الفصل 110: "الخيار"
الفصل 110: الخيار
توصل العجوز وانغ التوأمان إلى هدنة مؤقتة من أجل المصلحة العامة وواصلا قيادة الطريق، في حين أبقى نمر الحرب عيناً فاحصة على تشينغ شين تحسباً لأي فكرة غريبة قد تطرأ على باله.
شق الثمانية طريقهم عبر المتاهة المعقدة من الأغصان المتقاطعة، فتارة يتسلقون وتارة يقفزون، حتى وصلوا إلى قمة الفضاء الجوفي. وكان بمقدورهم لمس الواجهة الصخرية الباردة للقبة إذا ما وقفوا على أطراف أصابعهم ومدوا أيديهم للأعلى.
قوى غاو يانغ ألسنة اللهب في كفه ليتسع نطاق الإضاءة حولهم، وسرعان ما قال بهلع: "الأغصان تتحرك".
لاحظ الآخرون ذلك أيضاً؛ إذ بدأت الأغصان المغروسة في القبة تتزحزح ببطء، وتزامن ذلك مع تساقط حطام الحجارة. وبالحكم على الاتجاه الذي تتحرك فيه الأغصان، بدا وكأنها تنكمش وتتراجع.
وكانت كل العلامات تشير إلى أن جوهر هذا الفضاء يهبط نحو الجذور والأرض.
وكان الغصن الذي يقفون عليه جميعاً يتحرك بدوره، مما فرض عليهم مواصلة السير للبقاء في أماكنهم.
سأل نمر الحرب أحد العجوز وانغ: "أين هو المخرج؟"
"سيظهر قريباً، سترونه بأنفسكم".
استفسرت الأرنبة البيضاء: "هل أنت متأكد؟"
قال العجوز وانغ المصاب بجرح في جبهته: "هناك عشرات الآلاف من السيناريوهات في رأسي، وقد جربت كل طرق الهروب الممكنة. صدقوني حين أقول إن هذا هو المخرج الوحيد".
ثم اتجهت كل العيون نحو تشينغ شين.
أومأ تشينغ شين برأسه على عجل وقال: "أجل، هذا هو المخرج الوحيد، وإلا لما تسلقت الشجرة من الأساس".
ولم يتبقَ أمامهم سوى الانتظار.
لقد رأى العجوز وانغ وتشينغ شين نسخاً لا حصر لها من أنفسهم تختبر نجاحات وإخفاقات لا تحصى في خطوط زمنية لا حصر لها. ولكن بالنسبة للخمسة التابعين للأبراج الصينية الاثني عشر، كانت هذه فرصتهم الأولى والوحيدة للهروب.
وكان إخفاقهم يعني موتهم الحتمي.
كان الانتظار أصعب مما تخيلوا؛ إذ كانت المنطقة تحتهم تزداد بريقاً، بينما تزداد المنطقة المحيطة بهم عتمة وظلمة. وحتى النار في يدي غاو يانغ بدت محاولة بائسة لتبديد الظلام، فكانت تتأرجح بضعف وتكافح لرسم دائرة ضئيلة من الضوء حولهم، لتكشف عن الملامح المتباينة لوجوههم.
ووسط هذا الظلام الخانق، كسر نمر الحرب حاجز الصمت قائلاً: "لماذا خدعتنا لندخل تجويف الشجرة يا تشينغ شين؟"
صاح تشينغ شين مسرعاً: "لم أكن أنا! لقد كان هذا أنا الآخر!"
قال نمر الحرب بنبرة صارمة: "لا فرق بينكما. سأمنحك فرصة أخرى، ومن الأفضل أن تكون صادقاً معنا".
تسلل التوتر إلى تشينغ شين مجدداً، وتجنب النظر في عيني نمر الحرب قائلاً: "لقد تسببت في مقتل أعضاء الفريق الثاني. وحتى لو خرجت من هنا، سأكون شخصاً غير مرغوب فيه لدى الاتحاد. أردت الحصول على الدائرة الرونية لأكفر عن خطئي وألقي بكل اللوم على العجوز وانغ، ولكن…"
لمح تشينغ شين نمر الحرب ولم يجرؤ على مواصلة الحديث.
