مساحة للحكاية، ووقت لك← رواية متاهة الوحوش
الفصل 17: "عندما يتربص المفترس بالطريدة"نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 17: "عندما يتربص المفترس بالطريدة"

الفصل 17: عندما يتربص المفترس بالطريدة

أبطأ غاو يانغ من سرعته وسرعان ما اتخذ قراراً؛ فانعطف نحو منطقة أكثر ازدحاماً.

نظرياً، لن يجذب انتباه المزيد من وحوش الغضب إلا إذا حدث صدام بوجود الكثير من الناس حوله، وستكون فرصته في النجاة أقل. ومع ذلك، إذا كان من يتبعه وحش غضب، فلا بد أنه قد اكتشف أمر استيقاظه، أو على الأقل يشك في ذلك.

لكن الوحش كان يتبعه بدلاً من مهاجمته فوراً، وهذا يعني أن الوحش يريده لنفسه ولن يطارده بوجود الكثير من الوحوش الآخرين حولهما.

سرعان ما مر غاو يانغ بجانب متجر بقالة يعمل على مدار الساعة. أخذ نفساً عميقاً ودخل إليه.

من زاوية الشارع، ركضت فتاة ذات شعر قصير ترتدي زيّاً مدرسياً. طاردت غاو يانغ حتى مدخل المتجر قبل أن تتوقف مترددة. ثم رتبت غرتها بيدها ودخلت.

اصطدمت بغاو يانغ مباشرة.

"آه!" صرخت بتفاجؤ.

لقد استجمع غاو يانغ كل شجاعته ليرد الضربة لملاحقه بهذه الطريقة، لكنه ذُهل عندما رأى وجه الفتاة. وفي داخله، تنفس الصعداء.

"سين الصغيرة؟"

كانت زميلة غاو يانغ في الفصل، وان سيسي. الجميع ينادون الفتاة الانطوائية والخجولة بـ "سين الصغيرة".

أمسكت وان سيسي بحقيبتها الجانبية بعجز، وهي تمثل الارتباك والتوتر بجمود: "مـ.. مرحباً.. لم أظن أنني سأقابلك هنا. أنا.. فاتني موقفي قبل قليل وشعرت ببعض الجوع، لذا أتيت لشراء بعض المسليات…"

"أنتِ تتبعينني، أليس كذلك؟" دخل غاو يانغ في صلب الموضوع مباشرة.

احمرّ وجه وان سيسي من رقبتها وصولاً إلى خلف أذنيها. "أنا.. أنا.. هذا.."

نظر غاو يانغ حوله؛ كان المحاسب والزبائن ينظرون باتجاههما بفضول.

كان من الغريب لشخصين أن يقفا عند الباب هكذا. أمسك وان سيسي من يدها وسحبها إلى زاوية في المتجر. جلسا بجانب المقاعد المطلة على النافذة جنباً إلى جنب، ثم اشتريا بعض الطعام والمشروبات.

بعد دقيقة، رشفت وان سيسي قهوتها سريعة التحضير، وبدأ توترها يتلاشى قليلاً، بل كانت تشعر ببعض الإثارة. قالت وهي تخفض رأسها وتتمتم بصوت خافت: 'لقد أمسك بيدي.. واشترى لي القهوة..'

"عفواً؟"

"لا شيء!" هزت وان سيسي رأسها على عجل. "شكراً لك على القهوة."

أخذ غاو يانغ قضمة من شطيرة النقانق الخاصة به. "الآن أخبريني، لماذا كنتِ تتبعينني؟"

خفضت وان سيسي رأسها وصوتها. "غاو يانغ.. أنت محطم القلب بسبب ما حدث للي ويوي، أليس كذلك؟"

توقف غاو يانغ ولم يقل شيئاً.

"تبدو كشخص مختلف مؤخراً. نادراً ما تتحدث مع أي منا، وبدلاً من ذلك تحدق في الفراغ طوال اليوم." بدا صوت وان سيسي قلقاً بصدق.

"حقاً؟"

شعر غاو يانغ بالامتنان لها. 'شكراً لتذكيري،' فكر في نفسه، 'يجب أن أحافظ على العلاقات التي بنيتها، وإلا سأكون مثار شك.'

"الموت طريق ذو اتجاه واحد. لا أحد يريد حدوث شيء كهذا.." اعطت وان سيسي نظرة حذرة لغاو يانغ. "لا تكبت الأمر في داخلك. إذا كان هناك أي شيء يضايقك، يمكنك إخباري."

توقف غاو يانغ عن المضغ ونظر جانباً إلى وان سيسي. كان شعرها القصير مقصوصاً بدقة من الأمام، ليحيط بوجهها البيضاوي. كانت بشرتها بيضاء وقوامها صغيراً. عيناها الكبيرتان كانتا ترمشان دائماً بخجل وتوتر، مثل غزال صغير خجول.

كانت تتحدث دائماً بنعومة وكأن لديها نظرة منخفضة تجاه نفسها، ولم تكن تستطيع مواجهة أعين الآخرين تماماً. كانت من نوع الفتيات اللواتي يحب الناس مضايقتهن.

في الواقع، كان هناك الكثير من الفتيان المعجبين بها، لكنها لم تلاحظ ذلك أبداً.

كانت لغاو يانغ علاقة ودية مع وان سيسي. كانت مساعدة مادة اللغة الإنجليزية في الفصل [1]، وكان غاو يانغ يلجأ إليها أحياناً لحل مشاكل اللغة الإنجليزية.

لم يقل غاو يانغ لها شيئاً تقريباً منذ وفاة لي ويوي، فلا عجب أنها كانت قلقة.

