الفصل 55: التحكم الدقيق
الفصل 55: التحكم الدقيق
لقد كانت عملية صعبة للغاية!
كل شيء يكون سهلاً عندما تسير مع التيار، لكنك إذا واجهته فسيكون الأمر في غاية الصعوبة! وكان الأمر كذلك بالنسبة للأوردة الدموية؛ إذ تظهر واحداً تلو الآخر إذا قام الشخص بتدوير الـ "تشي" في جسده، ومن الممكن أيضاً أن تظهر جميعها دفعة واحدة بقوة متفجرة، فهذا أمر سهل القيام به.
أما إذا أراد شخص ما إخفاء الأوردة الدموية وإعادتها واحدة تلو الأخرى، فسيحتاج إلى التحكم في سرعة الـ "تشي" داخل جسده بدقة بالغة. وكان على سو مينغ التحكم في الـ "تشي" بشكل ممتاز للوصول إلى هذا المستوى من الدقة.
كان من النادر للغاية أن يقوم محارب البيرسيركر في عالم تكثيف الدم بحدث كهذا؛ فهذا ليس بالشيء الذي يستطيع شخص في مرحلة تكثيف الدم القيام به، بل هي مهارة قوية يفهمها ويؤديها محاربو البيرسيركر في عالم الصحوة.
لم يكن سو مينغ يعلم بهذا الأمر، فكل ما عرفه هو أن الشيخ أرشده للقيام بذلك، وأن الأمر بمثابة لغز يتوجب عليه حلّه بمفرده واكتشاف ما يفترض عليه فعله عند التفكير فيه بعمق.
لم يشعر بأنه مُجبر على ذلك، كما لم يجد صعوبة في محاولة حل اللغز، فقد حدث كل شيء بشكل طبيعي للغاية، لدرجة أن سو مينغ شعر أنه لا بد له من تجريبتها.
وإذا لم يفعل، فسيكون ذلك إهداراً للوقت الذي قضاء في التفكير بالأمر.
مرت ساعتان ببطء، وظل خلالهما يجلس متربعاً دون أن يتحرك، وأثناء مواصلته محاولة التحكم في دوران الـ "تشي"، حدث تغيير غريب في الأوردة الدموية على جسده؛ إذ انخفض عدد أوردة الدم فجأة بالعشرات، ثم عاد فجأة إلى العدد الكامل 49. ومع استمرار هذا التغيير، استقر وضعه تدريجياً.
وكان كل هذا مرتبطاً إلى حد كبير بالضغط الموجود في هذا المكان؛ ويمكن القول إنه بفضل هذه القوة الخارجية، أتيحت الفرصة للبيرسيركر في عالم تكثيف الدم للقيام بأمور لا يستطيع فعلها عادةً إلا بيرسيركر عالم الصحوة.
مر الوقت وحل الغسق سريعاً، فتثاقل الضباب في الجبل وساد الهدوء، لكن الوضع في الخارج كان مختلفاً تماماً؛ إذ ظل المكان يعج بالنشاط، وترددت أصوات النقاشات في الهواء، بل إن بعضهم أخرج عملات حجرية وبدأ بالمراهنة.
“كما هو متوقع، لا يزال المركز الأول من نصيب يي وانغ. انظروا إليه، لقد قطع بالفعل 561 خطوة! والثاني هو تشين تشونغ، فقد وصل إلى الخطوة 326!”
“هذا ليس شيئاً، أنا أراقب صاحب المركز الثالث بي سو! هذا الشخص هو بالتأكيد الحصان الأسود في هذا الاختبار، وأظن أن الجميع يفكرون بنفس الطريقة. هذا الشاب الذي لم نسمع عنه من قبل قد قطع 327 خطوة! وظل ينافس على المركز الثاني طوال فترة ما بعد الظهيرة.”
“لكنني أتساءل عما حدث لـ وو سين، فهو في المركز الثاني عشر فقط…”
في ركن من الميدان، كان مو سانغ وجينغ نان يجلسان متربعين، ولم يجرؤ أحد على إزعاجهم، حيث كان هناك حاجز غير مرئي يحيط بهما ويفصلهما عن العالم.
“يا مو سانغ، ما زال سو مينغ في الخطوة 32 طوال فترة الظهيرة بأكملها، أعتقد أنه أُرهق بالفعل، حتى أنه احتل المركز الأخير.” عبس جينغ نان قليلاً وشعر أن هناك شيئاً غير طبيعي.
لم يتكلم مو سانغ، بل فضل النظر إلى التصنيف على تمثال النسر بدلاً من ذلك. كان وجهه هادئاً كالعادة، لكن السرور كان يغمر قلبه؛ فهو يعلم أن سو مينغ يحاول فك اللغز.
