الفصل 64: إختبار القلب!
الفصل 64: إختبار القلب!
تعلق القمر في السماء، وفي ذلك اليوم كان القمر مختلفًا قليلاً عن الليالي الأخرى؛ إذ لم تكن هناك غيوم، مما جعل القمر يظهر ساطعًا بدرجة لا تصدق، وسقط ضوؤه على الأرض وكأنه يسدل ستارة ناعمة بين السماء والأرض.
قد يبدو المشهد جميلًا من مسافة بعيدة، ولكن من داخل الجبل الضخم —حيث لامست القمة السماء وكانت غير مرئية للعين— تحول ضوء القمر إلى شيء مرعب!
تحت ضوء القمر، أصبح الضغط على الجبل ينفجر باستمرار بسرعة مرعبة، وتحول إلى إعصار غير مرئي شوّه قمة الجبل بأكملها، وأجبر جميع مَن في الداخل على رؤية الفوضى من حولهم دون الحاجة حتى إلى رفع رؤوسهم.
إنه منتصف الليل؛ الوقت الذي يكون فيه ضوء القمر في أوج قوته، والوقت الذي يبلغ فيه الضغط على الجبل ذروته! لو لم يكن هناك ضباب على الجبل، ولو رفع أي شخص رأسه ونظر من بعيد نحوه، لتمكن من رؤية سو مينغ والشخصين الآخرين وكأنهم يقفون في أعالي السماء… لو رفع يديه لكاد يلمسها!
بدا وأن أولئك الذين واصلوا الصعود إلى ما فوق
الـ 500 درجة قد دخلوا السماء بالفعل، وكان الأمر كذلك بالنسبة لـ "يي وانغ". لم يكن يعرف ما يحدث في الخارج، ولم يكن يعلم أن هناك ثلاثة أشخاص آخرين يقاتلون خلفه بكل قوتهم، وكان كل ما يهتم به هو السير ببطء في طريقه، خطوة بخطوة، وهو يلهث بشدة.
“اليوم سأصل إلى الخطوة 803!”
ضغط يي وانغ على أسنانه وسار إلى الأمام بعينين مملوءتين بفخر مشتعل، بدا وكأنه قادر على إحراق كل من ينظر إلى عينيه.
لا يمكن لأحد أن يخطو أكثر من اثنتي عشرة خطوة على الدرج إن لم يمتلك الإصرار تحت هذا الضغط. كان "بي سو" صامدًا، لكن إصراره كان يشوبه انعدام الثقة؛ وإلا لما احتاج إلى النظر إلى الترتيب على اللوحة التي بين يديه مع كل خطوة يخطوها.
“556، 557… تَبًّا! لقد تجاوزني تشين تشونغ، إنه في الخطوة 558!”
كان بي سو منزعجًا؛ فضغط على أسنانه واتخذ خطوة أخرى، ولكن في اللحظة التي فعل فيها ذلك، ارتجف جسده بالكامل، وسمع هديرًا خافتًا قادمًا من قمة الجبل.
لم يكن هذا الزئير لإنسان بالتأكيد، بل كان لوحش!
ومع تردُّد صدى هذا الهدير في الهواء، ارتعد بي سو وشعر بألم حاد في صدره، ثم سعل كمية من الدم. ترنّح جسده، وكاد يسقط على جانبه فاقدًا للوعي.
كان وجهه شاحبًا، وفي تلك اللحظة شعر وكأن الجبل بأكمله قد تحول إلى وحش غامض لا يمكن تحديد هيئته.
وشعر "تشين تشونغ" بذلك أيضًا؛ إذ كان يقف عند الخطوة 558 وعزم على اتخاذ خطوة أخرى إلى الأمام، حين اهتز جسده بالكامل بقوة. رفع رأسه فجأة وكانت عيناه محمرتين بالدماء، والدم يتدفق من طرف فمه.
كان "سو مينغ" يتصبب عرقًا، لكن شرارة العزيمة في عينيه لم تضعف، بل ازدادت قوة. واصل تسلق الجبل خطوة بخطوة: 548، 549… حتى وقف عند الخطوة 557، وهو أيضًا سمع ذلك الهدير الخافت.
بدا هذا الزئير ممتلئًا بالغضب الموجه نحو السماء وهو يندفع نحوه. وفي اللحظة التي وصل فيها إلى سو مينغ، تجمد في مكانه، وانتابه ألم حاد في صدره ثم سعل كمية من الدم. كان ذلك الهدير الصاخب يحمل ضغطًا هائلًا، وكأنه يريد إجبار كل من يسمعه على الخضوع له.
ولكن في هذه اللحظة، لطخ دمه الأحمر الأرض أمامه، ولمع انعكاس القمر الأحمر الدموي في عيني سو مينغ بشكل أشد وأقوى!
لم يستسلم!
رفع سو مينغ رأسه بشكل غريزي ونظر إلى قمة الجبل وأطلق زئيرًا صاخبًا. كان صوته أشبه بدوي الرعد وهو يتردد في الأرجاء، وبدت النار المشتعلة في عينيه وكأنها على وشك الانفجار وهو يرفع ساقه اليمنى ويندفع بقوة نحو الخطوة 558.
