الفصل 74: هل هو...؟
الفصل 74: هل هو…؟
في اللحظة التي لامس فيها الدم الأخضر منتصف حاجبيه، شعر سو مينغ على الفور بحضور قوي؛ حضورٍ مفعم بالموت، وكأن أصوات أنين لا حصر لها تتردد داخل رأسه. وفي تلك اللحظة، بدا أن الدم الأخضر قد دبت فيه الحياة مجددًا، وأراد المقاومة بين يدي سو مينغ والاندفاع نحو منتصف حاجبيه لاختراق جسده.
ضاقت عينا سو مينغ بحزم، فدارت طاقة التشي في جسده وبددت على الفور هالة الموت الصادرة من الدم، ومنعت الدم الأخضر من التسلل إلى جسده. أمسك سو مينغ بكرة الدم بيده اليمنى وأبعدها عن منتصف حاجبيه. وفي اللحظة التي ابتعدت فيها، ظهرت نظرة اندهاش في عينيه.
‘يبدو أن هذا الشيء قد صُنع باستخدام فن بيرسيركر خاص. إنه بالغ الأهمية للممارس، أما بالنسبة لمن لا يمارسونه، فلن يجلب لهم سوى الضرر.’
ظل سو مينغ صامتًا وهو يغرق في أفكاره ويتخذ قراره. ومن خلال ربطه بين حالة وو سين الضعيفة وفقدان هذا الدم، ارتفعت ترجيحات نظريته بنسبة ثلاثين بالمئة إضافية فوق الخمسين بالمئة الأولى. قد لا يكون متأكدًا تمامًا، لكن نسبة ثمانين بالمئة كانت كافية بالنسبة له.
وفي الحقيقة، كان تخمينه صحيحًا. فلو أن أي شخص آخر حاول امتصاص دم الجثث بالقوة، لتسبب ذلك له في إصابات داخلية. وحتى لو كان هناك نفع يُرجى منه، فإن الموازنة بين المكاسب والخسائر تجعل الضرر أكبر بكثير.
أعاد سو مينغ الدم إلى الزجاجة، ثم رفع يده اليمنى نحوها. وفي الحال، ظهر شعاع من ضوء القمر وانعقد على هيئة سلاسل أحاطت بالزجاجة. وضع الزجاجة في جيبه، ثم وقف وغادر الغرفة.
لم يكن القمر في السماء هلالًا، بل كان يبدو شبه مكتمل، ولم يكن يفصله عن البدر الكامل سوى أيام قليلة.
أخذ سو مينغ نفسًا عميقًا، وعادت الفكرة لتراوده مجددًا، بينما لمعت عيناه للحظة. خرج من المنزل في منتصف الليل، وكان الهدوء يخيم على المنطقة دون أي صوت يُذكر.
وفور خروجه من مقر إقامة قبيلة الجبل المظلم في أرض قبيلة تيار الرياح، اهتز قلب سو مينغ؛ إذ جاءه صوت بارد من خلفه:
“الوقت متأخر… إلى أين أنت ذاهب؟”
توقف سو مينغ واستدار، فرأى رجلًا يخرج من بين ظلال البوابة الكبيرة. كان مظهر الرجل عاديًا، لكن عينيه الضيقتين كانتا تحملان بريقًا باردًا. إنه شان هين، من قبيلة الجبل المظلم!
“تحياتي، يا قائد الصيادين.”
ظل وجه سو مينغ جامدًا وخاليًا من التعابير، وهو يراقب شان هين يتقدم نحوه.
“لقد سألتك سؤالًا.”
تقدم شان هين ببطء حتى وقف على بُعد عشرة أقدام من سو مينغ، ورمقه بنظرة باردة.
“سمعت من بي لينغ أن مدينة تيار الرياح تعج بالحياة ليلًا، لذلك أردت إلقاء نظرة.”
كان سو مينغ متأهبًا، وقد ارتسم الخوف على وجهه وهو يتحدث بسرعة.
أطال شان هين النظر إلى سو مينغ، ثم اكتفى بالإيماء برأسه ببطء.
وقال شان هين بنبرة هادئة:“الأوضاع ليست آمنة تمامًا في الليل. لا تتسبب في أي مشاكل، وعد سريعًا.”
لقد كان قائد الصيادين في القبيلة، ومحارب بيرسيركر قويًا اختير لمرافقة الشيخ في هذه الرحلة، وكانت حماية أفراد القبيلة من مسؤولياته، لذلك كان من الطبيعي أن يقول ذلك.
أومأ سو مينغ موافقًا، وبعد أن أدى التحية لشان هين، تراجع بضع خطوات ببطء قبل أن يستدير ويمضي بعيدًا، مع شعوره بأن شان هين لا يزال يتابع ظهره بنظراته.
ولم يكد يبتعد بضع خطوات حتى اقشعر بدنه فجأة، وشعر بضغط هائل يقع عليه؛ ضغط يُنذر بالخطر ويصرخ في داخله بأن هناك من يستهدفه.
