الفصل 90: لقد حدث ذلك بالفعل، لذا دعه يذهب
الفصل 90: لقد حدث ذلك بالفعل، لذا دعه يذهب
كان يعلم حينها أن الشخص الذي ظهر أمامه بالطريقة نفسها في قبيلة تيار الرياح، وقاتل وو سين على قدم المساواة… كان سو مينغ.
وعلم أيضًا أن الشخص الذي ترك قطرة الدم المستخرجة من بين حاجبيه في غرفته، عندما عاد منهكًا تمامًا إلى مساكن قبيلة الجبل المظلم في قبيلة تيار الرياح، والذي ظل يحاول اكتشاف هويته… كان أيضًا سو مينغ!
وفي تلك اللحظة نفسها، عندما رأى ظهر سو مينغ أمامه، وبينما كان لا يزال في حالة ذهول، رأى أيضًا صورة الشخص الذي أصبح محط اهتمام الجميع عندما عاد من المرحلة الأولى من الاختبار. كان ذلك الشعور مألوفًا إلى درجة أنه أدرك، بل كان متأكدًا، أن ذلك الشخص… كان أيضًا سو مينغ!
اجتاحت جميع هذه الأفكار عقل بي لينغ كالصواعق، وكأنها ومضات من الضوء تشق طريقها عبر ذهنه. جعلت جسده يرتجف. ولم يجرؤ على تصديق كل ذلك، إذ وجد صعوبة في استيعاب كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيًا. ففي وقت لم ينتبه إليه أحد، امتلك سو مينغ بصمت قوةً بلغت حدًا جعل بي لينغ لا يسعه إلا أن ينظر إليها بإعجاب.
في ذكرياته، كان سو مينغ هو الشخص الذي طالما شعر بالغيرة منه، والذي كان ينظر إليه بازدراء في أعماقه، ويتحدث إليه بلا مبالاة. لذلك، فإن هذا التغير المفاجئ ألقى بقلبه في فوضى عارمة.
كان ذلك الشعور المعقد قويًا إلى درجة أنه أنساه أنه لا يزال في ساحة المعركة، محاطًا بالقتل والمجازر وكل ما يجري حوله. أصبح عقله فارغًا تمامًا، وغرق في ذهوله.
"كيف… كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟.." تمتم بي لينغ.
كانت شين شين تعانقه بإحكام، والدموع تنهمر من عينيها. لم ترى سو مينغ، فلم يكن أمام عينيها سوى وجه بي لينغ الشاحب، ومشهد ظهره الذي وقف أمامها كالجبل.
قد يبدو أن كل ذلك حدث ببطء، لكنه في الحقيقة وقع في لحظة واحدة. ففي اللحظة التي أثار فيها رمح سو مينغ موجة من التشي على الأرض، وانفجر جسد الرجل الذي كان يحمل السكين، قفز سو مينغ إلى الأمام. وبسبب سرعته، ترك خلفه صورًا متبقية، بينما اندفع نحو الرجل الذي دفعته موجة التشي إلى الخلف. كان ذلك الرجل في الخمسين من عمره تقريبًا، لكنه لم يكن سوى في المستوى الخامس من عالم تكثيف الدم.
لم يتمكن إلا من التراجع بضع خطوات حتى تشوشت رؤيته فجأة. انقبضت حدقتا عينيه على الفور، وكان على وشك مواصلة التراجع عندما شعر بإحساس هائل بالخطر. لكن سو مينغ كان سريعًا للغاية. وقبل أن يتمكن الرجل من التراجع، كان سو مينغ قد وصل إليه بالفعل، كدوي صاعقة يشق الهواء. ارتسمت على وجه سو مينغ ملامح شرسة، وكانت عيناه مملوءتين بنية القتل والغضب. ولم يستخدم قبضتيه هذه المرة، بل اندفع بجسده كله واصطدم مباشرة بصدر الرجل.
دوّى صوت ارتطام عنيف في الهواء. واندفع الدم من فم الرجل، بينما انفجر ظهره فجأة، لأن جسده لم يتحمل القوة المرعبة لذلك الاصطدام. وفي لحظة واحدة، تحطمت جميع عظام جسده. طارت جثته إلى الخلف، وقبل أن تلامس الأرض، كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة.
