مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 56: الليل له وحده!نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 56: الليل له وحده!

الفصل 56: الليل له وحده!

جلس سو مينغ على الدرجة التاسعة والسبعين، ونظر حوله وخاصة إلى القمر في السماء. كان ما يزال هناك بعض الوقت المتبقي قبل منتصف الليل، ومع ذلك فإن الليل كان وقتاً مريحاً بالنسبة له.

فمنذ أن بدأ التدريب على فن بيرسيركر النار، أحب سو مينغ الليل، وأصبح يتطلع بشكل خاص إلى الليالي التي يكون فيها القمر بدراً. وحتى الآن، لم يرى البدر منذ أن بدأ ممارسة فن بيرسيركر النار.

ربما ظهر البدر مرة واحدة، لكن القمر كان مغطى بسحب داكنة في ذلك اليوم. كان يشعر باضطراب في جسده عندما يكون في كهف النار، لكنه لم يلاحظ تغيراً كبيراً داخله في النهاية. واستنتج سو مينغ بنفسه أنه لو لم يكن القمر مغطى بالغيوم الداكنة في ذلك اليوم، لربما شهد جسده تغيرات واضحة.

وكان من المؤسف أن اليوم لم يكن ليلة بدر، إلا أنه كان ما يزال يشعر بالراحة. وفي الوقت نفسه، وكما كان الضغط يزداد مع كل درجة يصعدها، كان يزداد أيضاً كلما ارتفع القمر في السماء.

'لقد ذكر شيخ قبيلة تيار الريح أن الضغط في الجبل سيزداد ليلاً، ويبدو أن كلامه صحيح.'

ابتسم سو مينغ ولم يزعجه ذلك؛ فبالنسبة له، كلما زاد الضغط ليلاً، كلما أتاح له ذلك الوصول بقوته إلى ذروتها.

فسوا مينغ يكون أكثر رعباً في الليل مقارنة بالنهار!

أبعد سو مينغ نظره عن القمر وجلس متربعاً عند الدرجة التاسعة والسبعين، وأخذ نفساً عميقاً ثم بدأ يستشعر الفارق بهدوء في هذا المكان.

وكما توقع، كان هذا المكان هو الموقع الثاني على الدرج الذي يتوازن فيه الضغط. ورغم أن الضغط كان متوازناً، إلا أنه ما يزال أقوى بكثير من الضغط عند الدرجة 32. وكان هذا المكان مناسباً للغاية ليواصل التحكم بالـ "تشي" في جسده بشكل أعمق، والسيطرة بدقة متناهية على عدد الأوردة الدموية التي يريد إظهارها على جسده.

ومنذ تلك اللحظة، أدرك سو مينغ أيضاً أن بروز الأوردة الدموية الثلاثة الإضافية عندما صعد إلى الدرجة 79 كان بسبب قدرته على التحكم

بالـ "تشي" بدقة بالغة. ولم يكن يحتاج سوى لوريد دموياً واحد آخر كي يصبح قادراً على الوصول إلى المستوى الخامس من عالم تكثيف الدم!

جعل هذا الأمر سو مينغ متحمساً للغاية بشأن عدد الأوردة الدموية التي يمكنه إظهارها ما إن تصبح الدرجة 79 غير كافية لتدريبه، ليتوجب عليه حينها الصعود إلى ارتفاع أكبر!

أغلق سو مينغ عينيه ببطء وبدأ بتدوير الـ "تشي" في جسده. ولمرة أخرى دخل في حالة ممتازة للسيطرة على الـ "تشي"، وحاول التحكم في سرعة تدفقه وهو يعود إلى جسده ليدفعه إلى التباطؤ وفقاً لإرادته.

ومع مرور الوقت، بدأ عدد الأوردة الدموية الـ 52 على جسده يتناقص تدريجياً بمعدل ثابت بعد أن كان بوتيرة غير منتظمة في بداية تدريبه عند الدرجة 79 واعتياده على الوضع. وببطء، بدأ يقترب من حده السابق عند الدرجة 32، ولكن بعد أن اكتسب ثلاثة أوردة دموية إضافية، بقي 40 وريداً دموياً على جسده بينما كانت الأوردة الدموية تختفي واحداً تلو الآخر!