وكادت طاقة التشي في جسده تخرج عن السيطرة، لتبدأ بالتدفق تلقائيًا لمقاومة هذا الضغط. أدرك سو مينغ أن هذا رد فعل غريزي يخص محاربي البيرسيركر؛ فبسبب التشي المتدفق في أجسادهم، إذا تعرضوا لضغط أو هجوم مفاجئ، يصبح من الصعب عليهم إخفاء طاقتهم، لأن أجسادهم تقاوم تلقائيًا.
ولو كان فردًا عاديًا من أفراد القبيلة، لما شعر بذلك الضغط الهائل، بل إن البيرسيركر وحدهم هم من يدركون هذا الضغط بوضوح. كانت هذه حيلة واختبارًا لمعرفة ما إذا كان الأشخاص المحيطون يخفون قوتهم الحقيقية، لكن هذه التقنية لا تنجح إلا إذا استخدمها بيرسيركر في مستويات عليا من عالم تكثيف الدم ضد من هم أدنى منه مستوى.
كانت قوة شان هين تفوق قوة سو مينغ بكثير، ولو استُخدم هذا الضغط المفاجئ عليه قبل أن يتجاوز الاختبار، لما استطاع مقاومته. ومع ذلك، لم يكن ذلك ليشير إلى شيء مريب، لأن الشيخ كان قد ألقى عليه فنًا خفيًا لإخفاء طاقة التشي الخاصة به. وحتى لو ثارت طاقته بقوة، فلن يلاحظها أحد.
لكن شان هين استهان بسو مينغ، أو بالأحرى، لم يسبق له أن أولاه اهتمامًا جديًا، ولذلك لم يكن يفهمه حق الفهم. ففي اللحظة التي داهمه فيها شعور الخطر، لم يتوقف سو مينغ، بل واصل السير بخطوات سريعة، وكأنه لا يشعر بشيء على الإطلاق، حتى تلاشى تدريجيًا في ظلام الليل.
وبعد مغادرة سو مينغ، ارتسم التجهم على وجه شان هين تدريجيًا، لكنه لم يمكث طويلًا، بل استدار وعاد إلى مقر القبيلة.
لم تكن تصرفاته تتجاوز الحدود، وحتى لو أقدم عليها أمام الشيخ، فلن يسيء أحد الظن به. بل في الواقع، وبما أنه فعل ذلك علنًا ومباشرة، فسيظن الجميع أنه كان يختبر سو مينغ فقط بسبب شكوكه تجاهه.
حافظ سو مينغ على هدوء خطواته حتى ابتعد تمامًا عن مساكن القبيلة، ثم لم يتمكن من كبح نفسه، فركض بضع خطوات متسارعة، بينما كان قلبه يخفق بشدة في صدره. فمن خلال الشعور الذي انتابه أثناء تدقيق شان هين فيه، أدرك سو مينغ هوية مراقبه الخفي الغامض الذي كان يشعر بوجوده طوال الأيام الماضية أثناء التأمل!
‘إنه هو!’
قطب سو مينغ حاجبيه، وتذكر كلام الشيخ عن وجود خائن داخل القبيلة. وحتى لو لم يخض الشيخ في التفاصيل، كان بوسع سو مينغ إدراك مدى خطورة الأمر.
‘هل هو…؟’
ساورت الشكوك عقل سو مينغ؛ فمكانة قائد الصيادين كانت مرموقة للغاية، ويتمتع بسلطة واسعة داخل القبيلة؛ إذ يترأس جميع البيرسيركر في فرق الصيد، وتُلقى على عاتقه مسؤولية قيادتهم للبحث عن الطعام والغذاء.
وفي ذكريات سو مينغ، قدم شان هين الكثير للقبيلة على مر السنين. ورغم أنه قد يبدو رجلًا باردًا وغير مبالٍ، فإن سو مينغ لا يزال يتذكر لحظات رآه فيها يسير بجمود داخل القبيلة، وهو يوزع الألعاب على أطفالها.
كما أنه صعد الجبال ذات مرة، وأحضر كمية كبيرة من أنياب الوحوش لأن أطفال القبيلة كانوا يحبونها. وحتى عندما وزعها على لا سو بمظهره البارد المعتاد، استطاع سو مينغ أن يلمح في تصرفه لمسةً من الدفء واللطف.
بل إن سو مينغ يتذكر أنه، في أحد سنوات الشتاء القارسة، تعرض بعض صيادي القبيلة لكمين من قبيلة الجبل الأسود، فنجا بعضهم بجراح بالغة، بينما قُتل أحدهم. يومها، غادر شان هين القبيلة بمفرده ووجهه جامد، ثم عاد في اليوم التالي يحمل في يده رؤوس ثلاثة من أفراد قبيلة الجبل الأسود.
ولولا الهيبة والقوة المرعبة التي كان يتمتع بها الشيخ في ذلك الوقت، لكان تصرفه ذاك قد أشعل فتيل الحرب مع قبيلة الجبل الأسود.
