مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 85: لقد رأى القبيلة...نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 85: لقد رأى القبيلة...

الفصل 85: لقد رأى القبيلة…

في اللحظة التي ظهرت فيها اليد، دوى هدير مدوٍ بين السماء والأرض. وظهرت تموجات على الفور في الفضاء الفاصل بين الذراع والأشخاص الواقفين في السهل.

اهتز شي هاي والآخرون بعنف، وكأن قوة هائلة سقطت فوق أجسادهم. انفجر الـتشي داخل أجسادهم واحدًا تلو الآخر، فتحولت وجوههم إلى الشحوب، وسقطوا على الأرض وهم يسعلون جرعات من الدم. ورغم أنهم لم يموتوا، فإنهم شعروا وكأن أجسادهم قد تحطمت بالكامل، ولم يعودوا قادرين على الوقوف

“أما زلتم على قيد الحياة؟ يبدو أنني لا أستطيع الاستخفاف بقبيلة وُلدت من أضعف فروع قبيلة مان مياو العظمى. ففي النهاية، لا يزال بعض دماء قبيلة مان مياو يجري في عروقكم…”

تردد ذلك الصوت المرعب في الهواء، واستخدم صاحبه وسيلة غامضة من داخل الضباب، جعلت هدير الوحش الأسطوري يمتزج بنبرة من الألم.

“ليس من الصعب الحصول على الطائر العظيم المختوم… فهذا الختم قد قيد بالفعل نصف قوتك منذ البداية. والآن، دعني أرى كيف ستقاوم!”

ظهر قدر من الفرح في ذلك الصوت الكئيب.

لكن في تلك اللحظة، دوى زئير منخفض من مكان بعيد.

“أيها اللص! كيف تجرؤ على إيذاء جبلنا المقدس؟!”

ومع صدى ذلك الصوت، وصل جينغ نان، شيخ قبيلة تيار الرياح، وهو يزأر بغضب. وخلفه كانت امرأة جميلة ذات ملامح باردة ترتدي ثوبًا بنفسجيًا. ورغم أنها كانت في منتصف العمر، فإن جمالها لم يتأثر بمرور الزمن. وفي تلك اللحظة، كانت عيناها تلمعان ببريق بارد، وفي أعماقهما غضب عارم ونية قتل موجهة نحو ذلك الدخيل.

بمجرد وصولهما، اندفعا مباشرة إلى داخل الصدع، ودخلا الضباب الأسود الذي يحيط بجبل تيار الرياح دون أي تردد.

وسرعان ما دوى من داخل الضباب الأسود هدير هائل هز السماء والأرض. وفي إحدى اللحظات، انطلق أيضًا زئير منخفض من جينغ نان.

لم يكن سو مينغ يعلم شيئًا عما كان يحدث في قبيلة تيار الرياح. وحتى لو علم، لما أولى الأمر أي اهتمام.

فبالنسبة إليه، كان أهم شيء في تلك اللحظة هو العودة إلى قبيلته بأقصى سرعة ممكنة.

أراد أن يرى ما إذا كانت قبيلته لا تزال قائمة…

أراد أن يرى ما إذا كان أفراد قبيلته ما زالوا بخير…

وبمجرد أن هدأت موجة التوتر والقلق والجنون التي اجتاحته، أصبح هادئًا على نحو غريب.

ركض بصمت فوق الأرض المغطاة بالثلوج.

لقد مضى وقت طويل منذ أن غادر الشيخ ذلك المكان. وكانت السماء لا تزال بين ظلمة الليل وبداية الفجر. وكان سو مينغ يعلم أنه، بسرعة الثعبان المظلم، فمن المحتمل أن يكون الشيخ والآخرون قد عادوا إلى القبيلة منذ وقت طويل.

‘أرجوكم… كونوا جميعًا بخير…’

واصل سو مينغ الركض، وكانت قدماه تضربان الأرض باستمرار، بأقصى سرعة وصل إليها في حياته.

كانت سرعته هائلة إلى درجة أن أي شخص يراه يقترب، سيجده قد اختفى بالفعل في غمضة عين.

لم يكن يهتم بالعواقب. بل نسي حتى إرهاقه. ولكي يزيد من سرعته أكثر، جعل الأوردة الدموية الـ243 في جسده تنفجر بقوتها باستمرار، مانحةً إياه دفعة جديدة من القوة، ليواصل الاندفاع بسرعة أكبر.

وعندما أشرقت السماء تمامًا، وبدأت الشمس تبسط نورها على الأرض، انعكس بريق فضي على الثلج الذي غطى السهول.

في تلك اللحظة، كان سو مينغ قد غادر بالفعل المنطقة التابعة لقبيلة تيار الرياح، واندفع إلى غابة جافة. كانت تلك الغابة تقع بالقرب من ساحة التجارة التي زارها قبل مدة.

في الماضي، كان سيحتاج إلى نصف يوم ليصل إلى هذا المكان بأقصى سرعته.

أما الآن، فقد قطع هذه المسافة في أقل من أربع ساعات وهو يركض بصمت.

