مساحة للحكاية، ووقت لك← الابن الأصغر لسيد السيف
الفصل 45: حادثة غير متوقعة (3)نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 45: حادثة غير متوقعة (3)

⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ترجمة: Arisu san
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
“ما الذي تعتقدان أنكما تفعلانه؟!”

صفعة! صفعة!

صفعت لونا امرأتين بقوة. إن قوة فارسة من فئة [التسع نجوم] ليست أمرًا يُستهان به، حتى لو كانت مجرد صفعة. أطلقتا الفتاتان أنينًا خافتًا بالكاد سُمِع وسط صوت الصفعة العالي، بل إن قوّة الضربات أطاحت بهما إلى الخلف.

دوي!

ارتطمتا بالحائط خلفهما وارتجفت أجسادهما.

كانتا ميُو وآني.

في اللحظة التي تلقّتا فيها الصفعتين، حاولتا حماية جسديهما بقوة الهالة، لكن الصدمة كانت عنيفة إلى حد أن الدم فاض من أفواههما رغمًا عن ذلك.

قالت لونا بصوت يفيض غضبًا: “أرسلتماه إلى أراضي زيڤل؟ ميُو، إنه أصغر منك بعشر سنوات! هل فقدتِ صوابك؟”

كانت لونا قد عادت لتوّها إلى “حديقة السيوف” بعد أن غابت لأسباب شخصية، وما إن وطئت قدماها الديار حتى استدعت أختيها الصغيرتين اللتين كلفتا جين بمهمته الأخيرة.

لم تستطيعا النظر في عينيها.

فهي ليست مجرد شقيقة كبرى… بل كانت أحيانًا أشد رهبة من والدهما نفسه.

“انهضا.”

نهضتا بخطًى متعثّرة. فهاتان الاثنتان، كجين، كانتا أيضًا من أصغر أشقائها. ورغم أن لونا شعرت بشيء من الشفقة عليهما وهما ترتجفان وتُطرِقان رؤوسهما، فإنها عقدت العزم اليوم على تلقينهما درسًا قاسيًا.

“لماذا فعلتما ذلك؟”

سكتت ميُو وآني، ورؤوسهما لا تزال منحنية.

لم يكن الصمت لعجزٍ عن الرد، بل لأن في قلبيهما مرارة تجاه شقيقتهما الكبرى التي سألت سؤالًا تعرف جوابه مسبقًا. فالصراع بين الإخوة من أجل السلطة كان تقليدًا راسخًا في عشيرة رونكاندل.

همست ميُو بصعوبة: “…هل تسألين لأنك تجهلين السبب، أختي الكبرى لونا؟”

قهقهت لونا ساخرة: “وماذا لو لم أكن أعرف؟ هل تقولين إن حاملة راية في العشيرة بدأت حربًا على أخيها الأصغر الذي لا يزال في صف المبتدئين؟”

لم تجدا ما تقولانه، وارتجفتا خجلًا.

نعم، صراع الهيمنة تقليد طويل الأمد في عشيرة رونكاندل، لكن مواجهة حاملة راية لأحد الصغار لا تزال دون تلك المرتبة يعدّ تجاوزًا مرفوضًا.

كان العرف الضمني هو: المنافسة بين الحاملين، والقتال بين المتدربين.

قد لا يكون هذا القانون مُلزِمًا في كل الحالات، لكن ما فعلته ميُو وآني تخطّى الحدود كثيرًا هذه المرة.

نظرت لونا إلى أختيها لحظة ثم فتحت فمها بكلمات لم تسبقها إشارة، وقد تحوّل ازدراؤها فجأة إلى نيّة قاتلة.

“اشعرا بالخزي. حقيقة أنكما تحملان راية هذه العشيرة أمرٌ يبعث على القرف. إنه عار لي.”

“أختي الكبرى!” صرختا معًا.

لكن لونا لم تعبأ، بل ابتسمت بازدراء.