لم تخف الكراهية في عيني سو مينغ، بل ازدادت اشتعالًا. لقد كره كل فرد من قبيلة الجبل الأسود. استدار فجأة، وثبت بصره على آخر الرجال الثلاثة من قبيلة الجبل الأسود الذين حاولوا قتل بي لينغ، والذي لم يكن يقف بعيدًا عنه.
كان ذلك الرجل عريض البنية، لكنه لم يكن طويل القامة. واختفت الابتسامة الشريرة والمتحمسة التي كانت تعلو وجهه عندما حاول قتل بي لينغ، وحل محلها رعب شديد. امتلأت عيناه بالخوف، ولم يستطع سوى أن يشاهد، مصدومًا، كيف قتل سو مينغ رجلًا برمحه، ثم قتل آخر بجسده.
كان ذلك القتل السريع والحاسم يجعل الرجل يشعر وكأن سو مينغ محاط بهالة من الشراسة والجنون. أخذ قلبه يخفق بعنف. وما إن التقت عيناه بعيني سو مينغ، حتى أطلق صرخة مرعبة واستدار هاربًا دون أن يهتم بأي شيء. لقد خاف. ففي نظره، كان سو مينغ يقف في المستوى نفسه الذي يقف فيه قادة قبيلة الجبل المظلم، ولم يكن شخصًا يستطيع مواجهته.
لكن قبل أن يتمكن حتى من التراجع ثلاث خطوات، شق سهم حاد الهواء. انطلق السهم من مكان بعيد، وانزلق في الهواء كأنه ومضة برق. وفي لحظة، انقض على الرجل واخترق عنقه، ثم ثبّته في الشجرة التي كانت خلفه. واهتزت الشجرة بقوة لحظة اصطدام السهم بها.
أمسك الرجل بعنقه، لكن الدم ظل يتدفق بغزارة من الجرح. وخبا الضوء في عينيه، ثم سقط على الأرض. ولم تمضِ سوى لحظات حتى سُحق جسده تحت أقدام المحاربين الذين كانوا لا يزالون يقاتلون أفراد القبيلة الأخرى.
ومن بعيد، حوّل رئيس الحرس المنهك نظره بسرعة، ثم واصل القتال ضد زعيم قبيلة الجبل الأسود، الذي كان في المستوى الثامن من عالم تكثيف الدم.
تقدم سو مينغ نحو بي لينغ، وتوقف أمامه، ثم سحب حراشف الدم المغروسة في الأرض. وما إن حررها، حتى اهتز شيء في عينيه. كان على وشك الاندفاع مجددًا للقتال ضد أفراد قبيلة الجبل الأسود، عندما سمع صوت بي لينغ، المليء بالصراع والتردد، يصل إلى أذنيه.
"شكرًا… جزيلًا…"
اختلط صوته بأصوات المعركة وأنين الشون، فبدا خافتًا للغاية. وبدا وكأن سو مينغ لم يسمعه. فما إن سحب حراشف الدم حتى استدار وغادر. لكنه، بعد أن خطا بضع خطوات فقط، توقف قليلًا.
قال سو مينغ: "لقد حدث ذلك بالفعل… لذا دعه يذهب… عليك أن تعيش من أجل شين شين…"
ثم اندفع نحو أقرب مكان كان فيه المحاربون يقاتلون بضراوة.
وفي اللحظة التي تقدم فيها سو مينغ، اتجهت نحوه نظرة باردة من فوق الحاجز. كانت تلك النظرة تعود لرجل يرتدي ثيابًا من الخيش. بدا في الأربعين من عمره تقريبًا. كان جسده قويًا بصورة مذهلة، ويشبه برجًا حديديًا. وكان مغطى بالدماء، إلا أن معظمها لم يكن دمه، بل دماء بيرسيركر قبيلة الجبل المظلم.
