الفصل 79: من يتنهد لذلك الوعد؟
الفصل 79: من يتنهد لذلك الوعد؟
استمر تساقط الثلوج، كستارة فضية جميلة تغطي الأرض. ربطت السماء بالأرض، وحولتهما إلى مشهد خالد لا يُنسى. كانت رقاقات الثلج تتمايل في الهواء، وتهبط أمام سو مينغ. ومع صفير الرياح وهبوبها، كانت ترفع الثلوج المتراكمة على الأرض، فتمتزج بالثلوج المتساقطة من السماء في رقصة بيضاء ساحرة.
حملت الرياح بعض رقاقات الثلج إلى باي لينغ، فانزلقت بمحاذاة خصلات شعرها، واستقرت على عنقها، ثم غطت ثوبها قبل أن تذوب ببطء.
بينما كان يستمع إلى همسات باي لينغ الناعمة بجوار أذنه، ازداد الدفء في قلب سو مينغ، وانتشر في أنحاء جسده. ثم تحول ذلك الدفء إلى شعور مميز، شعور له اسم واحد… السعادة.
كانت ليلة جميلة، تتساقط فيها الثلوج الجميلة، ويغمر السعادة قلبي شخصين.
ابتسم سو مينغ. كانت ابتسامته هادئة، مليئة بالسعادة وبراءة صبي صغير. توقف عن السير ونظر إلى باي لينغ. في تلك اللحظة، بدت الفتاة الواقفة وسط الثلوج وكأنها لوحة خالدة، وانطبعت تلك الصورة في أعماق ذكرياته؛ الثلج الأبيض، وثوبها الأبيض، والفتاة النقية كبياض الثلج، وهمساتها الهادئة.
كانت باي لينغ جميلة إلى حد لا يوصف. استقرت بضع رقاقات من الثلج على رموشها المرتجفة. واصل سو مينغ التحديق فيها، وشعر وكأن العالم كله قد اختفى، ولم يبقَ فيه سواهما.
وبعد فترة، عندما احمرّ وجه باي لينغ شيئًا فشيئًا تحت نظراته، رفع يده اليمنى، وخلع القلادة الأنيقة المعلقة حول عنقه. ثم نزع الناب الأبيض المعلق بها، والذي كان بحجم إصبعه الصغير، وقدمه إليها.
كان الناب أبيض ناصعًا، منحنياً على شكل هلال، وقد نُقشت عليه كلمتان… اسم سو مينغ. وكان يشع بهالة شرسة.
“أعطاني الشيخ هذا الناب عندما خضعت لصحوة البيرسيركر الأولى، وأنا في السابعة من عمري. إنه أعز ما أملك… وأريد أن أهديه إليك.”
ابتسم سو مينغ، لكن التوتر كان واضحًا عليه. ففي قبائلهم، كان تقديم مثل هذا الشيء يحمل معنى خاصًا.
عضّت باي لينغ شفتيها برفق. ازداد احمرار وجهها، وتسارعت دقات قلبها حتى بدا وكأنها لا تسمع سواها. واختفى كل شيء من أمام عينيها، ولم يبقَ سوى سو مينغ.
وبعد فترة طويلة، رفعت يدها البيضاء ببطء، وأخذت الناب. وما إن لامسته حتى ارتجفت أصابعها قليلًا، ثم احتضنته برفق بين كفيها.
كان سو مينغ متوترًا. وعندما رأى أنها تكتفي بالنظر إلى الناب، دون أن تفعل أي شيء آخر، حكّ رأسه بحرج، فتساقطت بعض رقاقات الثلج من شعره.
ألقت باي لينغ نظرة إليه، وما إن رأت تصرفه حتى غطت فمها وضحكت. كانت عيناها تلمعان بمكر لطيف، وبدفء قادر على إذابة قلوب الآخرين.
“هذا… أمم… ألا تشعرين أنك نسيتِ شيئًا؟”
احمر وجه سو مينغ بمجرد أن ضحكت عليه.
“وما هو؟”
استمرت باي لينغ في الابتسام. كانت ابتسامتها وسط الثلوج المتطايرة مشهدًا لا يُنسى.
ازداد وجه سو مينغ احمرارًا، لكنه سرعان ما شد على أسنانه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إليها بجدية.
“باي لينغ… أنا منقذك… أنا…”
“أعرف أنك منقذي، لكن ما علاقة ذلك بأنني نسيت شيئًا؟”
رمشت باي لينغ بعينيها وهي تسأله.
“بالطبع له علاقة! أرغ… دعينا ننسى الأمر. إيه؟ ذلك القرط العظمي جميل حقًا، دعيني ألقي نظرة عليه.”
أدار سو مينغ وجهه بسرعة، وغيّر الموضوع على الفور.
ازدادت ابتسامة باي لينغ اتساعًا، وازداد معها بريق المكر في عينيها. رفعت يدها ولمست القرط العظمي الأبيض المعلق في أذنها اليسرى وهي تنظر إليه.
