مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 87: مطاردة قبيلة الجبل الأسود!نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 87: مطاردة قبيلة الجبل الأسود!

الفصل 87: مطاردة قبيلة الجبل الأسود!

صفرت الرياح الشمالية، وحملت معها الثلوج المتراكمة على الأرض. راحت رقاقات الثلج تتراقص مع الريح، وكأنها بلا جذور، لا تعرف إلى أين تمضي، تمامًا مثل الحشد الذي كان يسير وسطها. غادر أفراد قبيلة الجبل المظلم ببطء القبيلة التي كانت موطنهم لأجيال، وتقدموا بصمت عبر الغابة.

تدريجيًا، لم يعد أحد يتحدث. حتى بكاء الأطفال كاد أن يتوقف. فإما أن آباءهم هدؤوهم، أو أنهم كتموا حزنهم بين أسنانهم، وحولوه إلى عزيمة وكراهية.

كان معظم مئات الأشخاص في القبيلة من عامة الناس، وكان بينهم أيضًا الكثير من الشيوخ والضعفاء، لذلك لم يكن بإمكانهم الإسراع في رحلتهم. كانت الرياح الباردة التي تضربهم تكاد تجمد عظامهم، بينما كانت الثلوج الكثيفة تحت أقدامهم تبطئ تقدمهم.

ظل البيرسيركر في قبيلة الجبل المظلم يقظين رغم حزنهم، يراقبون أفراد قبيلتهم عن كثب. لم يجرؤوا على إهمال حذرهم، لأن معركة حتى الموت قد تندلع في أي لحظة. فإذا سقطوا، فلن يبقى أحد يحمي أفراد القبيلة من هجمات الأعداء.

كانت الطفلة بين ذراعي سو مينغ تتشبث بثوبه بإحكام. ربما كانت رياح الشتاء باردة، لكن ما كان أشد برودة هو أحلامها… ومع ذلك، بدا أن دفء حضن سو مينغ منحها بعض الطمأنينة، فهدأت تدريجيًا، وكأنها وجدت ملاذًا آمنًا داخل أحلامها. ومع ذلك، استمرت الدموع في الانسياب من زوايا عينيها.

احتضنها سو مينغ برفق، وتابع السير فوق الثلج. كانت عيناه تجولان باستمرار في محيطه، وكلما وقعتا على الوجوه المألوفة لأفراد قبيلته، رأى فيها الحزن وعدم الرغبة في الرحيل، لكنه رأى أيضًا الإصرار والعزيمة.

قبض سو مينغ على أسنانه، وظهرت الكراهية في عينيه. واصل السير بصمت، وكان بين الحين والآخر يسند الشيوخ الضعفاء، ليساعد أجسادهم المرتجفة على التقدم بسرعة أكبر فوق الثلج.

‘إذا لم نتوقف، وواصلنا السير ليلًا ونهارًا بهذه الوتيرة، فسنحتاج إلى ثلاثة أيام على الأقل للوصول إلى قبيلة تيار الرياح. ثلاثة أيام… ترى، كم شخصًا منا سيظل حيًا بحلول ذلك الوقت…؟’

كان قلب سو مينغ ينزف. لم يكن خائفًا على نفسه، بل كان يخشى عدد الوجوه المألوفة التي لن يراها مرة أخرى بعد انقضاء تلك الأيام الثلاثة.

كان يعلم أنه لو وجدت طريقة أسرع لنقل أفراد القبيلة إلى قبيلة تيار الرياح، لاستخدمها الشيخ دون تردد. صحيح أن الثعبان المظلم كان سريعًا، لكنه لم يكن قادرًا على حمل هذا العدد الكبير من الناس دفعة واحدة. إضافة إلى ذلك، لم يكن أفراد القبيلة العاديون قادرين على تحمل ضغط الطيران في السماء، وكان ذلك سيتطلب وجود عدد من البيرسيركر الأقوياء، بمستوى قائد الحرس على الأقل، لحمايتهم أثناء الرحلة.

