الفصل 58: هل تصدقني؟!
الفصل 58: هل تصدقني؟!
بدأ سو مينغ يتحرك مرة أخرى؛ رفع قدمه ووضعها على الدرجة المائة. كان قد بقي عند الخطوة 99 لفترة قصيرة، لأنه في اللحظة التي برز فيها الوريد الدموي الثالث والخمسون، بدأت الـ "تشي" في جسده تدور بجنون واجتاحت جسده، وكان بحاجة إلى الاعتياد على البروز الانفجاري المفاجئ للوريد الدموي قبل أن يتمكن من المتابعة.
ففي النهاية، كان ظهور هذا الوريد الدموي يعني أنه حقق اختراقاً في مستواه، وليس مجرد ظهور عادي لوريد دموي جديد.
وما إن بدأ بالتحرك، حتى اندفع سو مينغ إلى الأمام فجأة، وبدا جسده وكأنه يستمر في امتصاص ضوء القمر وهو يتقدم بسرعة. وفي غمضة عين، وصل إلى الخطوة 115.
لم يتوقف، ومع شعوره بضغط الجبل المتزايد عليه، واصل سو مينغ اندفاعه للأمام: الخطوة 120… الخطوة 130… الخطوة 150… الخطوة 160!
وفي غضون بضعة أنفاس، قطع سو مينغ نحو 60 خطوة. وعندما وقف عند الخطوة 160، شعر فجأة بزيادة مفاجئة في ضغط الجبل، وكأن قوة مباغتة اندلعت وتضاعفت على جسده.
ومع ذلك، وفي تلك اللحظة بالذات، أحاط ضوء القمر الساطع بجسد سو مينغ بالكامل، مما جعل شعره المربوط يتطاير من تلقاء نفسه تحت ضوء القمر.
لكان الأمر عادياً لو أنه لم يتحرك، أما الآن وقد تحرك، فقد خيم صمت مطبق على نصف المتسابقين في الجبل والميدان بأكمله في الخارج!
ذُهلت وولا للحظات؛ فقد كانت قلقة بشأن ترتيبها، وشعرت في البداية بالإهانة والإحباط، لكنها الآن صُدمت وتلاشى ذلك الشعور المعقد تماماً، وأدركت أنها ليست في نفس مستوى ذلك الشخص. وإذا لم يكونا في المستوى نفسه، فلماذا تقارن نفسها به؟ فلو فعلت ذلك، ستحرج نفسها لا أكثر.
وقف لي تشين فجأة وحدق بذهول في اللوحة التي بين يديه. كان يحاول تخمين هوية الشخص المدعو "مو سو"، لكنه الآن بدأ يشك في تخمينه، ولم يعد واثقاً مما إذا كان ظنه في محلّه.
نظر بي لينغ بدهشة إلى اللوحة التي بين يديه بينما كان قلبه يخفق بشدة في صدره. وفي لحظة خاطفة، شعر وكأن قشعريرة سرت في عموده الفقري وهو يشاهد الشخص المدعو "مو سو" يتسلق 60 درجة في غضون بضعة أنفاس! كانت تلك السرعة لا تُصدق، حتى إنه نسي أن يتنفس من شدة الذهول.
كان يعتقد في البداية أن ذلك الشخص يحاول فقط لفت الأنظار، ولهذا السبب اختار الصعود ليلاً. ولكن عندما نظر إلى الأمر الآن، أدرك أن "مو سو" لم يكن يفعل ذلك لجذب الانتباه، بل كان يملك القدرة على فعل ذلك منذ البداية!
فلولا ذلك، لكان من المستحيل عليه صعود 60 خطوة في غضون أنفاس معدودة!
غرق الجبل بأكمله في صمت تام، وفي وسط هذا الصمت، أخذ تشين تشونغ يرمش بعينيه بسرعة. لم يكن يريد أن يشغل باله بذلك، لكن حدسه أخبره أن ذلك الشخص المدعو "مو سو" هو من تسبب في الزمجرة المفاجئة قبل قليل!
‘لا بد أنه هو… لا بد أنه هو! ولكن من عساه يكون؟ إنه ليس من قبيلة تيار الريح، هذا أمر مؤكد. أتساءل عما إذا كنت قد رأيته في الميدان قبل قليل.’
لم يكن تشين تشونغ يعلم أنه عندما كان في الميدان محاطاً بالناس، كان هناك شخص يبتسم ابتسامة خفيفة للغاية وهو يقف بين الحشود، محاولاً الاندماج مع دائرة أصدقائه بالضحك. كان مظهره عادياً جداً لدرجة أن أحداً لن يلاحظ وجوده.
كان ذلك الشخص ينظر إلى تشين تشونغ وهو يضحك ويحدث أصدقاءه والمحيطين به ممن يبجلونه كلياً، ويراقبه وهو يسير نحو باي لينغ…
وبينما كان تشين تشونغ غارقاً في أفكاره، اتسعت عينا بي سو وهو يجلس على الدرج الأقرب إلى سو مينغ، وكأنه يحاول الرؤية عبر الضباب والنظر إلى الشخص الذي يسير على الدرج الملاصق له مباشرة.