"ولكن،" تحدث نمر الحرب نيابة عنه مع ابتسامة: "كنت تعلم أنك لن تتمكن من الاحتفاظ بالدائرة الرونية أمامنا جميعاً، لذلك حاولت استدراجنا إلى تجويف الشجرة بالأكاذيب حتى ندخل في معركة مع نسخنا الأخرى، ومن ثم تتمكن من الهروب بالدائرة الرونية وسط الفوضى العارمة الناشئة عن ذلك".
"… أجل".
في اللحظة التي أنهى فيها تشينغ شين إجابته، بصق كلا العجوز وانغ في وجهه.
"أيها السافل! لكنت حطمت فكك بضربة لو لم أكن أكافح لأبقى واقفاً على قدمي!"
جادل تشينغ شين باستماتة: "لقد أخبرتكم! إن تشينغ شين الذي كذب عليكم قد مات! ويجب تصفية الحساب مع من أخطأ في حقكم. اكرهوه هو، لا أنا! أنا لم أكذب عليكم، بل ساعدتكم في الحصول على الدائرة الرونية!"
قالت الأرنبة البيضاء بسخرية: "هذا لأنك لم تملك خياراً آخر، وإلا لفعلت الشيء نفسه!"؛ فلم يكن هناك من تكرهه أكثر ممن يخون رفاقه.
ثم اقترحت قائلة: "أرى أن نقذفه إلى الأسفل. أي حق يملكه ليخرج من هنا حياً؟ إنه الشخص الأكثر استحقاقاً للموت بين أعضاء الفريق الثاني".
قالت تشينغ لينغ: "أوافقك الرأي".
وافق الضابط هوانغ بغضب عارم: "وأنا معكما أيضاً. لولا هذا الحثالة من الرجال، لما كان للعجوز وانغ نسخة مكررة. وعلاوة على ذلك، كدنا نحن الخمسة نواجه المصير نفسه".
رفع غاو يانغ يده وقال: "لا معارضة من طرفي".
أصاب الذعر تشينغ شين والتفت نحو نمر الحرب قائلاً: "أنتم، لا يمكنكم فعل هذا بي! أنا لم أفعل أي شيء خاطئ! أرجوك، أرجوك لا تقتلني. لقد أعطيتكم الدائرة الرونية، كل ما أريده هو العيش فحسب…"
"فلننتظر حتى نخرج من هنا". كان نمر الحرب كريماً ومتسامحاً على نحو مفاجئ، إذ ظن غاو يانغ أن الرجل سيقذف بتشينغ شين بنفسه من على الغصن.
ومضت لمعة ذات مغزى في عيني نمر الحرب، ثم التفت نحو العجوز وانغ التوأمين قائلاً: "الآن، يجب أن نقرر ما سنفعله معهما".
خيم الصمت على الجميع.
لم يكن بمقدورهم تجنب اتخاذ القرار إلى الأبد.
تنهد نمر الحرب بقلة حيلة وضيق: "قد لا أكون رجلاً متعلماً، لكني أعلم أن هذا الفضاء الخاص قد أُنشئ بواسطة الدائرة الرونية للزمكان، وأنه في الفضاء الطبيعي، لا يمكن لكما الوجود في الوقت نفسه".
ودون نبس ببنت شفة، حدق الرجلان في بعضهما البعض بنظرات مظلمة.
"إذا أردتما تحديد الناجي منكما بمعركة، فسينتهي الأمر بكما إلى طريق مسدود بقدرة البشرة الحديدية، كما أنه لا توجد مساحة هنا لتتقاتلا على أي حال. وإذا أردتما الجدال بالكلمات، فلن يقنع أي منكما الآخر".
ظهرت عملة معدنية بين أطراف أصابع نمر الحرب: "لِمَ لا نترك الأمر للقدر؟"
تبادل الرجلان النظرات، وبعد صمت قصير، قالا في الوقت نفسه: "حسناً. أختار الوجه".
ثم قال العجوز وانغ المصاب بجرح في جبهته: "حسناً، سأراهن على الظهر".
"اتفقنا. رمية واحدة تحدد الفائز".
قذف نمر الحرب العملة بخفة في الهواء قبل أن يتلقفها بظهر يده اليسرى ويغطيها بيده اليمنى. وخلال هاتين الثانيتين، راقبه الجميع بأنفاس محبوسة وقلوب خافقة.
