مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 86: منازلهم التي كانوا مترددين في تركها وراءهمنحو 11 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 86: منازلهم التي كانوا مترددين في تركها وراءهم

الفصل 86: منازلهم التي كانوا مترددين في تركها وراءهم

“سو مينغ… أنت…”

تحدث الشيخ، لكن عندما رأى الاحمرار في عيني سو مينغ، والتعب الواضح على جسده، وإصراره الصامت، لم يستطع مواصلة الكلام، لأنه شعر أيضًا بالثمن الباهظ الذي دفعه سو مينغ ليتمكن من العودة.

في نظره، أصبح سو مينغ الآن كـ سهم حاد جاهز للانطلاق. كان هذا السهم يطلق هالةً صادمة وشرسة، ولن يستطيع أحد إيقافه حتى يتذوق الدم!

“أيها الشيخ… لقد عدت.”

همس سو مينغ بهدوء، تمامًا كما كان يفعل دائمًا عندما يعود من خارج القبيلة.

نظر الشيخ إلى سو مينغ، وكانت عيناه تحملان الفرح والتردد، إلى جانب نظرة معقدة لم يستطع سو مينغ فهمها.

“هل تريد القتال من أجل القبيلة؟” سأل الشيخ بهدوء بعد صمت طويل.

أومأ سو مينغ برأسه.

“حتى لو واجهت الموت، هل ما زلت مستعدًا؟” سأل الشيخ مرة أخرى بعد لحظة من الصمت.

“الجميع سيموت في النهاية، وإذا مت وأنا أحمي بيتي، فسأموت بلا ندم.”

قال سو مينغ ذلك بصوت هادئ، معبرًا عن أفكاره.

“جيد يا سو مينغ، لن أوقفك. بما أن هذا هو قرارك، فسأمنحك فرصة للقتال من أجل القبيلة!”

أغلق الشيخ عينيه، وكأنه يتردد، ثم فتحهما بعد لحظة، وقد امتلأتا بالحزم.

كان يعلم في أعماقه أنه لم يعد قادرًا على إيقاف سو مينغ. ولو فعل، فمن يدري أي نوع من التصرفات المتهورة قد يقدم عليها هذا الطفل مرة أخرى؟ وعندما رأى الإصابات الخطيرة على جسد سو مينغ، شعر قلبه بالألم، لكنه شعر أيضًا بالامتنان.

في تلك اللحظة، صمت جميع أفراد القبيلة المجتمعين في الساحة فجأة، واتجهت أنظارهم نحو الأشخاص الذين دخلوا القبيلة.

كان زعيم القبيلة يسير في المقدمة، وخلفه قائد الحرس وشان هين. كما عاد بي لينغ، وبقية البيرسيركر الأقوياء من المستوى السادس والسابع من عالم تكثيف الدم، وهم يبدون مرهقين، والدماء الطازجة تغطي أجسادهم.

عندما غادروا، كان عددهم أكبر، أما الآن فقد نقص عددهم. كما أصيب كثير منهم بجروح، وكان وجه بي لينغ شاحبًا على وجه الخصوص، بينما كانت كمية كبيرة من الدم تتدفق من صدره.

كان كل واحد منهم يحمل رأسًا مقطوعًا في يده، ولم تعد تلك الرؤوس تنزف. أشعلت عودتهم معنويات أفراد القبيلة، فتعالت الهتافات، ثم تنحى الجميع بسرعة جانبًا، ليفسحوا لهم الطريق حتى يصلوا مباشرة إلى الشيخ.

رأى بي لينغ سو مينغ، لكن اللامبالاة المعتادة على وجهه اختفت. ظل صامتًا، واكتفى بالسير خلف والده. فقد أصبحت غيرته لا تساوي شيئًا مقارنة ببقاء القبيلة.

إذا اختفت القبيلة، وإذا مات أفرادها، فلماذا سيشعر بالغيرة…؟

تقدمت المجموعة نحو الشيخ، وألقى زعيم قبيلة الجبل المظلم الرأسين اللذين كان يحملهما على الأرض، ثم قال: “أيها الشيخ، لقد طاردنا كشافة قبيلة الجبل الأسود وقتلناهم جميعًا. ينبغي… أن يكون الوضع خارج القبيلة آمنًا الآن، لذا يمكننا البدء في الهجرة!”

كانت رائحة الدم تفوح من كلماته.

كما ألقى الأشخاص الواقفون خلفه الرؤوس التي كانوا يحملونها، وانبعثت من أجسادهم نية قتل صامتة.