كان بي سو مختلفاً عن تشين تشونغ، فقد كان قريباً جداً، وكان بإمكانه التأكد تقريباً من أن الشخص المدعو "مو سو" قريب منه للغاية، ويقع خلفه مباشرة على الدرج الآخر المغطى بالضباب.
‘إنه عند الخطوة 160، وما زالت المسافة بيننا أكثر من الضعف. إنه لا يشكل أي خطورة عليّ! وإذا تمكن من الاقتراب مني، فما يزال هناك متسع من الوقت لكي انتبه لحظوره.’
وما إن فكر بي سو في ذلك حتى ابتسم بسخرية باردة وأغلق عينيه.
وعلى درج آخر في الجهة المقابلة من الجبل، حدق وو سين في التصنيف على اللوحة بوجه متجهم، وبقت نظراته قاتمة بشكل خاص وهو ينظر إلى اسمَي "بي سو" و"مو سو".
‘أنا في المركز الثاني عشر وعند الخطوة 295 فقط… لن أتمكن من الوصول إلى المراكز العشرة الأولى. أستطيع الشعور بأنني أصبحت أضعف… والشخص الذي سرق دمي لا بد أنه أحدهما!’
لم يكن وو سين غبياً، بل كان في الواقع ذكياً للغاية، وإلا لما استطاع الحفاظ على مكانة عالية نسبياً داخل القبيلة المليئة بالصراعات والمواجهات، ناهيك عن السيطرة على بي لينغ والآخرين.
‘بي سو!’
تجاوزت عينا وو سين اسم "مو سو" وحدق في اسم "بي سو" الذي احتل المرتبة الثانية في اللوحة، والشرار يتطاير من عينيه، ومع ذلك فإن الخوف والحذر ظل مختبئ في أعماق تلك النظرة الحادة.
لم يكن وو سين واثقاً من قدرته على استعادة دمه من شخص حقق المرتبة الثانية في هذا الاختبار…
وأصبح سي كونغ متوتراً، فقد كان تصرفه حتى تلك اللحظة يشبه ما فعلته وولا سابقاً. وعندما نظر إلى التصنيف ورأى اسم "مو سو" قد وصل إلى الخطوة 160، خفق قلبه بشدة خادشاً هدوءه، خشية أن يتجاوزه.
لم يكن الأمر ليكون مقلقاً لو كان في النهار، أما الآن والوقت ليل، فلم تكن لديه الشجاعة للمواصلة. فضلاً عن ذلك، فهو يحتل المرتبة 49 حالياً، وبمجرد أن يتجاوزه "مو سو"، سيتراجع إلى المركز الخمسين. قد يبدو التراجع مرتبة واحدة فارقاً بسيطاً، لكن القيمة والمكانة تختلف تماماً.
وإلى جانبهم، ظلت أعين جميع المشاركين في الاختبار تنظر نحو اسم "مو سو" على لوحاتهم.
وحده يي وانغ لم ينظر إلى اللوحة، وليس لأنه لا يعلم بما يجري، بل إنها طبيعته وشخصيته؛ وحتى لو علم، فلم يكن ليهتم بالأمر.
ومع ذلك، كان الميدان أكثر سكوناً حتى من صمت الجبل، وكأن أنفاس الحاضرين قد توقفت، فغرق المكان في صمت مطبق.
وكانت القوة التي حبست أنفاس الناس في الميدان هي الصدمة الناجمة عن ذلك الاسم الوحيد الذي أصبح محط أنظار الجميع في قائمة التصنيف على تماثيل النسور:
63: مو سو، الخطوة 160.
وبعد هذه القفزة المفاجئة في الدرجات، لم يعد المشاركون في الميدان يعتبرون "مو سو" مجرد تسلية لتمضية الوقت، بل أصبحوا يولون اسمه أهمية كبيرة؛ فالقفز 60 خطوة دفعة واحدة أثار الدهشة والذهول!
فلو كان ذلك خلال النهار لما صُدموا بهذا القدر، ولكن حدث هذا في الليل! والليل هو الوقت الذي يتضاعف فيه ضغط الجبل مقارنة بالنهار. واعتقد معظمهم أنه إن كان قادراً على صعود 60 خطوة في بضعة أنفاس أثناء الليل، فإن هذا العدد سيتضاعف عدة مرات في النهار!
ولم يكن هناك سوى القلة القليلة ممن يستطيعون فعل ما قام به مو سو بين جميع المشاركين في الاختبار!
“من عساه يكون هذا الشاب؟..”
“مو سو… مو سو… لقد قمت بالحسابات، انظروا! لقد صعد من الخطوة 99 إلى الخطوة 160 في أقل من عشرة أنفاس…! هذا… أمر غير معقول!”
“قفز ترتيبه من المركز 101 إلى المركز 63 في غمضة عين! هذا الشاب… لو كان يمتلك هذه القدرة ورفع كفاءته في النهار، لكان قد دخل ضمن أفضل 30 مركزاً بسهولة! فلماذا يفعل ذلك في الليل؟..”