“لقد تركت أمي هذا لي… لن أعطيك إياه.”
ضحكت عندما رأت اتساع عيني سو مينغ. وما إن بدا وكأنه على وشك انتزاعه، حتى استدارت وركضت إلى الخلف، بينما ترددت ضحكاتها الرنانة في المكان كأجراس فضية.
ومع أنها قالت ذلك، فإنها كانت لا تزال تقبض بإحكام على الناب الذي أهداه لها سو مينغ، كما لو كان كنزًا لا يقدر بثمن.
شعر سو مينغ بالعجز والانزعاج، فأسرع يطاردها. وتعالت ضحكاتهما وسط الثلوج. وفي النهاية، لم تعطِه باي لينغ القرط العظمي، لكن سو مينغ، بسذاجته، شعر بالدفء الكامن في نظراتها الحنونة.
تعبت باي لينغ في النهاية، فجلست فوق الثلج. رفعت رأسها نحو السماء، ونظرت إلى الثلوج المتساقطة، ثم سألت بصوت هادئ:“سو مينغ… ماذا سنكون بعد عشر سنوات؟… هل سنبقى سعداء كما نحن الآن؟…”
وضع سو مينغ يديه خلف رأسه، واستلقى بجانبها. كان الثلج ناعمًا للغاية. نظر هو الآخر إلى السماء، وهو يستمع إلى كلماتها.
“أما زلت غاضبًا؟”
أدارت باي لينغ رأسها إليه، ونظرت إليه بابتسامة، بينما كانت عيناها الجميلتان تتلألآن.
“لا تغضب.”
“أنا لست غاضبًا.”
قالها سو مينغ بسرعة، لكن عندما رأى نظرتها إليه، ارتسمت ابتسامة على وجهه.
“بعد عشر سنوات، سنكون بالتأكيد سعداء كما نحن الآن… وبحلول ذلك الوقت، سيكون مستوى تدريبي قد ارتفع كثيرًا!”
امتلأت عيناه بالتطلع.
“أخبرني الشيخ البارحة أنني سأبقى في قبيلة تيار الرياح مستقبلًا، وسأتلقى الإرشاد نفسه الذي يتلقاه يي وانغ من شيخ قبيلة تيار الرياح… وربما، بعد عشر سنوات، سأكون قريبًا من عالم الصحوة.”
ضحك سو مينغ بخفة.
وعندما استمعت باي لينغ إلى كلماته، امتلأت عيناها بالتطلع أيضًا. ارتسمت على وجهها ابتسامة سعيدة، واستمرت في الحديث معه طوال تلك الليلة الثلجية، وكأن أحاديثهما لن تنتهي أبدًا.
لكن الأوقات الجميلة كانت تنتهي دائمًا بسرعة. ورغم أن الوقت مر ببطء، فإنه لم يبقَ سوى وقت قصير على بزوغ الفجر، وكان لا بد لتلك اللحظات أن تنتهي. كان على باي لينغ أن تعود إلى مساكن قبيلتها، فعاد الاثنان إلى أطراف مدينة الطين.
“سأوصلك.”
قرفص سو مينغ على الأرض، وأشار إليها أن تصعد إلى ظهره.
ابتسمت باي لينغ بسعادة، وصعدت إلى ظهره مطيعة. شعرت بنبضات قلبه المنتظمة، فازداد احمرار وجنتيها.
“إنك أحمق حقًا…”
همست بصوت رقيق وهي تستلقي على ظهره، بينما كان يركض.
واصل سو مينغ الركض وسط العاصفة الثلجية، وباي لينغ على ظهره. قفز فوق جزء بعيد من سور مدينة الطين، ثم غيّر مظهره مرة أخرى إلى هيئة مو سو. ولم يتوقف إلا أمام مساكن قبيلة التنين المظلم، حيث نزلت باي لينغ من على ظهره، وفي عينيها لمحة من التردد.
نظرت إلى الصبي الواقف أمامها. قد يكون وجهه غريبًا عنها، لكنها لم تكن لتنسى عينيه أبدًا.
أما سو مينغ، فكان ينظر إليها أيضًا. وقف الاثنان وسط الشارع المغطى بالثلوج، يتبادلان النظرات بصمت.
“هيا، لا تغضب بعد الآن.”
رفعت باي لينغ يدها، وكما فعلت في المرة السابقة عند وداعهما، رتبت ملابس سو مينغ، وأزالت عنه بعض رقاقات الثلج، بينما تعلو وجهها ابتسامة لطيفة.
ضحك سو مينغ وقال:“تلك الأقراط العظمية جميلة حقًا.”
عندما رأت باي لينغ تصرفه بهذه الطريقة، انفجرت ضاحكة. وبينما كانت تضحك، نظرت إليه بعمق. ازداد الخجل وضوحًا على وجهها الرقيق، ثم خفضت رأسها ببطء.