وقف سو مينغ إلى جانب الشيخ، ونظر بصمت إلى زعيم القبيلة والآخرين. رأى التعب الذي يغطي أجسادهم، والحزن المخفي خلف نية القتل والعطش إلى الدم.

ولم يكن من الصعب عليه أن يتخيل ما حدث. فقد تعرضت القبيلة لكمين من قبيلة الجبل الأسود بينما كانت تستعد للهجرة. ولا بد أن تلك المعركة كانت قاسية ودامية، حتى إنها منعت القبيلة من التحرك. وبعد انتهاء المعركة الأولى، ووفقًا لأوامر الشيخ، خرج هؤلاء المحاربون لمطاردة جميع كشافة قبيلة الجبل الأسود وقتلهم. عندها فقط أصبحت الهجرة آمنة.

ففي النهاية، كان معظم أفراد القبيلة من عامة الناس، وكان بينهم أيضًا عدد كبير من النساء والأطفال، وكان لا بد من حمايتهم، لأنهم أمل القبيلة ومستقبلها.

أومأ الشيخ برأسه، ثم مرر بصره على جميع أفراد القبيلة. في تلك اللحظة، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، صغارًا أو كبارًا، كانوا جميعًا ينظرون إليه، وكانت أعينهم مليئة بالاعتماد والأمل.

قال الشيخ بهدوء: “يا أبناء القبيلة…”

“نحن لا نريد مغادرة منازلنا… ولا نريد مغادرة هذه الأرض التي عشنا عليها نحن وأجدادنا لأجيال. ولا نريد أن نعتمد على قبيلة تيار الرياح… لكن إذا أردنا أن تستمر قبيلة الجبل المظلم في الحياة، فلا بد أن نفعل ذلك!”

“يجب أن نعيش… وسنعيش!”

“وسنخبر أحفادنا، وسنخبر أنفسنا أيضًا، أنه سيأتي يوم نعود فيه إلى هذا المكان. وسيأتي يوم نبني فيه منزلنا من جديد. وفي ذلك اليوم… سنعيد إلى قبيلة الجبل الأسود الإذلال الذي ألحقته بنا اليوم، مضاعفًا مرات عديدة!”

“أنا أثق بذلك… فهل تثقون أنتم أيضًا؟!”

ارتفع صوت الشيخ عاليًا، وفي تلك اللحظة أطلق جميع أفراد القبيلة زئيرًا طويلًا وسط حزنهم. هز زئيرهم السماء. ورغم أن قبيلة الجبل المظلم لم تكن كبيرة العدد، فإن ذلك الزئير كان أعظم صرخة خرجت يومًا من أعماق أرواحهم.

“سيأتي يوم… تعود فيه قبيلة الجبل المظلم! أما الآن… فسنهاجر!”

أغلق الشيخ عينيه، فلم يشأ أن يرى أحد الحزن المختبئ فيهما. ثم لوح بيده، وعلى الفور بدأ جميع أفراد قبيلة الجبل المظلم بالتحرك ببطء تحت حماية البيرسيركر في القبيلة. تركوا خلفهم الأرض التي عاشوا عليها جيلًا بعد جيل، وانطلقوا نحو أرض مجهولة بعيدة.

امتد صف طويل من الناس وهم يغادرون القبيلة ببطء. وخلفهم، كانت أعمدة الدخان لا تزال تتصاعد من قبيلة الجبل المظلم، بينما غلف الخراب والحزن أنقاضها.

تعالت أصوات البكاء بين الحشود. كانت أصوات أطفال القبيلة الذين لم يكبروا بعد، والنساء المذعورات، وجميع أفراد قبيلة الجبل المظلم.

كان رجال القبيلة يحمون عائلاتهم، ويتمسكون بأطفالهم الحائرين. وبينما كانوا يبكون، واصلوا السير بصمت. وكان بعض الأطفال يتمسكون بأيدي آبائهم وشيوخهم بخوف، ويلتفتون إلى الوراء وهم يبكون.

كانوا ينظرون إلى المشهد المألوف خلفهم مرة بعد أخرى، وكأنهم يريدون نقش صورته في أعماق ذاكرتهم، لتبقى ذكرى أبدية. كانوا يخشون أن ينسوا ذلك المشهد، وأن ينسوا الطريق المؤدي إلى منازلهم.

كل واحد منهم لم يستطع إلا أن يلتفت لينظر إلى القبيلة التي تركها خلفه… إلى منزله الذي عاش فيه يومًا.