وبعد فترة طويلة، عادت أصوات النقاش ترتفع تدريجياً داخل الميدان وازدادت صخباً مع مرور الوقت، حتى إن قادة القبائل الأخرى أصبحوا يتابعون التصنيف باهتمام.
ومع ذلك فإن المرأة العجوز من قبيلة التنين المظلم وزعيم قبيلة الجبل الأسود لم يعيرا الأمر أي اهتمام.
ولكن تلك الليلة كانت مختلفة بحق؛ فقد كان من المقدر أن ينصب الاهتمام بأكمله على شخص واحد — سو مينغ!
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي مو سانغ وهو ينظر إلى التصنيف المكتوب على تمثال النسر، وازداد ترقبه؛ فقد كان يعلم أن سو مينغ قد أدرك تماماً السر الكامن وراء الأرقام الستة.
أما جينغ نان فكان يقف هادئاً بجانب مو سانغ دون أن تبدو عليه أي تغيرات؛ فلو لم يكن قادراً على إخفاء مشاعره، لما وصل إلى ما هو عليه من قوة ومكانة.
“ليس سيئاً يا مو سانغ، لقد أحسنت تعليم الفتى الذي أحضرته معك. بصراحة، لطالما تملكني الفضول بشأن أصله وولادته…” ابتسم جينغ نان وهو يتطلع نحو مو سانغ.
“الفضول؟ هل تصدقني لو أخبرتك أنه أمير سلالة يو العظيمة؟” نظر مو سانغ إلى جينغ نان وابتسم وهو يتحدث. لم يستطع جينغ نان الجزم بما إذا كان كاذباً من ملامحه، وربما كان مو سانغ هو الوحيد الذي سيعرف سر ولادة سو مينغ إلى الأبد.
“لماذا لا تقول إنه ابن سامي البيرسيركر إذن؟ هذا مثير للاهتمام، كم هو مثير للاهتمام!” ذهل جينغ نان للحظات، ثم ضحك بصوت عالٍ.
“ربما يكون كذلك.” ابتسم مو سانغ وهو يتحدث.
ضحك جينغ نان، لكن الذهول غمر قلبه؛ فلم يكن واثقاً مما إذا كان يجدر به تصديق كلمات مو سانغ أم لا، ولم يَرُق له هذا الشعور، فطوال سنوات حياته، كان هذا الانطباع يراوده دائماً كلما التقى
بـ مو سانغ.
وفي تلك اللحظة، تعالت صرخة مفاجئة أخرى وسط النقاشات والصخب في الميدان!
“إنه يتحرك! متى سيتوقف هذا الشاب؟! انظروا، لقد وصل إلى الخطوة 168!”
“172… 179! ولكن هذه السرعة… تبدو أبطأ من ذي قبل…”
“لا بد أن هذه هي بقايا قوته الأخيرة، وأجزم أنه لن يتجاوز الخطوة 200 على الأكثر، ولن يستطيع الزيادة عليها!”
“هذا هو حده، حتى الوصول إلى 190 سيكون أمراً في غاية الصعوبة عليه الآن، فنحن في الليل على أية حال، وكلما ارتفع، زاد الضغط شدة!” نظرت عيون الحاضرين نحو التصنيف على تماثيل النسور المختلفة وسط أصوات النقاش، فكانت بعض النظرات باردة، وبعضها ينضح بالانزعاج، والبعض الآخر ملؤه الترقب والإعجاب والغيرة.
في تلك اللحظة، كان جسد سو مينغ مغموراً بالكامل بضوء القمر، وهو يواصل التقدم للأمام درجة تلو الأخرى على الدرج. وأثناء صعوده، توهجت الأوردة الدموية الـ 53 على جسده بتوهج أحمر ساطع، وبينما يواصل التسلق، ظهر الوريد الدموي الرابع والخمسون فجأة!
ولم تلبث الأوردة 55 و56 و57 أن ظهرت في وقت واحد فور بروز الوريد 54، مما جعل التوهج الدموي الأحمر على جسد سو مينغ يزداد شدة، ممتلئاً بقوة عارمة تتهيأ للانفجار!
اتخذ سو مينغ خطوة كبيرة أخرى للأمام ليرتقي إلى الخطوة 186، وبمجرد أن فعل ذلك، ترددت أصوات الزمجرة الدالة على تزايد الأوردة الدموية داخل جسده مجدداً. جعل هذا الصوتُ بي سو ينقبض عابساً على الدرج الآخر المغطى بالضباب، كما جعل تشين تشونغ المستمع بتركيز يضغط على أسنانه متمنياً بحرارة لو تصدر من جسده نفس تلك الأصوات.
189… 192… 199… 200!
وتغيرت التصنيفات على تماثيل النسور في الميدان مرة أخرى!
المركز الأول: يي وانغ — الدرجة 600.
المركز الثاني: بي سو — الدرجة 397.
المركز الثالث: تشين تشونغ — الدرجة 391.
.
..
…
المركز 48: بي لينغ — الدرجة 206.
المركز 49: سي كونغ — الدرجة 201.
المركز 50: مو سو — الدرجة 200.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
—
ماذا عنكم؟
هل تصدقوه؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.