“ماذا؟ هل تظنان أنني أبالغ؟ أهو مزعج أن أسخر منكما؟ هل جرحتُ كرامتكما كحاملتين للراية؟”

اعترضت آني: “لطالما بقيتِ بعيدة عن صراعات العشيرة، فبأي حق تقولين هذا؟!”

فأجابت لونا، بنبرة حاسمة: “لو كنتما قد واجهتماه وانتصرْتما عليه، لما تجاوزتُ الأمر إلى هذا الحد.”

“…ماذا تعنين؟”

اتسعت أعين الأختين.

“لقد خسرتما أمامه بالفعل. عاد الأصغر من أنقاض كولون بعدما أتمّ مهمته. وصل لتوّه وذهب ليقدّم تقريره إلى الأم. صادفته في طريقي إلى هنا، وتحققت من نجاحه بعينيّ هاتين.”

عضّت ميُو وآني شفاههما.

“أتفهمان الآن لِمَ طلبتُ منكما أن تشعرا بالخزي؟ حاولتما سحقه، فانتهى الأمر بأن أضفتما جناحين إلى ظهره! أتساءل إن كان هناك حاملة راية في تاريخ عشيرتنا مُنيت بهزيمة مذلّة كهذه أمام شقيقها الأصغر…”

تابعت لونا كلماتها اللاذعة، حتى احمرّت أذنا الشقيقتين من شدة الإحراج. كانت الإهانة ثقيلة، والخوف أثقل.

فمنذ الآن، لن تجرؤ ميُو وآني على لمس جين ولو بكلمة. لقد انهار مخططهما لتدميره قبل أن ينمو بالكامل.

وما زاد الطين بلّة… أن الأختين لم تعودا واثقتين من قدرتهما على الانتصار عليه إن نما بكامل قوته.

لقد رأتا ما يُنبئ بمستقبله… وأدركتا أنهما ستدفعان الثمن عاجلًا أو آجلًا. فارتعدت أوصالهما، وخرَجتا من غرفة لونا شاخصتَي البصر نحو الفراغ.

وقبل أن تغادرا تمامًا، دوّى صوت لونا من خلفهما:

“من خلال ما رأيتُه حتى الآن، الأصغر ليس طفلًا رحيمًا… عليكما أن تحذرا من الآن فصاعدًا.”

“…أما زلتِ تسخرين منا، أختي؟” تمتمت ميُو.

لكن لونا ابتسمت بمرارة، وقالت:

“لا، هذه المرة أتحدث بصدق. قد تكون علاقتنا قد انحرفت يومًا ما، لكنكما ما زلتما أختَيّ الصغيرتين.”

غادرت ميُو وآني دون ردّ.

وأما لونا، فظلت تحدق إلى الباب المغلق، ثم تنهدت تنهيدة ثقيلة.

كلاك.

جلست لونا مجددًا إلى مكتبها، فوُضِع أمامها كوب من الشاي. لقد عادت تايميون، مربيتها التي كانت تنتظر في الغرفة المجاورة، إلى غرفة سيدتها.

قالت لونا: “آه، شكرًا يا مربيتي.”

ضحكت تايميون: “هوهو، ظننتُ أنك عدتِ لمرحلة المراهقة حين عدتِ للمنزل وبدأتِ تضربين إخوتكِ بهذه الطريقة، يا سيدتي.”

“مراهقة؟ في مثل عمري؟ تبا لهذه السخافة…”

قالت تايميون، وقد اعتراها القلق: “ذلك لأن سنوات مراهقتك كانت مميزة بحق… تنهيدة… لكن ما زلت قلقة على آن وميُو. بالنظر إلى شخصية السيد جين الثالث عشر، فأنا واثقة أنه لن ينسى ما حصل حتى بعد وقت طويل.”

سألتها لونا: “أترين أيضًا أنهما لن تستطيعا مجاراة جين، أيتها المربية؟”

“همم، أظن أنه بعد خمس سنوات من الآن، لن تستطيعا مجاراته حتى في نزال رسمي. وبناءً على ذلك، فإن أمام آن وميُو أقل من خمس سنوات لتعيشا.”