ظل سو مينغ هادئاً دون أن يبدو عليه أي أثر للقلق، فقام بتدوير الـ "تشي" ببطء وركز على ممارسة التحكم الدقيق. وسرعان ما مرت ساعتان.

في تلك اللحظة، كان العديد من المشاركين قد توقفوا بالفعل عن التقدم في الجبل، واختاروا الجلوس متربعين على الدرجات للتدرب ومراقبة التصنيف في اللوحات التي بين أيديهم، وهم ينتظرون بزوغ ضوء النهار لمواصلة المنافسة فيما بينهم.

كان وو سين يلهث بشدة ووجهه شاحب. وبعد أن ضغط على أسنانه ووصل إلى الدرجة 295، انهار أخيرًا تحت الضغط وجلس جانباً. ظل وجهه متجهماً، وحين تطلع إلى الضباب، ظهر الشك في عينيه.

"دم جثثي… اللعنة! ذلك الشخص سرق دمي! فبدونه لن أتمكن من استخدام قوتي بدقة وسأُستنزف بسرعة أيضاً… يمكنني الشعور بأنني أصبحت أضعف حقاً…"

"لا أستطيع إبلاغ الشيخ بهذا الأمر، فإذا علم أنني فقدت دمي، حتى لو ساعدني على استعادته، سأفقد قيمتي في عينيه…"

وبمجرد أن فكر وو سين في تلك العواقب المروعة، شد على قبضتيه، وخالط الخوفُ نبرة الشك في عينيه.

"بالتأكيد لا يمكنني إعلام الآخرين بهذا الأمر، وخاصة أولئك الذين قدموا لي دماءهم في الماضي. لقد كنت أقمعهم خلال السنوات القليلة الماضية لأنني كنت قوياً ومكانتي في القبيلة عالية، أما إذا علموا أنني فقدت دم الجثث فسيخونونني على الفور."

'ماذا عساي أن أفعل؟.. ماذا عساي أن أفعل؟..'

أصبح وجه وو سين شرساً وهو يضغط على أسنانه، ومع ذلك ظلت الحيرة وعدم اليقين يعلوان ملامحه.

كان تشين تشونغ يلهث بشدة ويتمتم بصوت خافت وهو يسير. وعندما نظر إلى القمر الساطع في السماء -رغم حجبه بالضباب- أراد الاستراحة وانتظار الغد. ولكن في اللحظة التي نظر فيها إلى التصنيف على اللوحة التي بين يديه ورأى أن الشخص المدعو بي سو قد تجاوزه بدرجتين، شعر بالاستفزاز والتحدي.

"أيها الوغد! لن أستسلم وأجلس هنا!" كشر تشين تشونغ عن أسنانه وواصل الصعود.

في الوقت نفسه، كان بي سو -من قبيلة الجبل الأسود- يلهث بشدة وهو ينظر إلى اللوحة التي في يديه، واصل السير رغم الضغط المتزايد الذي جلبه ظهور القمر، وكأنه يتنافس مع تشين تشونغ ويجبر نفسه على استمرار تسلق الدرجات.

ولم تمضِ حتى ساعة واحدة قبل أن يطلق تشين تشونغ زئيراً مدوياً، وسقط جالساً على الناحية وساقاه ترتجفان، وتمتم بضع كلمات وسط الضباب الهادئ حوله:"هيا، تقدم إلى الأمام! أيها الوغد، لن أتنافس معك الليلة! سأفعل ذلك غداً!"

وربما شعر بي سو بذلك، فبعد أن صعد بضع درجات أخرى، ارتمى على الأرض، ولكن عندما نظر إلى ترتيبه، ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه.

وكان لي تشين يجلس في مكان ما حول الدرجة 130، يلهث بصعوبة بالغة ورفضٌ تام للاستسلام يملأ قلبه.