في اللحظة التي استقرت فيها قدمه، ارتجف سو مينغ وظهرت الأوردة بارزة على جلده، حيث انتشرت خطوط الدم في جميع أنحاء جسده. وأظهرت الخطوط الحمراء والزرقاء المتقاطعة على جسده أنه كان يعاني من ألم لا يوصف، لكنه لم يستسلم!
كاد يصل إلى الخطوة 563، حيث سيصل إلى مرحلة التحكم الدقيق. لم يرد التخلي عن هذه الفرصة، والأهم من ذلك أنه لم يرد تخييب ظن الشيخ به. إن كان عليه اتخاذ خطوة، فلن يسمح لنفسه بالندم على قراره الآن أو للأبد!
كل ما أراده هو ألا يندم؛ سيبذل قصارى جهده ويقاتل حتى لا يساوره الندم!
559، 560، 561! اتخذ سو مينغ ثلاث خطوات أخرى. ومع كل خطوة يخطوها، كان يشعر بجسده يرتجف بشدة، ويصدر صرخات ألم تصرخ بأنه لم يعد قادرًا على الاستمرار. كان الأمر وكأن لحمه وعظامه على وشك أن تُسحق. كان هذا النوع من الألم فوق احتمال فتى مراهق لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
‘خطوتان بعد… خطوتان بعد!’ صرخ سو مينغ في قلبه.
ظل يكرر لنفسه أنه يجب عليه الوصول إلى الدرجة 563!
زأر سو مينغ مرة أخرى، ورفع قدمه ليتخذ خطوة أخرى! وفي اللحظة التي وضع فيها قدمه على الأرض، شعر وكأن الأرض والجبل يتحركان ويهتزان. ومع ذلك، كان يعلم يقينًا أن الأرض لم تتحرك والجبل لم يهتز، بل كان جسده هو الذي يرتجف.
جعل هذا الشعور بأن الأرض والجبل يتحركان وجه سو مينغ شاحبًا خاليًا من اللون على الفور. رفع رأسه ونظر إلى السماء، فبدت وكأنها تبتعد عنه تدريجيًا وكأن السماء نفسها تتحرك أمام عينيه. وفي تلك اللحظة، بدا وكأن الوقت قد تباطأ.
استطاع سو مينغ أن يشعر بأن جسده يسقط ببطء… الأرض لم تتحرك، والجبل لم يهتز، بل إن جسده هو من وصل إلى أقصى حدوده وبدأ يتراجع إلى الخلف ببطء.
‘الخطوة 562 هي الاختبار…’
ظهرت ابتسامة مريرة على شفتي سو مينغ.
‘الأرض لا تتحرك، والجبل لا يهتز… وحتى لو تحركتُ أنا، فلن يتغير شيء من هذا…’
“أيها الشيخ، لماذا حين أركض تبدو الأشجار من حولي وكأنها هي التي تتحرك للوراء؟ أنا لا أفهم… لا أعرف ما إذا كان جسدي هو الذي يتحرك أم أن الأشجار هي التي ترتد إلى الخلف، ما الذي يحدث؟” وبينما كان يشعر بالمرارة تجاه موقفه، طفت على ذهنه ذكرى لسؤاله هذا إلى الشيخ حين كان صغيرًا.
“عينَاك ستكذبان عليك يا لا سو… حين تكبر ستفهم؛ فما تراه قد لا يكون حقيقة، وربما تخدعك عيناك. انظر إلى تلك الشجرة، هل تتحرك حقًا؟ هل جسدك هو الذي يتحرك أم الشجرة هي التي تتحرك أم أنه… شيء آخر؟”
تذكر سو مينغ أنه كان مرتبكًا في ذلك الوقت ولم يستوعب كلمات الشيخ حين سمع الإجابة، ولكن الآن، وبمجرد استحضارها، أصيب بالذهول.
‘الذي يتغير ليس الأرض ولا الجبل… ولأن الجسد تحرك، بدا وكأن كل شيء يتحرك… لكن في الحقيقة، لم تتحرك الأرض ولم يتحرك الجبل… ما تحرك حقًا هو…’
اتسعت عينا سو مينغ، وشعر أنه قد أمسك بطرف خيط الفكرة.
‘ما تحرك هو عقلي!’
‘حين ركضتُ، تحرك جسدي لكن الأشجار لم تتحرك. ومع ذلك، فإن ما رأته عينَاي كان حركة الأشجار، وذلك لأن عقلي… كان عقلي مخدوعًا بعينَي، وكان ذهني هو الذي تحرك…’
‘حتى لو تحرك جسدي، فإن لم يتحرك ذهني… فلن تتحرك الأرض ولا الجبال ولا الأشجار ولا أي شيء! حتى جسدي قد يَنخدع… عيناي وجسدي، كل شيء يمكنه أن يخدع عقلي ويجعل الأمر يبدو وكأنني أتحرك…’
ارتعد سو مينغ، وبمجرد أن أدرك هذا المفهوم، دوّى هدير في رأسه، وكان شدة ذلك الزئير كافية لتجعله يشعر بدوار شديد. وعندما تلاشت الدوخة تدريجيًا، وقف سو مينغ هناك مذهولًا.