بالنسبة لأي شخص آخر، كانت هذه السرعة مرعبة بما يكفي لإثارة الرعب في قلبه.

لكن سو مينغ ما زال يشعر بأنها… بطيئة جدًا!

لم يطلق أي زئير، بل واصل الركض بصمت عبر الغابة. برزت الأوردة على ساقيه، وقفز إلى الأمام فجأة، مستغلًا قوة اندفاعه ليواصل الركض دون توقف.

وبينما استمر في الجري، كان العرق يغطي جسده بالكامل. لم تكن ساقاه وحدهما تؤلمانه، بل بدأ الألم ينتشر في كل جزء من جسده.

مر الوقت ببطء.

وعندما حلت الظهيرة، توقف تساقط الثلوج. اختفت الغيوم، وأصبحت السماء صافية.

ومع ذلك، ظل شخص واحد يركض بصمت داخل الغابة.

حتى العرق الذي خرج من جسده لم يكن قادرًا على الانسياب على بشرته، إذ كانت سرعته تدفعه إلى الخلف.

لم يعد هناك ما يدعم سو مينغ سوى عزيمته وإصراره.كان قلقه على قبيلته وأفرادها يملأ قلبه.

لم يكن قادرًا حتى على وصف مشاعره في تلك اللحظة.

كان الأمر وكأن جسده قد جف تمامًا، ولم يعد يتحرك إلا بفضل إرادته وحدها.

كان يقترب أكثر فأكثر من القبيلة.

ترددت دقات قلبه في أنحاء جسده، وجعلت قلقه وترقبه يشتدان أكثر فأكثر.

كان يخشى أن يرى قبيلته قد تحولت إلى أنقاض… ويخشى أن يرى جثث أفراد قبيلته متناثرة على الأرض.

كان خائفًا… لكن سرعته لم تنخفض.

بل على العكس، انفجرت داخل جسده قوة أكثر شراسة.

وعندما ظهر من بعيد مخطط قبيلة الجبل المظلم أمام عينيه، ارتجف جسد سو مينغ، وانهمرت الدموع من عينيه.

من بعيد، رأى أن بوابة القبيلة قد دُمِّرت.

كما تهشمت أجزاء كثيرة من السور الخشبي الكبير الذي يحيط بالقبيلة.

بل كانت أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد من داخلها، في دليل واضح على اندلاع حريق.

لكن القبيلة لم تكن صامتة.

بدا أن عددًا كبيرًا من أفراد القبيلة قد تجمعوا في الداخل.

وعندما رأى أن أفراد قبيلته ما زالوا أحياء، هدأ القلق في قلب سو مينغ قليلًا.

لكن بعد ذلك، اشتعلت في قلبه نية قتل هائلة تجاه الأعداء الذين تجرؤوا على تدمير قبيلة الجبل المظلم.

اندفع سو مينغ نحو القبيلة.

وقبل أن يصل إليها، رآه المحاربون الذين كانوا ضمن فريق الصيد.

توتروا على الفور، لكن عندما رأوا وجه سو مينغ، ارتخوا، ولم يستطيعوا إخفاء الإرهاق البادي على وجوههم.

دخل سو مينغ القبيلة والدموع تملأ عينيه.

عبر البوابة التي تحولت إلى حطام، ثم دخل إلى الداخل.

رأى التعب المرسوم على وجوه الصيادين.

ورأى عشرات الجثث مصطفة على الأرض في وسط القبيلة.

كانت تلك الجثث لأشخاص يعرفهم سو مينغ جيدًا.

كانوا… أفراد قبيلته.

وكانت عائلاتهم تبكي بجوار أجسادهم.

ومع تردد صرخات البكاء في أنحاء القبيلة، شعر سو مينغ وكأن قلبه قد طُعن بسكين، وكان الألم الذي اجتاحه شديدًا إلى درجة أنه ظن أن قلبه سينزف.

رأى الحزن على وجوه أفراد القبيلة العاديين. كانوا يحزمون أمتعتهم بخوف وحيرة، ثم يركضون نحو المكان المخصص لتجمعهم.

وعلى وجوه صغار القبيلة، رأى الدموع والخوف والصدمة، وهم يتمسكون بأيدي أمهاتهم بكل قوتهم، وكأنهم يخشون أنه إذا أفلتوا تلك الأيدي للحظة، فلن يتمكنوا من الإمساك بها مرة أخرى…

انهارت منازل كثيرة داخل القبيلة، وتحولت الأرض إلى فوضى عارمة. وانتشرت بقع الدم في أنحاء عديدة، في دليل واضح على أن معركة شرسة قد وقعت هنا قبل وقت قصير.

وبينما كان سو مينغ يتأمل المشاهد أمامه، قبض على يديه بقوة. امتلأت عيناه بالكراهية.

كانت تلك كراهية ونية قتل نادرًا ما تظهران على وجه شاب لم يبلغ السابعة عشرة من عمره بعد!

استمرت دموع سو مينغ في الانهمار.