تحت نظرات غاو يانغ، احمرّت وان سيسي مرة أخرى، وأشاحت بصرها بخجل. "أنا آسفة.. تظاهر بأنني لم أقل شيئاً.."

"شكراً لكِ." ابتسم لها غاو يانغ بامتنان. "لم أكن أعرف أنكِ تهتمين بي كثيراً."

"لا! أنا لا أفعل!" أنكرت وان سيسي ذلك بشدة، لكن تعابير وجهها خانت مشاعرها الحقيقية. "نحن زملاء في الفصل، يجب أن نعتني ببعضنا البعض!"

قال غاو يانغ: "لا تقلقي، أنا لا أكبت كل شيء بداخلي. أحتاج فقط لبضعة أيام لأستجمع نفسي."

تبادلا حديثاً عابراً لفترة أطول قليلاً، فتحدثا عن حياتهما اليومية والجامعات التي يريدان دخولها حتى نفد المشروب الساخن والطعام على الطاولة.

وقفت وان سيسي لترمي القمامة. ثم نظرت حولها، وعندما لم يكن أحد ينظر، وضعت الكوب الورقي الذي شربت منه القهوة في جيبها، وكان وجهها يشع سعادة بوضوح.

لم يغب ذلك عن ملاحظة غاو يانغ.

'هل لديها مشاعر تجاهي؟'

تذكر غاو يانغ ليلة عيد ميلاده، تذكر لي ويوي التي كادت تقتله. ربما تنتهي وان سيسي بنفس الطريقة؛ ففي لحظة تعترف بمشاعرها له، وفي اللحظة التالية تتحول إلى وحش غضب مرعب يحاول التهام أحشائه حياً.

لم يكن غاو يانغ متأكداً مما يجب أن يشعر به.

افترقا خارج المتجر، ولم يدخل غاو يانغ إلى نظامه إلا عندما اختفت وان سيسي عند زاوية الشارع وهي تقفز بسعادة.

لم تزدد نقاط حظه بمعدل أعلى خلال وقتهما معاً. يبدو أن وان سيسي لم تكن تمثل تهديداً له.

بعد ذلك الفاصل القصير، استأنف غاو يانغ سيره نحو المنزل، لكنه توقف مرة أخرى بعد دقيقتين.

'غريب.. يبدو أنني لا أزال ملاحَقاً.'

أدرك غاو يانغ حينها أن حواسه أصبحت أكثر حدة، وهو ما لابد أنه نتيجة لارتفاع قوة إرادته. لقد ثبت أن زيادة إحصائياته فعالة.

أسرع غاو يانغ في خطواته وانعطف عند الزاوية التالية. ألقى بحقيبة ظهره جانباً واختبأ خلف آلة بيع ذاتية، حابساً أنفاسه.

بعد سبع إلى ثماني ثوانٍ، ركض شخص من زاوية الشارع. لاحظ الحقيبة على الأرض وكان يهم بالتقاطها عندما قفز غاو يانغ من خلف آلة البيع.

"وانغ زيكاي؟!"

قفز وانغ زيكاي من مكانه. "يا للهول—"

"كنت تتبعني؟"

قهقه وانغ زيكاي. "أنت مذهل يا صاح! ظننت أنني أخفيت نفسي جيداً، لكنك كشفتني!"

"ألم أقل لك أن تبقى في المنزل وتزرع طاقتك؟" كان غاو يانغ غاضباً، وهاجمه صداع مألوف جداً. 'إذا كنت تصر على أن تُقتل، فلا يمكنني إنقاذك يا صديقي.'

انهارت تعابير وانغ زيكاي. "الزراعة مملة جداً يا رجل! لم أعد أحتمل أكثر!"

"كيف ستصبح أقوى إذا لم تزرع طاقتك؟"

"ألا يمكنني فعل ذلك بقتل الوحوش؟ أو فعل أي شيء آخر.. هل التأمل سيجعلني حقاً أقوى؟ لا أشعر بذلك!"

'بالطبع لن يجعلك أقوى.'

'لكن على الأقل ستعيش لفترة أطول إذا لم تفعل شيئاً.'

تنهد غاو يانغ. "أنت مميز، ونموك أبطأ من نمونا. ومع ذلك، بمجرد أن تحقق اختراقاً، ستكون أقوى منا جميعاً. يجب أن تتحلى بالصبر. قبل أن يعهد سامي إلى المرء بمسؤوليات عظمى، ستكون هناك أولاً تجارب تلو التجارب لتأليم عقله، وإنهاك عضلاته وعظامه، وتجويع جسده، وحرمانه من كل الماديات [2]…"

"أفهم كل ذلك." قال وانغ زيكاي بعبوس. "لكنني كنت أموت من الملل."

ظل غاو يانغ صامتاً.

عندما رأى وانغ زيكاي وجه غاو يانغ المتجهم، ابتسم له فوراً ابتسامة استرضاء: "يا صاح، لا تغضب مني. سأعود للمنزل وأزرع طاقتي، حسناً؟"

"اصمت."

"ماذا؟" خفض وانغ زيكاي صوته ونظر حوله، وبدأ يشعر بالإثارة رغم الجو الجاد—أو ربما بسببه.

"نحن.. ملاحَقان."

لقد اكتفى غاو يانغ من هذا الأمر.

'حقاً، مرة أخرى؟!'

الترجمة : كوكبة

——

ملاحق ثلاث مرات في ربع ساعة، موهبة 'محظوظ' شكلها حفيدة مقدر.

[1] نظام متبع في المدارس الصينية حيث يتم اختيار طالب متفوق ليساعد المعلم في أمور المادة.

[2] اقتباس من الفيلسوف الصيني منسيوس (Mencius).

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.