خفض رأسه ونظر إلى الدرجات تحت قدميه، ثم التفت إلى ما حوله. كان لا يزال واقفًا على الدرجات؛ قدمه اليمنى على الدرجة 562، وقدمه اليسرى على الدرجة 561.
في الواقع، لم يطرأ أي تغيير على موضع جسده قط!
رفع سو مينغ قدمه اليسرى بصمت وصعد بها إلى الدرجة 562. وبمجرد أن فعل ذلك، أخذ نفسًا عميقًا، لمعت عيناه بنظرة استبصار واستيعاب.
“فهمت… إن لم يتحرك ذهني، فلن يتحرك شيء! هذا هو المعنى الحقيقي للتحكم الدقيق…” تمتم سو مينغ وهو يخطو نحو الدرجة 563. وقف هناك وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه الشاحب، ثم جلس ببطء في وضعية التأمل، وبدأ أول تحكم دقيق حقيقي بعد أن أدرك الجوهر الكامن وراءه.
كانت هذه المرة مختلفة عن المرات الأربع السابقة؛ فقد كان يمارسه سابقًا بجهل، مكرسًا كل قوته للتحكم في سرعة تدفق "الـ تشي"، متكلًا على القوة الخارجية فحسب!
أما الآن وقد فهم أخيرًا، فقد أدرك أن التحكم الدقيق الحقيقي لا يعتمد على استخدام القوة الخارجية للتحكم في دوران الـ تشي، بل يعتمد على العقل!
لن يتحرك الـ تشي إلا إذا تحرك العقل، وإن بقي العقل ساكنًا، سيبقى الـ تشي ساكنًا أيضًا!
في الوقت نفسه الذي جلس فيه سو مينغ، أطلق "بي سو" زئيرًا محبطًا. ارتجفت ساقه اليمنى وظلت معلقة فوق الدرجة 562، ومهما حاول، لم يستطع إمرارها؛ فقد تملكته رغبة وشعور عارم بأنه لو وضع قدمه على تلك الدرجة، فلن يحتمل جسده الأمر. كان الشعور طاغيًا وواقعيًا إلى حد لم يترك له خيارًا سوى تصديقه، ليتوقف ببطء وتعبيرات الألم تعلو وجهه… فلم يجرؤ على المخاطرة!
أما "تشين تشونغ"، فارتسمت على وجهه ملامح جادة ونادرة بالنسبة له. وقف عند الدرجة 561 ونظر نحو الدرجة 562 وصمت لفترة، فقد سمع سابقًا بالأسطورة المتعلقة بهذه الدرجة…
وبعد لحظات، صر تشين تشونغ على أسنانه وسار نحوها. ولكن في اللحظة التي وطأت فيها قدمه الدرجة، تجمد جسده بالكامل ووقف مذهولًا بعينين فارغتين بلا حراك. مر الوقت، وبعد سبعة أنفاس، تقيأ تشين تشونغ كمية كبيرة من الدم وسقط بين الدرجتين 561 و562، عاجزًا في النهاية عن اجتياز اختبار القلب القابع في تلك الخطوة.
ومع ذلك، ومقارنة بـ "بي سو"، كان لدى تشين تشونغ القلب والعقل اللذان يمكن أن يجعلا منه بيرسيركر قويًا!
كانت الساحة تخيم عليها صمت مُطبق؛ فلا حديث ولا ضجة، وكان الجميع يتنفسون بسرعة وهم يشاهدون صفوف تماثيل النسور، وقد محت الصدمة التي سكنت قلوبهم كل فكرة في أذهانهم.
1: يي وانغ — الخطوة 803.
2: مو سو — الخطوة 563.
جذب هذان السطران كل انتباههم. كان "مو سو" مجرد اسم عادي لم يسمع به أحد قبل هذا الاختبار، أمّا الآن فقد أصبح اسمه ملء السمع والبصر!
مر الوقت تدريجيًا. كان مقدرًا لتلك الليلة أن تكون استثنائية، وأكثر روعة من الليلة السابقة؛ ليلة تخص شخصين على ذلك الجبل في خوض معركتهما الأخيرة!
لم يكن هناك من ينفد صبره في الساحة، وفي قلب ذلك الصمت المخيم، انتظر الجميع… انتظروا لحظة تحركهما! وحين انقضى منتصف الليل ولم يتبقَّ سوى وقت قصير على الفجر، تغير رقم الخطوة المكتوب إلى جوار اسم "مو سو" على تماثيل النسور التسعة!
لم يتغير الطقس ولم تهب الرياح بمجرد تحركه، ومع ذلك، في اللحظة التي خطا فيها، تحولت حركته إلى عاصفة هبّت في قلوب جميع الحاضرين!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.