رأى المرأة الطيبة التي كانت تعيش في المنزل المجاور، جالسة أمام بيتها المدمر. لم يكن هناك أحد بجانبها…

لقد مات طفلها…

ومات زوجها أيضًا…

وأصبحت الوحيدة التي بقيت، تجلس هناك وحدها، غارقة في الذهول.

وعندما نظر إليها سو مينغ، استطاع أن يشعر بحزنها… حزن لا يمكن للكلمات أن تصفه.

“قبيلة الجبل الأسود!” صرّ سو مينغ على أسنانه.

ثم رأى لي تشين، الذي بدا مرهقًا للغاية، وهو يساعد في جمع أفراد القبيلة ونقل الأشياء المهمة الخاصة بالقبيلة.

لم يلاحظ لي تشين وصول سو مينغ.

فقد كان منهكًا إلى أقصى حد.

ورأى أيضًا وولا، الفتاة التي كانت تحتقره دائمًا، لكنها كانت معجبة به في الوقت نفسه. بدت وكأنها كبرت بين ليلة وضحاها.

كان قوس ضخم معلقًا على ظهرها، وكانت تهمس لأفراد القبيلة لطمأنتهم، وتساعدهم على التجمع بأسرع وقت ممكن.

كما كانت تشين شين تقف وسط الحشد.

جعلها الشحوب الذي يكسو وجهها تبدو ضعيفة ومثيرة للشفقة، لكن النظرة الحازمة في عينيها أظهرت أنها هي الأخرى قد نضجت.

لم يرى سو مينغ زعيم القبيلة…

ولا قائد الحرس…ولا شان هين… ولا بي لينغ…

كما لم يرى أيًا من المحاربين الأقوياء في القبيلة الذين وصلوا إلى المستوى السابع من عالم تكثيف الدم.

كانوا جميعًا غائبين.

لكن… رأى الشيخ.

كان الشيخ يقف في مكان بعيد.

كان وجهه شاحبًا، وقد بدا وكأنه شاخ كثيرًا، كما لو أن عشرات السنين قد مرت عليه خلال تلك الليلة الواحدة.

في تلك اللحظة، كان مطأطئ الرأس، يعالج أحد أفراد القبيلة الذي غطى الدم فخذه الأيسر.

كان ذلك الرجل محاربًا يبلغ من العمر سبعةً وعشرين أو ثمانيةً وعشرين عامًا.

عرفه سو مينغ.

كان ذلك ليو دي، الذي اعتاد العزف على الشون.

لم يكن هذا الرجل يحب الاختلاط كثيرًا بأفراد القبيلة.

وكانت قطعة عظم بحجم قبضة اليد تتدلى من خصره. احتوت على عدة ثقوب صغيرة، وكان شكلها غريبًا للغاية.

عرف سو مينغ تلك الأداة.

كان اسمها الشون.

وهي آلة موسيقية لا يعرف معظم أفراد القبيلة كيف يعزفون عليها.

كان ليو دي وحده يمتلك تلك الموهبة، وكان أفراد القبيلة يسمعون أحيانًا أنغام الشون تتردد في أنحاء القبيلة.

أما الآن… فلم يعد يظهر على وجهه أي أثر للألم أو الحزن.

بل لم يبقَ فيه سوى الإصرار والعزيمة.

استمرت دموع سو مينغ في السقوط، بينما كان يتقدم نحو الشيخ خطوةً بعد خطوة.

كل ما رآه منذ عودته إلى القبيلة حوّل غضبه إلى نية قتل.

أراد أن يقاتل… أن يقاتل من أجل القبيلة!

ومع اقتراب سو مينغ من الشيخ، سمع عضو القبيلة الذي كان الشيخ يعالجه يقول بصوت أجش:“أيها الشيخ… انسى أمري. لقد تضررت ساقي بالفعل، لكن لا يزال بإمكاني القتال… أنا…”

كان وجه الشيخ قاتمًا، ومليئًا بالحزن.

أومأ برأسه برفق.

ثم، وكأنه شعر بشيء، رفع رأسه، فرأى سو مينغ يسير نحوه.

وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه على سو مينغ، تجمد في مكانه.

ظهرت على وجهه نظرة واضحة من عدم التصديق والصدمة.

كان يعلم بشأن الختم الذي ألقاه، ويعرف أنه لا يمكن لشخص عادي أن يخترقه بهذه السرعة.

ومع ذلك… كان سو مينغ يقف أمامه بالفعل.

حتى إنه ظن للحظة أن ما يراه مجرد وهم.

كانت تلك أول مرة يُظهر فيها الشيخ مثل هذا التعبير أمام سو مينغ.

لم يستطع أن يصدق أن سو مينغ تمكن من اختراق الختم والعودة إلى القبيلة في وقت قصير إلى هذا الحد.

وفي تلك اللحظة، لم يكن الشيخ وحده من رأى سو مينغ، بل رآه لي تشين أيضًا.

اتسعت عيناه، وظهرت الدهشة على وجهه.

وفي الوقت نفسه، رفعت وولا رأسها مصادفة، ورأت سو مينغ هي الأخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.