أظهرت هالة التشي المنبعثة منه أنه في المستوى الثامن من عالم تكثيف الدم. وكانت قوته تقارب قوة يي وانغ، الذي قاتله سو مينغ قبل وقت ليس ببعيد.
في اللحظة التي نظر فيها الرجل نحو سو مينغ، رفع يده اليمنى. كان يمسك بسكين طويل مصنوع من العظام، وما إن لوّح به، حتى قطع رأس أحد محاربي قبيلة الجبل المظلم الذي كان يقاتله.
لم يكن لذلك المحارب الوقت حتى لتفجير عروق دمه. أمسك الرجل برأسه المقطوع، ثم رماه نحو المكان الذي كان يقف فيه سو مينغ.
سقط الرأس عند قدمي سو مينغ، وتدفق الدم من العنق المقطوع، فصبغ الثلج باللون الأحمر. وسرعان ما أذابت حرارة الدم الثلج، لتتشكل بركة من الدم والماء.
توقف سو مينغ ورفع رأسه نحو الاتجاه الذي جاء منه الرأس. التقت عيناه بعيني الرجل عبر الحشد، فرأى في عينيه القسوة والبرود، بينما رأى الرجل أيضًا الجنون ونية القتل في عيني سو مينغ.
في اللحظة التي التقت فيها نظراتهما، تحرك الرجل. اندفع نحو سو مينغ، وفي الوقت نفسه اندفع سو مينغ نحوه بالسرعة نفسها!
كان الرجل يرتدي ثيابًا من الخيش بدلًا من جلود الوحوش، مما دلّ على أن مكانته في قبيلة الجبل الأسود كانت مرتفعة إلى حد ما. ولو تمكن سو مينغ من قتل ذلك الرجل، فسيكون ذلك بلا شك ضربة قاسية لمعنويات قبيلة الجبل الأسود.
في اللحظة التي تحرك فيها الرجل، وبسبب مكانته، جذب انتباه عدد كبير من أفراد قبيلة الجبل الأسود المشاركين في المعركة. وكأنه أشعل حماستهم، فأطلق المحاربون صيحات غريبة وهم يندفعون إلى الأمام ويواصلون مذبحتهم.
اقترب الاثنان من بعضهما، وفي لحظة اصطدما وسط دوي هائل، ودخلا في معركة شرسة حتى الموت.
ومع ذلك، في تلك اللحظة، عند مقدمة صفوف قبيلة الجبل المظلم، سعل زعيم القبيلة دمًا، بينما كان يتراجع ووجهه شاحبًا. أمامه، كان أكثر من نصف أفراد قبيلة الجبل الأسود قد سقطوا قتلى، لكن رجلًا يرتدي رداءً أسود، مشابهًا لذلك الذي ارتداه الرجل الذي قاتل الشيخ في وقت سابق، ظهر فجأة. وبقوة مذهلة، أصاب زعيم القبيلة بضربة واحدة وأجبره على التراجع.
كان الرجل ذو الرداء الأسود بعينين خاليتين من أي مشاعر، لكن داخلهما خيطًا رقيقًا من اللون الأحمر الدموي. تقدم بخطوات واسعة، وخلفه اثنان من البيرسيركر من قبيلة الجبل الأسود. اندفعا نحو زعيم القبيلة المتراجع. ومن نظراتهما وحدها، كان واضحًا أنهما يريدان قتل زعيم القبيلة المصاب بحركة واحدة فقط. أما المحاربون الذين كانوا يقاتلون إلى جانبه، فقد فجروا عروق دمهم من قبل، ولم يبقى في المقدمة سواه.
وبينما بدا أن زعيم القبيلة لم يعد قادرًا على الإفلات من الموت، وتعالت خلفه صرخات الغضب والحزن، اندفع شخص فجأة من بين الحشد. كان رجلًا مسنًا… نان سونغ من قبيلة الجبل المظلم!