“لا تتحدثي بهذه القسوة. فهما من لحمنا ودمنا رغم كل شيء. إذا قتلهما الأصغر حين يكبر… أشعر بالقشعريرة لمجرد التفكير. بالمناسبة، هل بحثتِ في الأمر الذي تحدثنا عنه سابقًا؟”

كانت تشير إلى محاولة الاغتيال التي استهدفت جين في قلعة العاصفة، وقد طلبت من مربيتها أن تُحقق في أشقائه لتحديد الفاعل.

(في الحقيقة، كانت تلك محاولة لعنه، لا اغتياله، لكن لونا لم تكن تعلم بذلك. كما ظنت أن الحادثة وقعت حين كان جين في الخامسة أو السادسة، بينما في الواقع كان رضيعًا في عمر السنة حين أُطلقت عليه لعنة “وهم السيف”. لم يذكر جين أبدًا أنه يتذكر كل شيء منذ ولادته.)

قالت تايميون: “نعم. أولًا، الجانيتان آن وميُو اللتان صفعتِهما اليوم ليستا المتورطتين. كانتا في الصف المتوسط وقتها، لذا لم يكن من الصعب جمع المعلومات عنهما.”

“همم… منطقي. وأنا شبه واثقة أن ماري ويونا لا علاقة لهما، وكذلك التوأمان تونا.”

“إذًا المشتبه بهم المتبقون هم: السادة جوشوا، ديبوس، ران، فيغو، والسيدة لونتيا. باستثناء السيدين ران وفيغو، لا يمكنني التحقيق في الباقين دون مخاطرة.”

أومأت لونا: “صحيح. جوشوا وديبوس ولونتيا مواقعهم قوية ومستقرة، وقد يُسبب لنا ذلك المشاكل إن تجسسنا عليهم بشكل أحمق.”

“هل أبدأ بالسيدين ران وفيغو إذًا؟”

فكرت لونا قليلًا، ثم نقرت على الطاولة بإصبعها.

“لا. لنكتفِ بالمراقبة فقط الآن. لو بدأنا نتدخل في شؤون الجميع، قد تقع أنتِ في الخطر، يا مربيتي.”

“قرار حكيم. رغم محاولة الاغتيال تلك في قلعة العاصفة، إلا أن السيد جين ينمو على خير ما يرام. لذا لا داعي للقلق كثيرًا الآن.”

قالت لونا بنبرة جازمة: “مهما يكن الفاعل، فلا بد أنه يعلم الآن أنني أراقب جين عن كثب. لن يجرؤ على التحرك مجددًا. شكرًا لكِ على مجهودكِ يا مربيتي.”

“يشرفني ذلك. هل أعدّ لك الطعام الآن؟”

“نعم. مع بعض الكحول أيضًا… المعتاد.”

❃ ◈ ❃

في تلك الأثناء، كان لدى روزا، والدة جين، الكثير من الأسئلة التي رغبت في طرحها على ابنها الأصغر بعد عودته ناجحًا من مهمته. لكنها لم تُظهر شيئًا منها.

ماميت وأنقاض كولون… كان الجميع يتوقع فشله، لكنه في كل مرة يعود منتصرًا، مرفوع الرأس.

هل حظي ببركة من السماء؟ أم أن هناك من يساعده من خلف الستار؟ لا أحد يعرف الجواب.

لكن روزا، بعد هذه المهمة، أصبحت على يقين أنه الخيار الثاني.

“هناك خبير استثنائي يدعمه من الظلال، والأصغر يستغلّ ذلك ليُنجز مهامه.”

في عرف العشيرة، كان الاعتماد على أطراف خارجية في إنجاز المهمات يُعد خرقًا ضمنيًا. فالدعم الوحيد المسموح به يجب أن يأتي من العشيرة نفسها.

لكن روزا اختارت ألا تُواجه ابنها أو تُحمّله اللوم.

في القريب العاجل، سيزور وفود رفيعو الشأن من جميع أنحاء العالم “حديقة السيوف” فقط لرؤية الابن الأصغر. وسيُقيم سايرون مأدبة، يتصدّرها جين.

