كل يا قائد".

وقف غاو يانغ بجانبه ولم يأخذها. "تناولها أنت، لست جائعاً".

"حسناً." لم يصر شيران، وبدأ في تناول البطاطا الحلوة، وتغشت نظارته على الفور بالبخار مخفية عينيه.

ألقى روني نكتة بملامحه الجادة. "شيران، لماذا انتقلت فجأة إلى الجانب المظلم؟"

لم يغضَب شيران، وواصل الاستمتاع بالبطاطا الحلوة. "هل ستستمر في إلقاء النكتة السخيفة نفسها طوال حياتك؟"

قال الثعبان الرشيق: "من السهل التعامل مع الأمر. أنت بحاجة فقط إلى زوج من العدسات اللاصقة".

ضحك شيران: "صحيح. سأحصل على مقاسي غداً".

وهو يمسك بغصن شجرة، استخدمه الثعبان الرشيق لتحريك أكوام الحطب لضبط النار. ثم التفت بلمحة إلى جانب غاو يانغ: "هل تعمل موهبة الوزغة الخاصة بي بشكل جيد يا قائد؟"

توقف غاو يانغ وأومأ برأسه. "تماما. شكراً لك".

"هذا جيد. يجب أن تحتفظ بها." وقف الثعبان الرشيق واضعاً كلتا يديه على ركبتيه، ومد ساقيه ثم ركل الدب الرمادي في مؤخرته. "حان الوقت، يجب أن نذهب".

الترجمة: كوكبة

——

أنا لا أبكي… أنا لا أبكي… فقط يوسف دخل في عيني.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.