في اللحظة التي تقدم فيها، أطلق تنهيدة خفيفة، ثم داس بقدمه اليمنى على الأرض. لم يصدر صوت مرتفع، لكن الرجل ذا الرداء الأسود، الذي كان يهاجم زعيم القبيلة ويحاول قتله، ارتجف فجأة وتعثر. وما إن ظهرت الصدمة على وجهه، حتى وصل نان سونغ أمامه. رفع ذراعه اليمنى النحيلة، ثم وجه قبضته إلى الأمام، فأوقف تقدم الرجل تمامًا. وهكذا بدأ الاثنان معركة شرسة أمام القبيلة.
ومع ذلك، كان لا يزال هناك بيرسيركر آخران إلى جانب الرجل ذي الرداء الأسود. كان أحدهما يحمل قوسًا ضخمًا، وكان رئيس الحرس في قبيلة الجبل الأسود. ورغم أنه صُدم بظهور نان سونغ، فإنه، مع وجود الرجل ذي الرداء الأسود إلى جانبه، شد على أسنانه واستمر في مطاردة زعيم قبيلة الجبل المظلم. امتلأت عيناه بالقسوة والحماس، فقد كان يتخيل بالفعل المجد الذي سيناله داخل القبيلة عندما يقتل زعيم قبيلة الجبل المظلم ويحصل على رأسه.
ابتسم زعيم القبيلة ابتسامة قاسية. كان لا يزال يبعد عشرات الأمتار عن أفراد القبيلة المحميين بنور التمثال. في تلك اللحظة، أدرك أنه لن يستطيع العودة.
ومع ذلك، لم يكن في عينيه أي ندم، بل كان فيهما تردد فقط. لم يندم على موته في ساحة المعركة. كان زعيم القبيلة، وكان الموت في معركة القبيلة إنجازًا عظيمًا. لكنه لم يكن يريد أن يتركهم… لم يكن يريد أن يغادر القبيلة مبكرًا. فقد كان لا يزال يريد أن يقود أبناء قبيلته إلى مكان آمن…
رأى سو مينغ الخطر الذي كان زعيم القبيلة يواجهه، كما رآه كثير من المحاربين الآخرين. لكن تحت الهجوم العنيف الذي شنته قبيلة الجبل الأسود، لم يكن أحد قادرًا على الاندفاع لإنقاذه. ففي النهاية، أصبحت حياة زعيم قبيلة الجبل المظلم على المحك. لذلك اندفع جميع محاربي قبيلة الجبل الأسود لإيقاف كل من حاول الوصول إليه، وحاصروا محاربي قبيلة الجبل المظلم واحدًا تلو الآخر، حتى لا يتمكن أحد من إنقاذ زعيم قبيلتهم.
أراد سو مينغ الاندفاع، لكن الرجل الذي يرتدي ثياب الخيش من قبيلة الجبل الأسود أطلق سخرية باردة، واعترض طريقه ومنعه من التقدم. ولم تتح له حتى فرصة لرمي حراشف الدم.
في تلك اللحظة، حين بدا أن زعيم قبيلة الجبل المظلم لم يعد قادرًا على تجنب الموت، تقدم عشرات المراهقين العاديين إلى حافة الحاجز بالقرب من زعيم القبيلة، ووقفوا أمام أفراد القبيلة وهم لا يزالون داخل نطاق حماية التمثال.
ارتجف أولئك المراهقون. كانوا مجموعة عديمة الفائدة داخل القبيلة. لم يمتلكوا أجساد البيرسيركر، ولم تكن لديهم أجساد قوية. ففي الأيام العادية، بينما كان جميع أفراد القبيلة منشغلين بالعمل، كانوا يقضون أوقاتهم في اللهو دون أن يفعلوا شيئًا، لأنهم أبناء عائلات المحاربين الذين ماتوا في المعارك. وقد جعلهم ذلك يعتقدون أنهم يتمتعون بحماية خاصة، وأنه مهما فعلوا، فما داموا لا يخونون القبيلة، فيمكنهم أن يعيشوا بهذه الطريقة إلى الأبد.
لم ينسوا مجد عائلاتهم يومًا، لكنهم لم يختاروا أن يرثوا المسؤولية التي جاءت مع ذلك المجد. وبدلًا من ذلك، جعلوا الحماية التي وفرها لهم ذلك المجد عذرًا لكسلهم وغطرستهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.