وكان العجوز وانغ التوأمان، على وجه الخصوص، يحدقان في يدي نمر الحرب بأعين ترتجف وعرق بارد يتصبب على وجوههما.
رفع نمر الحرب يده اليمنى ببطء. لقد كان الظهر.
تنفس العجوز وانغ المصاب بجرح في جبهته الصعداء، واغرورقت عيناه بالدموع قائلاً: "الحمد لله".
أما العجوز وانغ الآخر، فحدق في العملة بأعين محمرة، وارتسمت على وجهه ملامح الغبن والمظلومية.
وفجأة، حدق في نمر الحرب بغضب وصاح: "لقد غششت! يمكنك إظهار الوجه أو الظهر كما تشاء، أليس كذلك؟"
قوبلت نظرة العجوز وانغ بصمت من نمر الحرب بينما كانت شعلة النار تخفت. ولمعت عيناه بنية قتل باردة وقاطعة: "أنت لا تنتمي إلى هنا يا عجوز وانغ. أنت تنتمي إلى العالم الذي يسبقنا بخمس دقائق. لا تجبرني على التخلص منك بنفسي".
"ولكن، ولكن أنا العجوز وانغ أيضاً! لا يمكنكم فعل هذا بي…" انخرط العجوز وانغ في بكاء مرير بينما تسيل الدموع والدم من وجهه، فبدا بائساً ومثيراً للشفقة.
أمسك بالضابط هوانغ وتوسل إليه قائلاً: "لا يمكنني الموت هنا يا عجوز هوانغ. لدي زوجة وطفلة بانتظار عودتي. ساعدني، أرجوك…"
شاح الضابط هوانغ بنظره بعيداً وقال: "أنا آسف يا عجوز وانغ".
نظر العجوز وانغ المصاب بجرح في جبهته إلى نفسه الأخرى وقال: "أنا أفهمك، لكني لن أستسلم. هذا هو عالمي…"
وفجأة، سرت هزة عنيفة وضخمة في الفضاء؛ ولم تكن قادمة من اتجاه محدد، بل من كل مكان حولهم.
شعر غاو يانغ بتدفق طاقة غريبة داخل صدره، تهدد بتمزيقه إرباً. وانطفأت النار في يديه، وترنح إلى الخلف في لحظة من الدوار وفقدان التوازن.
وفي اللحظة الأخيرة، امتدت يدان من كلا الجانبين لتمسكا به؛ وكانت تشينغ لينغ والضابط هوانغ.
صرخ نمر الحرب قائلاً: "أمسكوا ببعضكم البعض وتثبتوا!"؛ وعلى الرغم من أنه كان بجوارهم تماماً، إلا أن صوته خرج خافتاً وكأنه يأتي من جرف صخري بعيد.
تشابكت أيدي الجميع وشكلوا حلقة مترابطة.
وجذبتهم جاذبية لا يمكن تفسيرها من تحت أقدامهم وكأنها أيدٍ خفية لا حصر لها، تمسك بهم وتجرهم بعنف ليسقطوا في الأعماق.
"آه ه ه!"
صرخوا بأعلى ما في وسعهم وهم يقاومون قوة الجذب الهائلة. وكان الظلام دامساً وكاحلاً من حولهم، ولم يكن هناك أي مصدر للضوء سوى ذلك الضوء الأبيض الغريب المنبعث من الأسفل.
ثم فجأة، انقشع الضباب واتضحت الرؤية أمام غاو يانغ.
نظر للأعلى بصعوبة ليدرك أن القبة قد تلاشت، وحل محلها فراغ شاسع وموحش لا نهاية له. وكان يطفو في ذلك الفراغ شكل أبيض متوهج يشبه قنديل بحر أثيري، تنبثق منه مجسات بيضاء لا حصر لها وتنتشر في جميع الاتجاهات.
وكانت تلك المجسات تتمدد وتنكمش، وكأن ذلك الضوء الأبيض يتنفس.
الترجمة : كوكبة
———
الكاتب عبقري في صنع الدراما، مفيش خير أو شر أو فوائد أو مشاعر هنا، بكل حال النتيجة بتكون قتل بريئ لنجاة بريئ ثاني.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.