لكن إذا غادر أولئك البيرسيركر الأقوياء، فسيصبح من المستحيل تقريبًا على بقية أفراد القبيلة النجاة.

“ماما…”

بينما كان سو مينغ غارقًا في صمته، تمتمت الطفلة بين ذراعيه وهي نائمة، ثم لفّت ذراعيها الصغيرتين بإحكام حول عنقه، وكأنها تخشى أنه إذا تركته، ستفقد آخر شعور بالأمان لديها.

‘لقد كنت محقًا… عندما عدت.’

ربت سو مينغ برفق على ظهرها.

مر الوقت ببطء. وعندما اقترب الغسق، كانت قبيلة الجبل المظلم قد ابتعدت كثيرًا عن موطنها. شق الجميع طريقهم بصمت عبر الغابة والبرد، وهم يضغطون على أسنانهم.

وفجأة… انطلق من الخلف صفير حاد مزق السماء!

وفي اللحظة التي دوى فيها ذلك الصفير، أعقبه مباشرة عواء مليء بالإثارة. وفي الوقت نفسه، اندفعت ظلال عديدة من بين الأشجار خلفهم، متجهة نحوهم بسرعة.

ارتجف جميع أفراد قبيلة الجبل المظلم تقريبًا.

أشرق بريق بارد في عيني الشيخ، بينما أطلق هو وقائد الحرس وجميع البيرسيركر الآخرين نية قتل هائلة.

أما أفراد القبيلة العاديون، فقد ارتجفوا من الخوف تحت تهديد الموت الوشيك. وتعالت صرخاتهم وبكاؤهم، وبدأت صفوفهم تدخل في شيء من الفوضى.

“كل من في المقدمة والوسط، ابقوا في أماكنكم! واصلوا حماية أفراد القبيلة والتقدم إلى الأمام! أما من يحرسون المؤخرة… فاستعدوا لقتال العدو!”

أصدر الشيخ أوامره فورًا.

سلّم سو مينغ الطفلة التي كانت بين ذراعيه إلى أحد أفراد القبيلة العاديين. وكاد يندفع نحو المؤخرة بعد سماعه أمر الشيخ، لكنه تجمد في مكانه، ثم قبض على أسنانه بقوة، وبقي في موقعه يحمي أفراد القبيلة، بينما واصلوا التقدم بقيادة زعيم القبيلة.

أما خلفهم، فقد وقف الشيخ وسبعة بيرسيركر آخرين من القبيلة، كجدارٍ يحمي الجميع من الأعداء.

دوى صفير آخر في الهواء، وسرعان ما ظهر من بين الأشجار ما يقارب عشرين بيرسيركر من قبيلة الجبل الأسود.

وعندما رأى سو مينغ هذا العدد الكبير من البيرسيركر يظهر دفعة واحدة، ارتجف قلبه.

لم يكن في قبيلة الجبل المظلم سوى نحو ثلاثين بيرسيركر فقط. ومع ذلك، تمكنت قبيلة الجبل الأسود من إرسال ما يقارب عشرين بيرسيركر في أول هجوم وحده.

كان ذلك أمرًا يصعب تصديقه.

كان معظم أولئك البيرسيركر في المستوى الرابع أو الخامس من عالم تكثيف الدم. لكن كان بينهم خمسة وصلوا إلى المستوى السادس، وثلاثة آخرون بلغوا المستوى السابع من عالم تكثيف الدم.

لم يكن بينهم أحد في المستوى الثامن.

لكن في مقدمة المهاجمين وقف رجلان يرتديان أردية سوداء. كانت ملابسهما مختلفة تمامًا عن بقية أفراد قبيلة الجبل الأسود، مما جعلهما يبرزان بوضوح. كما انبعثت منهما هالة تشي قوية ومرعبة، جعلت حدقتي سو مينغ تنكمشان.

