مساحة للحكاية، ووقت لك← الابن الأصغر لسيد السيف
الفصل 44: حادثة غير متوقعة (2)نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 44: حادثة غير متوقعة (2)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ترجمة: Arisu san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ما هذا اللعـ—!

استدار جين فجأة، واستلّ خنجره.

كان الحارسان المغمى عليهما قد بدءا باستعادة السيطرة على جسديهما.

“أعينهما حمراء؟”

بل إنهما كانا يزأران كالحيوانات، وأنفاسهما اللاهثة كانت غير منتظمة، أشبه بأنفاس الأورك أو التروول.

لم يكن لدى جين وقت ليسأل نفسه كيف حدث هذا.

كانت الدروع الفولاذية على أجسادهما، التي لم تعد بشرية، تنتفخ بسرعة. والعضلات التي نمت بوحشية داخلها كانت تمزق المعدن تمزيقًا.

طراخ!

وما إن تمزقت الدروع، حتى أطلق جين تعويذة بشكل انعكاسي:

“الريح الصامتة!”

عاصفة من المانا اجتاحت المستودع وخلقت غلافًا نصف كروي رقيقًا حوله.

كانت تعويذة من المستوى الرابع تقلل جميع الأصوات في محيط 15 مترًا. كان جين قد قرر في البداية عدم استخدام السحر كي لا يُكشف أمره من قِبل السحرة القريبين، لكن الوضع تغيّر تمامًا.

لم يعُد يستطيع تجنب القتال مع هذين المسخَين. فقد كانت مخالبهما قد نمت، حادة وطويلة، تمامًا مثل قبيلة النمور الحمراء، ومدّا أيديهما نحوه.

“آمل فقط ألا يلاحظنا السحرة هناك.”

كراوور!

انقض الوحشان عليه في الوقت نفسه.

لم يكن لدى جين حتى الوقت الكافي ليستلّ سيفه [برادامانتي]. راح الوحشان يتناوبان على توجيه الضربات، واحدة تلو الأخرى، دون أن يتركا له فسحة لالتقاط أنفاسه.

وشش!

شقّت المخالب الهواء محدثةً أقواسًا قاتلة. تفادى جين الضربة بالانحناء لأسفل، ثم غرس خنجره في أضلاع أحد الوحشين.

كان يستهدف القلب، لكن الوحش تملّص بشق الأنفس، مائلًا جسده بعيدًا عن الضربة. ومع ذلك، شعر جين بوضوح بتمزق اللحم وتكسر العظام.

“غرااااه!”

صرخ الوحش صرخة وحشية مروعة.

لكن الإصابة لم تكن قاتلة. لم يُكلّف الوحش نفسه عناء نزع الخنجر المغروز في صدره، بل واصل هجومه بمخالبه المتوحشة.

استغلّ جين تلك اللحظة القصيرة ليبتعد عن الوحشين، ويستل برادامانتي. وما إن لفّ النصل بهالة من المانا، حتى سطع المستودع المظلم بضوءٍ خافت.

شعر الوحشان بخطورة الهالة التي انبعثت من سيف جين. وبينما ظلّ جين يحافظ على المسافة ويُبقي سيفه مستقيمًا، انتصبت الفِراء السوداء التي تغطي أجسادهما في توتر.

“كغغغغغ!”

“كراااه!”

أخيرًا، انتزع الوحش الجريح الخنجر من صدره.

لكن ما رآه جين بعد ذلك، جعله يعبّر عن صدمته دون أن يُخفيها.

“يستطيعون… التجدد؟”

بدأ الجرح الغائر في صدر الوحش بالتعافي بسرعة، مغلقًا نفسه. وتوقّف تدفق الدم الداكن بعد ثوانٍ قليلة.

لم يكن هذا النوع من التجدد السريع شائعًا إلا لدى الوحوش القوية من الرُتب العليا.

غير أن خصوم جين لم يكونوا وحوشًا طبيعية. لقد كانوا بشرًا حتى قبل لحظات قليلة فقط.

مرت ثوانٍ ثقيلة، وأفكارٌ وافتراضات كثيرة تدفّقت في ذهن جين. لكنه لم يكن يملك المعرفة اللازمة لفهم ما يحدث بدقة.

في كل سنواته الـ43، لم يرَ شيئًا كهذا.