توقف الكثير من الناس بالفعل، ولكن ظل هناك شخص واحد يستمر في التقدم إلى الأمام.

"563… 567… 572… يي وانغ ما زال يصعد حتى في منتصف الليل!"

"المركز الثاني من نصيب بي سو، فقد وصل إلى الدرجة 397 فقط، بينما تجاوز يي وانغ أكثر من 500 درجة! هل بمقدوره تجاهل الضغط الأشد في الليل والرغبة في مواصلة السير؟"

"كما هو متوقع من الأقوى بين أبناء جيل الشباب، فإن إصراره ومثابرته ليس بمقدور الآخرين مقارعتها!"

ظل بضع مئات من الناس في الميدان يحدقون في التصنيفات على تماثيل النسور. في تلك اللحظة، كان التغيير الوحيد في عدد الدرجات المكتوبة يُسجَّل لحساب صاحب المركز الأول فقط.

فقد توقف بقية المشاركين في المرحلة الأولى من الاختبار.

"587! 589!"

"لقد تغير الرقم مجدداً! وصلت إلى 595 هذه المرة!"

ضجّ الميدان بأصوات الحاضرين، وانصب تركيز الجميع على صاحب المركز الأول، حتى إن قادة القبائل الأخرى كانوا يتنهدون إعجاباً بيي وانغ.

"يا مو سانغ، إن شاب قبيلتنا يي وانغ يمتلك إمكانيات ساحقة بحق. كيف تراه مقارنةً بك؟" ابتسم جينغ نان، شيخ قبيلة تيار الريح، وهو ينظر إلى التصنيف المكتوب على التمثال ويتحدث ببطء.

ظل مو سانغ هادئاً وابتسم:"ليس سيئاً."

ابتسم جينغ نان ولم يضف شيئاً بعد ذلك.

في تلك اللحظة، كانت نظرات يي وانغ ثاقبة وهو يواصل السير للأمام ويداه خلف ظهره رغم العرق المتصبب على جبهته. كانت كل درجة يطؤها صعبة، لكنه لم يتردد، ولم يتوقف إلا عندما وصل إلى الدرجة 600، حيث ارتسمت ابتسامة على وجهه وجلس في الزاوية.

'في المرة الأخيرة التي خضت فيها الاختبار هنا، صعدت إلى الدرجة 580 في الليلة الأولى، وهذه المرة تجاوزت نفسي بـ 20 درجة. هذا ممتاز… أتساءل عما إذا كان هناك أحد قادر على الوصول إلى الدرجة 562 في هذا الاختبار… ومع ذلك، أنا واثق تماماً من أن الأمر سيكون كالسابق، ولن يحصل أحد على حق خوض الاختبار عند الدرجة 562.' وبينما كان يتمتم بصوت خافت، ظلت علامات الفخر والاعتزاز تعلو وجهه ولا يمكن إخفاؤها.

كانت الدرجة 562 بمثابة فخ؛ فقد فشل عندها عندما وصل إليها في مرته الأولى، ولم ينجح في تجاوزها إلا في المرة الثانية. وهذه هي مرته الثالثة، فلم يعد يعيرها اهتماماً كبيراً. فبالنسبة له، لم يكن لدى أيٍّ من المشاركين في الاختبار أمل في منافسته، ولم يكن هناك من يستحق لفت انتباهه.

كان ينظر إلى اللوحة طوال اليوم أيضاً، لكنه لم يكن يقارن درجاته بالمنافسين الآخرين، بل كان يقارنها بنفسه فقط.

وبمجرد توقفه، ارتفعت أصوات النقاش في الميدان الخارجي؛ ففي نظرهم، بمجرد توقف يي وانغ، تكون المنافسة لذلك اليوم قد انتهت تماماً، وسيتوجب عليهم انتظار اليوم التالي للجولة القادمة.

"المركز الأول من نصيب يي وانغ، والثاني بي سو، والثالث تشين تشونغ… والثاني عشر وو سين… حتى الآن، لا يوجد سوى شخص واحد غريب من خارج القبيلة ضمن المراكز العشرة الأولى، والبقية جميعهم من قبيلة تيار الريح!"