تزاحمت مشاهد الماضي في ذهن سو مينغ، ولم يجد سببًا واحدًا يدفع شان هين إلى الخيانة. بالنسبة له، كان من المستحيل أن يخون قائد الصيادين القبيلة…
‘ربما… أنا أبالغ في التفكير.’
واصل سو مينغ التفكير في صمت، ثم تنهد تنهيدة خفيفة، وتابع السير بهدوء. وبالتدريج، بدأت ملامحه تتغير، وازدادت بنية جسده قوة، حتى تبدلت ملابسه أيضًا. وفي غضون لحظات، وما إن خرج من بين الظلال، حتى تحول إلى مو سو الغامض، الذي أصبح اسمه يتردد في جميع أنحاء مدينة تيار الرياح!
انطلق سو مينغ بسرعة خاطفة نحو أعماق مدينة تيار الرياح.
كان العثور على منزل وو سين أمرًا في غاية السهولة. فبعد أن تحول سو مينغ إلى هيئة مو سو، لم يحتج سوى إلى سؤال عابر حتى عرف مكان إقامته. وإضافة إلى ذلك، ورغم أن اسمه كان قد ذاع في أرجاء المدينة، فإن بضعة مئات فقط هم من رأوا وجهه الحقيقي، لذلك لم يلفت انتباه أحد.
حتى فرد قبيلة تيار الرياح الذي دله على مكان وو سين لم يكن يعلم أن الشخص الواقف أمامه هو مو سو نفسه، الذي حافظ على تواضعه حتى أذهل الجميع!
أما سبب إخباره بمكان وو سين، فلأن سو مينغ قدم له إحدى العملات الحجرية القليلة المتبقية معه. فضلًا عن أن أبناء قبيلة تيار الرياح اعتادوا هذا الأمر خلال الأيام الماضية، إذ كانوا يعلمون أن أعدادًا كبيرة من الغرباء يتنافسون على مقابلة عباقرة مدينة تيار الرياح.
ورغم كثرة الراغبين في لقائهم، فإن من حظوا بهذه الفرصة كانوا قلة.
كان وو سين يقيم في منزل يقع في الركن الشرقي من المدينة الطينية. وتميز المكان بهدوئه الشديد، لا سيما في سكون الليل، حيث اكتسى بظلام دامس، لم تبدده سوى مصابيح قليلة متناثرة تبعث ضوءًا شاحبًا. ولم يكن بمقدور سو مينغ تمييز معالم المنازل إلا بمساعدة ضوء القمر.
ومن بين تلك المنازل الطينية، برز منزل واسع المساحة، ومنعزل نسبيًا عن بقية البيوت، وكان ذلك مسكن وو سين.
وبصفته أحد عباقرة قبيلة تيار الرياح، كانت مكانة وو سين رفيعة للغاية، ومن الطبيعي أن يكون مسكنه مميزًا. فقد ضم فناء منزله أربعة بيوت، مما أضفى على المكان شعورًا بالسكون والغرابة في وحشة الليل.
كان الفناء واسعًا، لكنه بدا مهجورًا ومهملًا، قاحلًا وساكنًا كالمقابر تحت ضوء القمر.
وظلت البيوت الأربعة غارقة في الظلام، وكأنها خالية من أي ساكن. ولم يكن الحال كذلك في الماضي، إذ كان أتباع وو سين يتوافدون إلى هذا المكان في جميع الأوقات، لإظهار تفرده ومكانته الرفيعة.
أما الآن، فلم يعد لهم أي أثر. ولم يكن يُعلم ما إذا كان هؤلاء الأتباع قد تفرقوا بسبب تراجع مكانته، أم أن وو سين نفسه طردهم جميعًا خشية أن يكتشف أحد مظاهر ضعفه.
وقف سو مينغ على بعد مئات الأقدام من الفناء، وظل صامتًا، بينما امتد ظله تحت ضوء القمر حتى بدا وكأنه يندمج مع الظلام المحيط به.
رمق الفناء بنظرة فاحصة، وبعد فترة من الصمت، تقدم بخطوات هادئة حتى بلغ بابه. ودون أي تردد، دفعه ليفتحه، فانبعث من الباب الخشبي صرير اخترق السكون المخيم على المكان.
ساد الصمت البيوت الأربعة، وكأن أحدًا لم يشعر بدخوله، حتى بدا المكان خاليًا من البشر.
غير أن سو مينغ، أثناء وقوفه خارج المنزل، استشعر تدفق طاقة التشي ينبعث من المنزل الثاني. ومن شدة تلك الطاقة، استنتج أن صاحبها يقارب المستوى الخامس من عالم تكثيف الدم. وربما كانت طاقته أضعف قليلًا مما شعر به عند لقائه السابق بوو سين، لكن عند التأمل في الأمر، بدا أن حالة وو سين كانت تزداد ضعفًا مع مرور الوقت، وهو ما يفسر هذا التراجع بصورة منطقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.