لقد تجاوزت هالة التشي الخاصة بهما هالة قائد الحرس، وشان هين، وحتى زعيم القبيلة.

وكان مستوى زراعتهما، إلى جانب رائحة الموت الكثيفة المنبعثة منهما، والتي تشهد على عدد لا يحصى من الأرواح التي أزهقاها، يثبتان أنهما بيرسيركر في المستوى العاشر من عالم تكثيف الدم!

ومع ذلك، استطاع سو مينغ أن يلاحظ أن عيني الرجلين ذوي الرداء الأسود كانتا خاليتين تمامًا من الحياة، وهي سمة تميزهما عن الأشخاص العاديين. لكن حركاتهما بقيت رشيقة وسريعة.

وتحت قيادتهما، اندفع أكثر من عشرين بيرسيركر من قبيلة الجبل الأسود نحو الشيخ والآخرين، وقد امتلأت وجوههم بالإثارة والتعطش إلى الدم.

لقد انبعثت صرخات غريبة من شفاههم، وعندما وصلت إلى آذان أفراد القبيلة العاديين، ارتجفوا من الخوف.

“اذهبوا بسرعة!” أدار الشيخ رأسه وقال بصوت منخفض، ثم استدار وانطلق نحو بيرسيركر قبيلة الجبل الأسود. وبأرجحة واحدة من ذراعه، ظهرت رياح سوداء من العدم، والتفت حوله، رافعةً كميات هائلة من الثلج قبل أن تندفع نحو أكثر من عشرين بيرسيركر من قبيلة الجبل الأسود.

كان هدف الرجلين اللذين في المرحلة المتأخرة من عالم تكثيف الدم واضحًا. لم يلتفتا إلى أي شخص آخر، بل مع انفجار الأوردة الدموية في جسديهما بقوة هائلة وإشعاعها بضوء ساطع، اندفعا عبر الرياح السوداء مباشرة نحو الشيخ، بينما دوّت أصوات الاصطدام في أنحاء المكان.

أما بقية البيرسيركر الذين اجتاحتهم الرياح السوداء، فقد سعل سبعة أو ثمانية منهم الدم فورًا. ارتجفت أجسادهم ثم انهارت، وانفجرت إلى أشلاء من اللحم والدم، لتملأ رائحة الدم الكثيفة المكان.

لقد بدأت المجزرة!

إلى جانب الشيخ، لم يكن هناك سوى سبعة بيرسيركر من قبيلة الجبل المظلم يحمون المؤخرة. ارتسمت على وجوههم نظرة حازمة، ولم يتراجع أيٌّ منهم خطوة واحدة. فخلفهم كانت تقف قبيلتهم وعائلاتهم، وما داموا أحياء فلن يسمحوا لأحد بتجاوزهم!

رفع الرجال السبعة رؤوسهم، وأطلقوا زئيرًا امتزج فيه الحزن بالعزم، ثم اندفعوا نحو العشرات من بيرسيركر قبيلة الجبل الأسود. كانوا مستعدين لفعل أي شيء لإيقافهم وكسب المزيد من الوقت لأفراد قبيلتهم!

لم تكن مستويات زراعتهم مرتفعة. أقواهم كان في المستوى السابع من عالم تكثيف الدم، بينما كان معظمهم في المستوى الخامس. ومع ذلك، ففي تلك اللحظة انبعث منهم حضور لا يوصف، حضور يصرخ برغبتهم في حماية منازلهم وأفراد قبيلتهم. حتى لو ماتوا، فلن تموت إرادتهم أبدًا. وحتى لو سُحقت عظامهم وتحولت أجسادهم إلى رماد، فلن يسمحوا لأعدائهم بتجاوزهم!

لقد كانوا جدارًا بشريًا من اللحم والدم! وكانوا الخندق الذي شُيّد بحياتهم! وكانوا اليأس الذي صاغته أرواحهم! وهذا… كان قرارهم!