كان هناك رجل عجوز يسير بهدوء بين الحشود. كان نان سونغ. ظل وجهه هادئًا، وكأنه رأى كل ما يمكن أن تلقيه الحياة في وجهه. في تلك اللحظة، لم يكن يحمل سوى كيس بسيط معلق على ظهره، وكان يسير بصمت وتواضع وسط الحشد.

كان الوقت وقت الظهيرة. لم تكن أشعة الشمس قوية. انعكس بريق فضي من الثلج الذي غطى الأرض، حتى بدا وكأنه يخترق أعينهم. لكن مهما كان ذلك الضوء ساطعًا، فإنه لم يستطع أن يمنعهم من الالتفات إلى الوراء مرة بعد أخرى، أو أن يخفف الحزن الذي شعروا به وهم يغادرون.

كانت منازلهم تبتعد أكثر فأكثر، وأصبح شكل القبيلة يزداد ضبابية شيئًا فشيئًا. ولم يعد أفراد القبيلة يرون سوى أعمدة الدخان الأسود الخافتة وهي تتصاعد إلى السماء، وأنقاض القبيلة المدمرة. ومع ذلك، فقد نُقشت صورة القبيلة كما كانت في أجمل أيامها في أعماق قلوبهم. هم… لن ينسوا.

استدار سو مينغ هو الآخر. كانت كل تفاصيل القبيلة محفورة في ذاكرته. احتضنت القبيلة طفولته، وجميع لحظات السعادة في حياته، ونموه. كان يعرف كل زاوية فيها، ولم يكن قادرًا على نسيان أي شبر من أرضها. كل شيء داخل القبيلة… سيبقى في ذاكرته إلى الأبد.

ولولا الضرورة، لما رغب أحد في مغادرة منزله. ولم يكن أحد مستعدًا لترك بيته المألوف، والسفر إلى قبيلة تيار الرياح الغريبة، ليقبل بمصير أن يصبح قبيلةً تابعة.

ومع ذلك، لم يكن أمامهم سوى هذا الطريق. كان هذا هو السبيل الوحيد لنجاة قبيلة الجبل المظلم من خطر الإبادة واستمرار سلالتها. كان الطريق إلى قبيلة تيار الرياح طويلًا وشاقًا، لكن لم يكن أمامهم خيار سوى مواصلة السير.

لم ينتهِ الخطر، بل على العكس، لقد بدأ الخطر الحقيقي للتو. ففي السابق، كانت القبيلة تحمي أفرادها، ولذلك تمكنت قبيلة الجبل المظلم من الصمود أمام الموجة الأولى من هجوم قبيلة الجبل الأسود. أما الآن، وخلال الهجرة، فقد اضطر الجميع إلى السير في صف طويل، وكان معظمهم من عامة الناس. ولم يكن لديهم أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم أمام البيرسيركر.

لذلك، لم يكن من الممكن أن تكون هذه الهجرة سلمية…

إذا هُزمت قبيلة الجبل المظلم، فإن ما ينتظرهم هو موت جميع البيرسيركر التابعين لها. وسيُذبح جميع الرجال، بمن فيهم الرضع الذكور والأطفال. فكل من كان ذكرًا… سيموت. أما النساء، فسيبقين على قيد الحياة فقط ليُؤخذن إلى قبيلة الجبل الأسود، ويعاملن كأنهن أشياء. وسيكون الغرض الوحيد من بقائهن هو إنجاب أبناء لقبيلة الجبل الأسود، وتقوية تلك القبيلة، بينما يعشن بقية حياتهن في الذل والإهانة.

كان من المستحيل التحرك بسرعة بينما يهاجر مئات الأشخاص دفعة واحدة، خاصة مع وجود هذا العدد الكبير من الأطفال والنساء. ومع البرد القارس الذي جلبه الشتاء، خفتت أصوات بكائهم تدريجيًا، حتى لم يبقَ سوى الصمت.

لم يكن أحد يعلم ما الذي ينتظرهم في المستقبل. ربما كانت قبيلة تيار الرياح المكان الوحيد الذي يستطيعون اللجوء إليه… ومع ذلك، لم يكن أحد يعلم إن كانوا سيتمكنون من الوصول إليها أحياء.

ولم يكن أحد يعلم أيضًا كم شخصًا سيموت في هذه الرحلة، وكم شخصًا لن يرى عائلته مرة أخرى.