حتى لو تلقى دعمًا خارجيًا… فإن الأهم من كل شيء أنه عاد من المهمة حيًا.

بإمكانها توبيخه لاحقًا، حين تجمع ما يكفي من الأدلة.

قالت له بنبرة هادئة: “أحسنت. لا حاجة لتقديم تقرير لحاملي الراية. ارتَحْ جيدًا اليوم، وسأتولى أنا إبلاغهم بعودتك.”

“شكرًا جزيلًا، يا أمي.”

خرج جين من المبنى الرئيسي، وما إن خرج حتى شعر بنظراتٍ تُلاحقه.

نظرات الإعجاب في عيون الطلاب، والدهشة في وجوه فرسان الحراسة، أما حاملو الراية… فقد نظروا إليه بازدراءٍ واشمئزاز.

“أمي وإخوتي يظنون أنني أتلقى المساعدة من شخص آخر لإنجاز مهامي.”

لكنه لم يكن مهتمًا بإزالة هذا سوء الفهم في الوقت الراهن.

فحين يكشف عن قوّته الحقيقية، ويُعلن نفسه كمبارز سحري عقد عهدًا مع سولديريت، ستنكشف الحقيقة للجميع.

دخل جين إلى غرفته، فأسرعت إليه جيلي وعانقته بشدة. وحين شعر بدموعها على وجنته، أدرك كم كانت قلقة عليه.

قال لها بلطف: “أنا بخير، جيلي. صرت قويًا الآن. ربما أستطيع هزيمتك في نزال قريبًا لو قاتلت بكل قوتي.”

“لو أصابك مكروه، لكنتُ قد انتقمت من السيدتين حتى لو كلّفني ذلك حياتي، يا سيدي الصغير.”

قال موركان مازحًا: “كفى، لا تتحدثي عن أشياء مخيفة، فطيرتي الفراولة. أليس جيدًا أنه عاد إلينا سالمًا؟”

قال جين: “أمهليني دقيقة، جيلي… موركان، ألقِ نظرة على هذا.”

أخرج زجاجةً تحتوي على شظايا من نواة الغولم الحي.

تأمّل موركان الزجاجة وقال: “هذا قلب غولم حيّ. كنتَ محظوظًا، يا فتى. يبدو أن هذا الغولم كان تجربة فاشلة، وإلا لما خرجتَ سالمًا. هل وجدته في أنقاض كولون؟”

“كان الحارسان خارج المستودع، فتحوّلا فجأة إلى وحوش وهاجماني. لم يتوقفا حتى بعدما قطّعتُهما. لكنني تمكنت من قتلهما عبر تدمير النواة في صدريهما.”

اصفرّ وجه جيلي أثناء الشرح، وراح موركان يشرح لها بهدوء ما هي السحر المحرَّم والغولمات الحية.

“في المرة الماضية كان عملاق المقبرة، والآن غولم حي؟ أولئك الأوغاد من زيڤل يثيرون أعصابي…”

ما الذي كانوا يخططون له بحق السماء؟

هزّ موركان رأسه وقال: “على أي حال، لا شك أن زيڤل هم من وراء هذا، بما أن أنقاض كولون تقع في أراضيهم.”

ردّ جين: “صحيح.”

قال التنين الأسود: “علينا أنا وأنت أن نُخصص وقتًا لزيارة ذلك المكان مجددًا. أريد الذهاب بنفسي وسؤالهم عمّا يُحيكونه.”

رغم توتر جين من فكرة العودة إلى الأنقاض بسبب تلك الغولمات، إلا أن ذهاب موركان معه جعل الرحلة أكثر أمنًا.

“وإن كنا محظوظين، فقد نعثر على المرآة، [نافورة المانا]. وحتى إن نشرنا الفوضى، فلن يجرؤ آل زيڤل على قول شيء، لأنهم متورطون في السحر المحرَّم.”

أومأ جين برأسه نحو التنين، وقد انعقد الحزم في عينيه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اترك تعليقاً لدعمي🔪

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.