الفصل 769: شجرة الحياة
الفصل 769: شجرة الحياة
"أرجو أن تعجلوا بالأمر. الغبار لن تظل في المكان نفسه طويلاً." لم تخفِ ليو تشينغ ينغ الاستعجال الذي تشعر به، ثم نهضت وغادرت المكتب.
التفت كيلين نحو الملقبة بلي متسائلاً: "ما رأيكِ يا سيدة لي؟"
"أعتقد أننا نستطيع العمل معاً." ركزت الملقبة بلي نظرها. "لطالما كانت الغبار مشكلة تؤرق اتحاد الأنهار المئة. والآن بعد أن اندمجت منظمتانا، فإن القضاء على الغبار لن يوجه ضربة لطائفة حاملة السامي فحسب، بل سيجمع الأعضاء معاً ويرفع الروح المعنوية."
"هذا صحيح،" قال كيلين. "لكن هناك احتمالاً بأن ليو تشينغ ينغ قد انضمت بالفعل إلى الورثة التسعة، وهي تدعونا لنقع في فخ."
"هذا مستبعد. ليو تشينغ ينغ والخنزير الميت مهووسان بموت با كيوتشي منذ عشر سنوات. هذا ليس بالأمر المستجد، ومن غير المرجح أن يكون مجرد تمثيل."
وأضافت الملقبة بلي: "إذا كنت لا تزال غير واثق، فخذني معك في هذه المهمة. سأكون قادرة على رؤية رؤى ضبابية إذا تعرضت حياتي للتهديد، وحينها سنتجنب الخطر."
أومأ كيلين برأسه. "كما هو متوقع من العراف."
"هاها." لم تنكر الملقبة بلي ذلك وقالت: "لطالما اعتبروني عجوزاً قليلة النفع. ربما حان الوقت لأغير نظرة الناس إليّ."
…
كنيسة الجبل المقدس، بلدة أورورا، دولة الثلج.
كانت الساعات الأولى من الصباح. وتربض الكنيسة القديمة المهيبة عند سفح الجبل الثلجي، وكان برجها المدبب يرتفع كقبضة باردة تخترق السماء الليلية. وبدت الكنيسة وكأنها وحش عملاق مغطى بالأشواك السوداء يتربص في تلك الأرض الشاسعة.
كان الباب الأمامي للكنيسة مفتوحاً، مما يتيح رؤية داخلها الفارغ والمتهالك. وقد جزأ الزجاج الملون ضوء القمر ليحوله إلى أزهار بيضاء متناثرة.
وعلى الجانب البعيد من الكنيسة، يقف صندوق اعتراف بحجم كشك الهاتف على أحد الجوانب. وداخل المقصورة اليسرى من صندوق الاعتراف، كان يجلس شاب مغطى بالجروح ومقيد بالكامل؛ إنه لين دانجيان، الذي تعرض للاختطاف.
طوال اليومين الماضيين، تأرجح حاله بين الغيبوبة واليقظة دون أن يتناول طعاماً أو شراباً. وبدأت قواه تخور، وتشوش ذهنه، وشعر وكأنه محاصر في كابوس عاجز عن الاستيقاظ منه.
انفتح الباب الصغير لصندوق الاعتراف بصرير خفيف، وتلا ذلك حفيف عباءة؛ لقد جلس شخص ما في الجانب الآخر من الصندوق.
"من، من أنت…؟" سأل لين دانجيان بضعف من وراء الحاجز الخشبي. "لماذا اختطفتني…"
لم يجبه الشخص.
"هل أخطأت في الشخص…؟" غص لين دانجيان بجهشة بكاء. "أنا لا أملك المال. ولم أعادِ أحداً قط. ولم أفعل أي شيء سيئ في حياتي…"
"…"
"أرجوك دعني أرحل. أرجوك. أنا… أنا لا أريد الموت بعد…" توسل لين دانجيان وهو ينتحب.
تحدث الشخص في الجانب الآخر أخيراً، وكان صوته أجشاً ويفح بفحيح: "الأرواح خطايا أصلية، والرغبات أعداء. وبدون وضوح، فإن الهلاك محتوم."
"أي أعداء؟ أي هلاك…" ازداد ارتباك لين دانجيان وتشتته.
"هذا شيء سمعته مؤخراً. هل تعرف ماذا يعني؟"
"أنا، أنا لا أعرف ما الذي تتحدث عنه. أنا لا أعرفك. لا توجد أي ضغينة بيننا. لماذا توجب عليك الإمساك بي…"
"نعم، لن تعرف بالطبع. أنت مجرد تائه." سخر الرجل ونهض ليغادر.
"دعني أذهب!" تجاهل دماغ لين دانجيان كلمة "تائه"، وتلوى محاولاً التخلص من القيود التي تكبل جسده ولكن دون جدوى. "إلى متى ستبقيني هنا؟ دعني أذهب! دعني…"
*حفيف.*
خرجت الغبار، مرتدية عباءة سوداء، من صندوق الاعتراف ثم من الكنيسة.
سارت الغبار عبر غابة حجبت حتى ضوء القمر عن النفاذ من خلالها، وقطعت طريقها في الليل لمدة عشر دقائق قبل أن تصل إلى باحة واسعة عديمة اللون. وكان هناك نهر عريض يقطع تلك الأرض، تغطيه قطع جليدية عائمة بأحجام مختلفة. وعلى ضفة النهر، كانت هناك صخرة ناتئة مغطاة بطبقة من الثلج.