كان بين الحشود عدد لا بأس به من الشباب الذين لم يمتلكوا جسد البيرسيركر. في الماضي، نادرًا ما قدموا أي مساهمة للقبيلة، وقضوا معظم أوقاتهم في اللعب واللهو. لكن لأنهم كانوا أبناء أو أقارب بيرسيركر ماتوا في المعارك، فلم يكن أحد يضايقهم أو يلومهم، ما داموا لا يتجاوزون حدودهم.

أما الآن، فقد كان هؤلاء العشرات من الشباب ينظرون حولهم بخوف وسط الحشود، ولا يتمنون سوى الوصول إلى قبيلة تيار الرياح بأسرع وقت ممكن.

أحاط بيرسيركر قبيلة الجبل المظلم بالحشد من جميع الجهات. كانوا يحمون أفراد قبيلتهم بصمت وإصرار، رغم الإرهاق الذي بدا عليهم. وفي بعض الأحيان، كانوا يتقدمون لمساعدة الشيوخ الضعفاء.

كان زعيم قبيلة الجبل المظلم يسير في المقدمة أمام الجميع. ظل وجهه حازمًا، وهو يتقدم بحذر إلى الأمام. وكان خلفه عدد من البيرسيركر، وجميعهم يراقبون محيطهم بيقظة.

وكان الوضع نفسه على جانبي الحشد وخلفه.

كان الشيخ يسير في المؤخرة. أمسك في يده عصاه البيضاء المصنوعة من العظام، وتقدم بحذر ويقظة.

أما بي لينغ، فكان يمسك بيد تشين شين، ويسير بصمت على الجانب الأيمن. ظل وجهه شاحبًا، وكانت الدماء لا تزال تتدفق من جرح صدره، لكنه لم يعر ذلك أي اهتمام.

وكان كل من لي تشين، و وولا، وبقية البيرسيركر في القبيلة يحيطون بأفراد قبيلتهم، ويحرسونهم في صمت.

أما قائد الحرس وشان هين، فقد كانت مسؤوليتهما أكبر، إذ كانا يحميان جانبي الحشد ويتقدمان بحذر. أمسك قائد الحرس بقوسه في يده اليمنى، وكان مستعدًا لإطلاق سهمه في اللحظة التي يلاحظ فيها أي حركة مريبة.

وخلفه، كان يسير رجل عجوز ينظر إليه بين الحين والآخر بهدوء.

تعرف سو مينغ على ذلك الرجل.

لقد كان نان سونغ، العجوز الذي كان يحرس مخزن الأعشاب.

أما شان هين، فقد بقي باردًا وغير مبالٍ كعادته. لم يكن أحد يعلم ما الذي يدور في ذهنه. لكن بين الحين والآخر، كانت لمحة من التعقيد تومض في عينيه الضيقتين، دون أن يلاحظها أحد.

تبع سو مينغ الحشد، واستمع إلى أصوات البكاء التي تحولت تدريجيًا إلى صمت. انقبض قلبه ألمًا. وعندما رأى الخوف على تلك الوجوه المألوفة، قبض على يديه بقوة.

‘لحماية القبيلة… للقتال من أجل القبيلة…’

تمتم سو مينغ في نفسه.

كان يحرس الجانب الأيمن من الحشد، بينما كان شان هين يسير أمامه على مسافة قصيرة.

لم يختر سو مينغ هذا المكان بنفسه، بل كلفه الشيخ بهذه المهمة عندما بدأت القبيلة بالتحرك.

وكان يحمل بين ذراعيه فتاة صغيرة، يتراوح عمرها بين الخامسة والسادسة. كان اسمها تونغ تونغ. كانت نائمة، لكن الدموع كانت لا تزال عالقة على رموشها.

لقد مات والدها في المعركة، كما ماتت والدتها في الليلة السابقة.

ولم يبقَ من عائلتها سواها.

“ماما… بابا… بيبي…”

ارتجف جسد الفتاة وهي نائمة، وكأنها تطاردها الكوابيس. وبينما كانت الدموع تنساب على وجهها، تشبثت بثوب سو مينغ بكلتا يديها.

كان سو مينغ يعرف أن "بيبي" هو الحيوان الأليف الخاص بها. كان صغيرًا ولطيفًا، وكانت تحمله دائمًا بين ذراعيها.

“تونغ تونغ… كوني مطمئنة…”

ربت سو مينغ برفق على ظهرها، بينما امتلأت عيناه بالحزن.

في تلك اللحظة…

شعر وكأنه قد نضج فجأة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.