احمرّت عينا سو مينغ، ولم يكن وحده. فقد استولى الجنون على معظم البيرسيركر من حوله، وبدأ بعض أفراد القبيلة العاديين يصرخون بالفعل، راغبين في القتال!

“لا تندفعوا! واجبكم هو حماية القبيلة أثناء هجرتها! يجب أن نغادر!” وقبل أن يندفع سو مينغ والآخرون للانضمام إلى المعركة، دوّى صوت زعيم القبيلة من المقدمة. كانت ملامحه حازمة، لكن خلف ذلك الحزم كان يختبئ حزن عميق.

كان زعيم قبيلة الجبل المظلم. وكانت مسؤوليته أن يضمن نجاة أكبر عدد ممكن من أفراد قبيلته، حتى تستمر القبيلة في الوجود…

قبض سو مينغ على قبضتيه بقوة. كانت عيناه محتقنتين بالدم، لكنه أجبر نفسه على كبح نية القتل. نظر إلى رجال القبيلة السبعة الذين كانوا يبعدون مئات الأقدام، وقد اجتاحهم عشرات بيرسيركر قبيلة الجبل الأسود كأمواج المد.

ومع دوي انفجار هائل، رأى سو مينغ بوضوح أحد رجال قبيلته يسعل الدم. انفجر ذراعه الأيمن وتناثر بعيدًا، ومع ذلك ظل واقفًا رغم انهيار ساقيه. أطلق زئيرًا شرسًا، ثم ضرب رأسه برأس عدوه بجنون، وفتح فمه ليعض رقبة البيرسيركر المقابل له بعنف، ممزقًا لحمه. فأطلق خصمه صرخة ألم حادة.

ارتعب الرجل من قبيلة الجبل الأسود. كانت رقبته ممزقة والدم يتدفق منها بغزارة. وبينما كان يصرخ من الألم، لكم صدر البيرسيركر بقوة حتى جعله يسعل الدم، لكن الرجل لم يرخِ أسنانه، بل غرسها أعمق في لحم عدوه. كانت تلك النظرة الوحشية على وجهه، وذلك الجنون الذي أظهره، كافيين ليزرعا الرعب في قلب خصمه.

وفي تلك اللحظة، أدار رجل القبيلة الذي كان يعض عدوه رأسه فجأة، ونظر إلى أفراد قبيلته الذين كانوا يبتعدون. بدا وكأنه رأى سو مينغ ينظر إليه من بين الحشد. ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة. كان رجلًا في الثلاثينيات من عمره، وفي عينيه ظل سو مينغ مجرد طفل.

كانت تلك الابتسامة مليئة بعطف الكبار على الصغار، وتناقضت تمامًا مع الوحشية التي أظهرها قبل لحظات. وما إن ارتسمت حتى استدار وأغلق عينيه. في تلك اللحظة انفجرت جميع أوردته الدموية دفعة واحدة، واجتاحت القوة جسده بالكامل، لينفجر انفجارًا مدويًا هز السماء والأرض. وفي اللحظة التي تمزق فيها جسده، ظهر الرعب في عيني الرجل الذي كانت رقبته ممزقة. حاول التراجع… لكن الأوان كان قد فات.

كان ذلك… التفجير الذاتي للأوردة الدموية!

كانت تلك آخر صرخة في حياته، صرخة أطلقها بكل قطرة من لحمه ودمه، ليخبر جميع أفراد قبيلة الجبل الأسود أنه إذا أرادوا القضاء على قبيلة الجبل المظلم، فسيدفعون ثمنًا لم يتخيلوه قط!

وسط هدير الانفجار، سعل أحد رجال قبيلة الجبل الأسود الدم، وتمزقت ذراعاه عن جسده. ترنح متراجعًا، ولم تعد لديه أي إرادة للقتال. كان قلبه يرتجف… لقد خاف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.