“سو مينغ… بعد سبعة أيام سيكون يومًا مهمًا بالنسبة لي… في الماضي، كنت أقضي ذلك اليوم دائمًا مع جدتي… أما هذا العام، فأريد أن أقضيه معك… حسنًا؟”
قالت باي لينغ ذلك بعد أن جمعت كل شجاعتها. كان صوتها خافتًا، لكن سو مينغ سمع كل كلمة قالتها بوضوح. امتلأت عيناه بالسعادة، وأومأ برأسه بقوة، دون أن يحيد بنظره عنها.
“إنه وعد…”ابتسمت باي لينغ بخجل وهي تنظر إلى عيني سو مينغ.
“إنه وعد. بعد سبعة أيام، مهما كنت، ومهما كنت أفعل، سأعود بالتأكيد لأجدك…”قال سو مينغ ذلك بنبرة حاسمة، وكأنه يقسم على الوفاء بوعده.
استمرت الثلوج في الهطول من السماء، وكأنها شاهدة على الوعد الذي قطعه الاثنان. لكن لم يكن أحد يعلم ما إذا كان ذلك الوعد… سيصبح ذكرى جميلة… أم تنهدًا مؤلمًا.
“سأنتظرك في القبيلة في ذلك اليوم بالتأكيد… وعندها سأعطيك القرط العظمي…”
همست باي لينغ بذلك، وهي تلمس قرطها العظمي، وقد احمرّت أذناها أيضًا.
“سآتي بالتأكيد!” ابتسم سو مينغ ابتسامة غمرتها سعادة لا توصف.
عضّت باي لينغ شفتها برفق. ظل الخجل ظاهرًا على وجهها، ثم استدارت وسارت نحو مساكن قبيلتها. وعندما فتحت باب الفناء ودخلت، التفتت إلى الخلف، ونظرت إلى سو مينغ للحظة، قبل أن تختفي داخل المساكن.
ظل سو مينغ واقفًا في مكانه، وقلبه يغمره الفرح. كما امتلأ بالتطلع إلى الموعد الذي قطعه مع باي لينغ بعد سبعة أيام.
“سبعة أيام…”
ابتسم سو مينغ بسعادة، ثم استدار وانطلق راكضًا وسط العاصفة الثلجية، عائدًا إلى مساكن قبيلة الجبل المظلم.
وبدا وكأن الثلوج تشاركه فرحته، إذ راحت تتراقص من حوله. وكانت الرياح ترفع الثلوج المتراكمة على الأرض، فتختلط بالثلوج المتساقطة من السماء، حتى بدا كل شيء بين السماء والأرض مغمورًا باللون الأبيض.
ركض سو مينغ بسرعة. تحولت السعادة التي تملأ قلبه إلى دفء انتشر في أنحاء جسده، فأنسته جميع همومه وقلقه. وبعد وقت قصير، وصل إلى مساكن قبيلة الجبل المظلم.
وقبل أن يدخل، عاد إلى مظهره الأصلي. نظر إلى مساكن قبيلة الجبل المظلم في تلك الليلة الثلجية، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم سار نحوها بخطوات مفعمة بالبهجة.
كان المكان هادئًا للغاية. ورغم أن الوقت كان ليلًا، فإن انعكاس الضوء على الثلوج جعل الليل يتوهج ببريق فضي، فلم يكن الظلام دامسًا. وسط العاصفة الثلجية، كان باب مساكن قبيلة الجبل المظلم مغلقًا بإحكام، وكأن شعورًا خانقًا ينبعث من الداخل.
ما إن اقترب سو مينغ حتى شعر بذلك.
وعندما فتح الباب ورأى المشهد داخل الفناء، ارتجف جسده بعنف.
اختفت السعادة من قلبه في لحظة، وحل محلها الذعر.
كان جميع الحاضرين مجتمعين في الفناء؛ رئيس الحرس، وشان هين، وبي لينغ، ولي تشين، و وولا. كانت وجوههم شاحبة، وقد ارتسمت عليها درجات متفاوتة من الذعر والقلق.
وأمامهم، كان الشيخ جالسًا متربعًا، وقد شحب وجهه وهو يلهث بعنف. وعلى الثلج أمامه، امتدت بركة من الدم الأسود، صبغت الثلج الأبيض بلونها القاتم.
وفي اللحظة التي فتح فيها سو مينغ الباب، اتجهت جميع الأنظار إليه.
“الشيخ!”
أصبح عقل سو مينغ فارغًا. اندفع بجنون نحو الشيخ، حتى وصل إليه في لحظة.
ولأول مرة في حياته، رأى ذلك الضعف على وجه الشيخ الحكيم.
وكانت بقع من الدم الأسود قد لطخت ثياب الشيخ.
ارتجف سو مينغ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
——————–
ملاحظة المترجم
من هنا سيأخذ تصنيف "مأساة" دوره داخل الرواية،
شدوا أحزمتكم أعزائي القراء…
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.