ومع أنه لم يفهم الآلية بالكامل، إلا أن خبرته كساحرٍ في حياته السابقة منحته حدسًا أساسيًا.

“من المرجّح أنهم غولِمات حية صُنعت بالسحر المحظور… هل يعقل أن الزيڤل يستخدمون أطلال كولون كمختبر لتجارب السحر المحرَّم؟”

هسسس!

استأنف الوحشان هجومهما العنيف.

في البداية، بالكاد تمكن جين من تفادي ضرباتهما لأنه أُخذ على حين غرة. أما الآن وقد استعاد هدوءه، فقد بدت حركات خصومه خرقاء.

كانت قوتهما وسرعتهما تعادل مقاتلَين من فئة الأربع نجوم، لكن الفارق كان شاسعًا بين فارس مُدرَّب من تلك الفئة، ووحش يملك نفس القدرات الجسدية فقط.

تفادى جين الضربات بسهولة، وصدّها، وردّ عليها بمهارة.

“مواجهتهما ليست صعبة.”

فكلما أطلق خدعة، أو غيّر أسلوب حركته، سقط الوحشان في الفخ. كان يرى أقدامهما تتعثر، مما يُفقدهما التوازن.

“المراكز المحتملة للنواة: الرأس، أو القلب، أو أسفل البطن.”

فالأسلحة السحرية كالغولِم لا تتوقف عن الحركة حتى لو تحطمت أجسادها بالكامل. بل إن جين قطع معصمًا وكتفًا لأحد الوحشين، دون أن يتغيّر سلوكه.

أما إن دُمّرت نواتهم، فحينها فقط يتوقفون عن الحركة. وهذا ينطبق حتى على هذه الغولِمات الحية الناتجة عن سحر محظور.

طعنة!

تراجع جين خطوة، وغيّر من نمط هجومه، فاخترق رأس أحد الوحشين بطعنة دقيقة. وكانت الهالة المحيطة بسيفه تدور بسرعة، فخلّفت فجوة بحجم قبضة اليد في جمجمته.

“إذًا الرأس ليس هو النواة.”

لو قاتل جين كأنه يواجه بشرًا، لكان في ورطة الآن. فبعد توجيه ضربة قاتلة لأحد العدوين، عادةً ما يُركّز المقاتلون على الخصم المتبقي.

رغم الثقب في رأسه، واصل الغولم توجيه ضرباته بمخالبه، دون أن تتأثر سرعته أو قوّته على الإطلاق، بل أصبح أكثر عنفًا ووحشية.

دار جين حول خصمه ليتفادى هجماته، ثم طعن مجددًا، وهذه المرّة في البطن السفلي.

لكنّه لم يكتفِ بذلك، بل رفع نصل سيفه عبر الجسد حتى بلغ منطقة القلب. مثل هذا الهجوم كان شبه مستحيل على البشر العاديين، لكن جين شكر دمه الرونكانديلي الذي منح جسده قوّة خارقة تفوق البشر.

“شريييييك!”

دوى صوت مقزز لتمزق اللحم وتحطم الأضلاع، ومع سحب جين لسيفه، أدرك أن نواة الوحش كانت في القلب.

غير أن ما وجده لم يكن قلبًا نابضًا، بل كرة من المانا الزرقاء في مركز الصدر.

لكنها لم تكن تشبه أي نواة رآها من قبل، إذ بدت كأنها خرزة زجاجية كبيرة تحوي سائلًا أزرق.

وكانت أقسى بكثير من قلب بشري. من خلال الارتداد الذي شعر به عند تمزيق النواة، أدرك جين أنه بصعوبة شديدة تمكّن من تحطيمها رغم غلاف الهالة من المستوى الخامس الذي يغشي سيفه.

“بفشششت!”

انفجرت الكرة الصلبة، وانتشر نتن مروّع في الهواء.

ثم بدأ جسد الوحش الميت يتحول… شيئًا فشيئًا… إلى هيئة بشرية.

لم يستطع الجسد أن يعود إلى شكله السابق تمامًا، فالجلد المنتفخ والعضلات الممزقة لا يمكن إصلاحها.

ومع ذلك، فإن الجثة المنكمشة على الأرض كانت بلا شك جثة إنسان.