"ولكن المركز 48 يحتله بي لينغ، والمركز 49 لـ سي كونغ، وهما أيضاً غريبان. أتساءل عما إذا كان هذان الشخصان سيتمكنان من الحفاظ على موقعيهما ضمن أفضل 50 غداً، ففي النهاية، اليوم هو اليوم الأول فقط، والحسم الحقيقي لنتائج المسابقة سيكون غداً!"

"من أين أتى بي سو هذا؟ يا لها من نتيجة مذهلة حققها بحلوله في المركز الثاني! بل إنه تفوق على تشين تشونغ! هذا الشاب سيكون بيرسيركر شهيراً في المستقبل!"

"لم ينتهِ الاختبار بعد، وقد يحدث ما لم يكن بالحسبان…" هدأت الأصوات الصاخبة تدريجياً، وجلس مئات الأشخاص في الميدان متربعين في انتظار بزوغ اليوم الثاني.

وتدريجياً، أصبحت أصوات التنفس هي الوحيدة التي يُسمع صداها في أرجاء الميدان.

"يا مو سانغ، دعنا نعود إلى القبيلة معاً لنواصل لعب الشطرنج، وسنرى غداً ما إذا كان سو مينغ سيصل إلى المراكز الخمسين الأولى." ابتسم جينغ نان وهو ينظر إلى مو سانغ.

لم يتحدث مو سانغ، بل نظر إلى اسم سو مينغ على تمثال النسر، والذي تراجع ترتيبه من المركز 120 إلى 123، ثم أومأ برأسه موافقاً.

وبينما هما على وشك المغادرة، تملكت الدهشة الشيخ عندما رأى شيئاً في تلك اللحظة. وفجأة، أطلق بعض الأشخاص في الميدان -ممن لم يخلدوا للراحة بعد وكانوا يرقبون التصنيف بين الحين والآخر- صرخات مباغتة.

"لقد تحرك! ذلك الشاب المدعو مو سو قد تحرك!" دفعت هذه الصرخة المفاجئة أولئك الذين أغلقوا أعينهم إلى فتحها غريزياً والنظر بتركيز شديد، والذهول يعلو وجوههم عند رؤية التغيير.

توقف جينغ نان الذي كان على وشك المغادرة، واستدار هو الآخر يحدق في التمثال.

ولم يكن الوحيد، بل نظر جميع الأشخاص في الميدان، بمن فيهم رئيسة قبيلة التنين المظلم وزعيم قبيلة الجبل الأسود وقادة القبائل الأخرى. ففي النهاية، كان جميع المشاركين في الاختبار قد توقفوا عن الحركة تلك الليلة، وكان الصعود المفاجئ في الترتيب من قِبل شخص واحد لافتاً للانتباه بشكل لا يُصدق!

وفي أعماق الجبال، فتح سو مينغ -الذي كان يجلس متأملاً عند الدرجة 79- عينيه فجأة. توقفت قدرته على إخفاء الأوردة الدموية في جسده عند الوريد الثامن والعشرين؛ فقد أصبحت تلك حدّه الأقصى ولم يعد بإمكانه الاستمرار أكثر. إلا أن العملية هذه المرة كانت أسهل وأكثر سلاسة من ذي قبل، والوقت الذي استغرقه كان أقصر بكثير… والسبب هو حلول الليل!

ظهر انعكاس خافت لقمر أحمر في عيني سو مينغ وهو يجلس تحت ضوئه، ثم وقف ببطء ونظر إلى الدرج المتعرج، ووميض ساطع يلمع في عينيه للحظة.

'الموقع التالي…'

رفع سو مينغ قدمه اليمنى. وتحت ضوء القمر، لم يجرؤ أي شخص آخر على مواصلة صعود الجبل بجانبه، سواء كان تشين تشونغ أو بي سو أو حتى يي وانغ. لم يتجرأ أحد على المضي قدماً؛ بل كان سو مينغ وحده من يتسلق الآن!

كان الليل له!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.