وكان المرآة الصافية، متجسداً في جسد لوكي، يجلس على الصخرة متطلعاً إلى الشفق القطبي.
كان النجوم تتلألأ في السماء الليلية، وكان هناك شريط من الضوء الأخضر المتغير باستمرار يلمع ويتوهج، ليتفتح بلون وردي بديع. واجتمعت السماء العميقة مع الأرض القاحلة الرمادية لترسما معاً لوحة زيتية غامضة، وعميقة، وفانتازية تحت ستار الشفق القطبي.
صعدت الغبار فوق الصخرة وجلست بجانب المرآة الصافية، لتشاركه تأمل الشفق القطبي.
وبعد فترة، فتحت الغبار فمها وقالت: "أثاء جلبي للين دانجيان إلى هنا، تركت آثاراً خلفي عمداً. ومن المؤكد أن السليل السامي سيلاحظها طالما أنه يتحرى عن الأمر. وعلى أقرب تقدير، سيكون هنا غداً."
أومأ المرآة الصافية برأسه. "أنا جاهز من جانبي أيضاً."
"أجل."
ساد الصمت بين الشقيقين، وجلسا متجاورين في صمت يرقبان السماء.
وبعد فترة طويلة، قالت الغبار: "من أين تظن أن هذا الضوء يأتي؟"
"الشفق القطبي هو نتيجة لجسيمات مشحونة في بلازما الغلاف المغناطيسي تضطرب بفعل الرياح الشمسية…"
"أنت تعلم أن هذا ليس ما أسأل عنه،" قاطعتها الغبار بضيق. "الضوء، والعالم، ونحن. من أين يأتي كل شيء؟"
قال المرآة الصافية بجدية: "لقد جئنا من شجرة الحياة."
"هل ما زلت ترى الحلم نفسه؟" ألقت الغبار نظرة على المرآة الصافية.
في ذلك الحلم، كان هناك جدار أبيض وجدار أسود يمتدان إلى ما وراء الأفق البصري، ونهر يحوي العديد من العيون والأيدي، وشجرة أكبر من مدينة بأكملها. وكانوا جميعاً ثماراً تولد على تلك شجرة، وتسقط في النهر بمجرد نضجها.
هز المرآة الصافية رأسه. "منذ أن استحوذت على جسد مضيف بشري، توقفت عن رؤية ذلك الحلم."
"وأنا كذلك،" مدت الغبار يدها اليمنى وتطلعت إلى كفها المغطى بآثار الحروق. "منذ أن استحوذت على جسد الخيط الذهبي، توقفت عن الحلم بشجرة الحياة."
دفعت موجة من الحزن الغبار إلى إخراج صورة مصفرة من جيبها؛ تظهر فيها شقيقة وشقيقها في سن الشباب.
كان الشاب يملك شعراً أسود طويلاً، وعينين عميقتين، وملامح وجه أنيقة ووسيمة. وكانت الفتاة تملك شعراً أسود أيضاً، مضفوراً في جديلة كبيرة، وتتمتع بذلك النوع البسيط من الجمال الذي تمتاز به الفتيات اللواتي ترعرعن في كنف عائلة طيبة.
حدقت الغبار في الصورة وتاهت في ذكريات بدت وكأنها من حياة سابقة.
"ما زلتِ تحتفظين بها؟" سأل المرآة الصافية.
"لا أريد أن أنسى وجهي،" قالت الغبار بنبرة ممتعضة.
"يا غبار، المظهر ليس مهماً." مد المرآة الصافية يده ليرفع غطاء رأسها.
"لا تفعل…" تفادت الغبار يده بسرعة. "أنا أكره هذا الوجه. لا، بل أكره كل شيء فيه. ولولا موهبته، لكنت قد استبدلته بمضيف آخر منذ زمن طويل."
"المظهر لا يهم،" كرر المرآة الصافية. "فأرواحنا لن تتغير أبداً."
"وهل نملك روحاً من الأساس؟" ضحكت الغبار بمرارة. "ظننت أن البشر وحدهم من يملكون أرواحاً."
"كل شيء يملك حساً، وكل حياة لها روح." قال المرآة الصافية بنبرة يقين.
"صحيح." وسماع المرآة الصافية يتحدث بكل هذه الجدية جعل الغبار تهدأ قليلاً.
وخلال حياتها متخفيةً طوال السنوات العشر الماضية، كان المرآة الصافية هو أكثر من اشتاقت إليه.
لطالما كان الشقيقان متلازمين لا يفترقان. ولكن بعد انضمامهما إلى طائفة حاملة السامي، لم يكن أمامهما خيار سوى الافتراق والمضي قدماً في مهامهما الخاصة من أجل إيمانهما، وخلاصهما، والدخول إلى عالم السامي.
شدت الغبار غطاء رأسها لتغطي وجهها بالكامل قبل أن تميل نحو المرآة الصافية وتريح رأسها على كتفه متسائلة: "هل يمكننا حقاً الوصول إلى العالم الآخر ايها المرآة الصافية؟"
الترجمة: كوكبة
———
شجرة الحياة…
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.