رأى جين هذا المشهد، فاستشاط قلبه غضبًا، وراوده شعور متناقض من الحزن والسخط.

“أيّ جرأة تملكها زيڤل لفعل شيء كهذا في إنسان؟!”

غضبٌ انفجر في قلبه… غضب على زيڤل.

لكن الوحش الآخر باغته كما لو كان يردّ على نوبة غضبه. ولم يكن جين قد أصلح وضعيته بعد إنهاء خصمه الأول.

“شرييييك!”

انغرست مخالب الوحش على سيف برادامانتي وصرّت عليه، مُحدثة صوتًا مزعجًا. تراجع جين خطوة إلى الخلف وغرس قدمه في الأرض بقوة ليصمد.

كانت مخالب الوحش قوية، لكنها لم تكن نِدًّا لنصل برادامانتي. فحتى وإن كانت أصلب من الفولاذ، إلا أنها لا تُقارن بسيفٍ عتيق قوي وُجد قبل آلاف السنين.

“طَخخ!”

في لحظة الاشتباك، انكسرت خمس من مخالبه، فاختل توازنه وسقط على وجهه أرضًا.

داس جين على مؤخرة رأسه، ثم طعنه من الأعلى في القلب.

وشعر بوضوح بانكسار كرة المانا الصلبة عند طرف سيفه. اهتز جسد الوحش المسقط، ثم ما لبث أن عاد إلى صورته البشرية.

“فووو…”

تنهد جين بعمق، وأخيرًا استرخى.

نظر حوله، فوجد الأرضية مغطاة بدماء الوحشَين الحمراء الداكنة. وكانت تعويذة “الرياح الصامتة” التي ألقاها في البداية لا تزال فعالة.

ولحسن الحظ، لم يشعر السحرة في المنطقة باستخدامه للسحر.

فجأة، سمع صوتًا:

“كـ… كـي…”

جاء الصوت من الوحش الساقط… لا، بل من الإنسان الذي يتلوّى على الأرض.

“اقـ…ـتـلـنـي…”

انحنى جين فورًا، ليفحص الضحية الثانية. والمفاجأة أنه كان لا يزال يتنفس… بالكاد، لكنّه لا يزال حيًا. ومع ذلك، كانت ملامحه لا تزال غير بشرية.

كان جسده متضخمًا وممزقًا بشكل يفوق حدود التحمل البشري.

أدرك جين أنه لا يمكن إنقاذه.

لقد كان يملك آلاف الأسئلة: كيف تحوّل إلى غولم حي؟ ولماذا؟ من الذي فعل هذا؟ وكيف جعلوا البشر فئران تجارب؟

لكن المرتزق لم يكن لديه القوة للكلام.

ولم يكن بوسع جين سوى أن يحرره من عذابه.

طعنة.

غرس جين نصل سيفه في عنقه النحيل المرعب، وأغمض الضحية عينيه بسلام.

أغلق جين عينيه أيضًا للحظة، ثم رفع رأسه نحو السماء.

لم يكن يعلم ظروفهم، لكن لا أحد في هذا العالم يرغب طوعًا أن يصبح غولمًا حيًا.

وخاصة حين يُجبر على التحوّل إلى وحش، ثم يُعامَل كقطعة قابلة للرمي.

توهّجت عيناه بنار الانتقام، وطحن أسنانه.

لكن هذا لم يكن وقت الغضب.

فحادثة غير متوقعة قد وقعت… رأى من خلالها جين فظائع زيڤل من وراء الكواليس.

وكان قد بدأ يشكّ أن شقيقاته كنّ على علم بهذا عندما أرسلنه إلى هذه المهمة.

ومع ذلك، كانت لديه مهمة يجب أن يُتمّها.

لم يكن ليستطيع العودة إلى المنزل ليقول:

“لم أتمكن من إنجاز المهمة لأن وحشًا هاجمني.”

وإلا، فسوف يسخر منه أفراد عشيرته أجمعون.

حتى لو قرر آل رونكاندل تحمّل العار وأعلنوا تفاصيل هذه المهمة للعامة—بما في ذلك تجارب زيڤل السرية—فلن يتغير شيء. يمكنهم أن يطالبوا إمبراطورية فيرمونت بالتحقيق في تصرفات زيڤل، لكن عشيرة السحرة لن تعترف أبدًا باستخدامهم للسحر المحرَّم.

إنشاء غولم حيّ جريمة عظيمة. ومجرد العثور على دليل على وجودها كافٍ للضغط على الإمبراطورية لفتح تحقيق رسمي.

لكن زيڤل ببساطة يمكنهم ادعاء البراءة حتى أمام الأدلة القاطعة.

ولن يقدر أحد على محاسبتهم، لهول ما يملكون من سلطة ونفوذ.

“عليّ أولًا أن آخذ بعض شظايا نواة المانا… وأنهي المهمة بسرعة.”

بعد برهة، استعاد جين هدوءه، وجمع قطعًا من نواة المانا، ثم توجه إلى مدخل المستودع وتفقد الوضع بالخارج.

“…السحرة لا يتحركون. أي أن أغلبهم لا يعلمون بشأن الغولم الحي، واعتقدوا أن المستودع مجرد مبنى عادي.”

فلو كانوا على علم بوجود غولمات حية تحرس المكان، لما كانت الحراسة بهذه الركاكة. بل لكان هناك ما لا يقل عن عشرين ساحرًا من المستوى السابع يراقبون الموقع باستمرار.

بمعنى آخر، ليس كل الموجودين في أنقاض كولون متورطين في استخدام السحر المحرَّم داخل العشيرة.

“كل ما عليّ فعله الآن هو سرقة الآثار والهروب، كما كان مخططًا.”

قام جين بإلغاء تعويذة “الرياح الصامتة” بحذر، وبدأ يبحث في المستودع.

العثور على ألواح الحجارة الثلاثة كان سهلًا.

كلها كانت محفوظة في الطابق الأول من المستودع. كما عثر على الوعاء البرونزي بسرعة.

لكن على خلاف الألواح، كان الوعاء البرونزي محميًا بتعويذة معقدة، تنشط حين يُنزع من مكانه.

وكانت هذه التعويذة هي السبب الرئيسي لرفع تصنيف صعوبة المهمة.

“الإجراء المعتاد هو أن أقضي ساعات في محاولة فك التعويذة… كمن يفك عقدة، لكن…”

وووونغ.

أعاد جين سيفه إلى غمده، وبدأ يجمع المانا في يديه.

“سأسرقه بطريقة أكثر عنفًا. فبما أن هناك غولمين حيين ميتين هنا، فلا يهم ما سأفعله اليوم داخل هذا المبنى…”

فوووووش!

تحولت المانا في يديه إلى نار.

لكن جين أضاف إليها طاقة روحية، فانبعث من النيران ظلال داكنة ضخمة في أرجاء الغرفة.

“زيڤل لن يكون أمامهم سوى التكتم على الأمر.”

فالآثار التي عليه سرقتها لم تكن سوى ألواح حجرية ووعاء برونزي.

حتى إن سُرقت، فلن يكون لدى زيڤل ما يخافونه.

ومع ذلك، في الظروف العادية، كانوا سيبذلون كل ما في وسعهم للإمساك بالجاني، حفاظًا على هيبة العشيرة.

لكن الوضع مختلف إذا أُضيفت إليه الغولم الحيّ والسحر المحرّم. سيكون عليهم إخفاء الحادثة بأي ثمن.

“انفجار اللهب!”

لذا، افتعال الفوضى كان في صالح جين. خطته أن يشعل نارًا تلتهم المبنى بأكمله، ثم يهرب مختبئًا وسط اللهيب.

فوووووووش!

حلّقت كرتا المانا المشتعلتان في الهواء، متوهجتين بأحمر قانٍ بفعل الطاقة الروحية.

وما إن اكتملت التحضيرات، حتى انفجرتا معًا.

بووووووووم!

امتلأ المستودع باللّهب في ثوانٍ، وانهار السقف من شدة الانفجار.

كييييييينغ! كيييييييينغ!

تنشّطت التعويذات الحامية التي فُرضت على جميع صناديق العرض.

انطلقت أصوات صراخ سحرية في أرجاء المكان.

لكن جين تجاهلها تمامًا، وأمسك الوعاء البرونزي، واندفع نحو الباب الخارجي.

من المرجح أن زيڤل سيحاولون التغطية على هذه الحادثة، عبر الادعاء بأنها حريق عرضي.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.