فبالنسبة له، إن استطاع سو مينغ فهم اللغز بمفرده، فستكون قيمة ذلك أعلى بكثير من الحصول على دم البيرسيركر.
ظهرت الشمس والقمر معاً في الغسق، وتبادلا موقعهما في السماء. لم تجذب مرتبة سو مينغ انتباه أحد، وكان الناس يلقون نظرة خاطفة عليها فقط لمعرفة من يقبع في المركز الأخير.
وحتى ذلك الحين، ظل سو مينغ جالساً عند الخطوة 32. لم يبدُ عليه أي تغيير ظاهر، ولكن لو نظر أي شخص عن كثب للاحظ أن عدد الأوردة الدموية على جسده كان يتغير بسرعة؛ فتصبح 46 تارة، و47 تارة أخرى، و48 أحياناً. كان التغير سريعاً جداً، ولن يلاحظه أحد ما لم يدقق بتركيز.
اختفت الشمس تماماً وأصبح القمر أكثر وضوحاً في السماء، وتغيرت الأوردة الدموية على جسد سو مينغ مرة أخرى. ثم تكررت المرات التي تصل فيها الأوردة الدموية إلى 48 وريداً تدريجياً، من مرة إلى مرتين، ثم ثلاث مرات… حتى بلغت ثماني مرات وتسع مرات!
في تلك اللحظة، فتح سو مينغ عينيه ووميض من الحماس يلمع فيهما لوهلة. ‘لقد نجحت في ذلك! قد لا يكون الأمر مثالياً بعد، لكني تمكنت من فعله!’
ففي المحاولات العشر الأخيرة، تمكن من إخفاء وريد دموياً واحد من جسده في تسع مرات منها!
قد يبدو اختفاء وريد دموياً واحد أمراً غير مهم، لكنه يعني أن سو مينغ قد بدأ بالفعل بالتحكم في دورة دمه والـ "تشي". فلم يعد دمه يجري كحصان بري جامح، بل استطاع أن يضع له لجاماً!
جلس هناك ببطء وقام بتخفيض عدد الأوردة الدموية تدريجياً إلى 47، ثم 46، ثم 45… حتى وصل إلى الوريد الثامن والثلاثين، وعندها بدأ سو مينغ يفقد السيطرة واضطربت حركة الـ "تشي".
أدرك سو مينغ أن الضغط المتوازن عند الخطوة 32 لم يعد كافياً لمساعدته، وإذا أراد التحسن أكثر، فسيحتاج إلى الانتقال إلى الخطوة 79!
أشرقت عينا سو مينغ، فوقف دون تردد وصعد إلى الخطوة 33 واصل السير بثبات. ومع تقدمه خطوة للأمام وضغط الجبل عليه، ظهرت جميع الأوردة الدموية الـ 49 على جسد سو مينغ فجأة وانتشرت فيه بسرعة. لم تكن السيطرة الدقيقة التي اكتسبها طوال الظهيرة مجرد إنجاز، بل مكنته أيضاً من التحكم بأوردته، مما أحدث انفجارات مدوية
للـ "تشي" داخل جسده مع ظهور الأوردة.
ومع تردد صدى تلك الأصوات في الهواء، ظهر الوريد الدموي الخمسون فجأة على جسده!
ولم يكد يظهر الوريد الخمسون حتى برز الوريد الحادي والخمسون فوراً، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبينما واصل سو مينغ تسلق الدرجات وصولاً إلى 37 و42 و49 و58…
وما إن وصل إلى الخطوة الستين في غضون فترة قصيرة، حتى ظهر الوريد الدموي الثاني والخمسون فجأة على جسد سو مينغ!
لم يتبقَّ سوى وريد واحد فقط ليصل إلى المستوى الخامس من عالم تكثيف الدم! وفي الواقع، أصبح بمقدوره الآن البدء بتدريب فن البرسيركر — "غبار الدم المظلم"!
قد لا تتردد أصداء تلك الأصوات المكتومة الصادرة من جسده إلى مسافة بعيدة، لكن بي سو —الذي قطع 300 خطوة في المسار الأقرب إليه— سمعها أثناء سيره، فتوقف واستدار للخلف.
‘هذا صوت شخص يكسر حدود أوردته الدموية الحالية… من الذي استطاع زيادة أوردته الدموية في هذا المكان؟..’
فكر قليلاً، لكنه لم يعر الأمر اهتماماً كبيراً وواصل السير للأمام. قد تكون هذه مرته الأولى في هذا المكان، لكنه أعد كافة التجهيزات قبل قدومه.
كان بي سو يعلم أن الضغط في الجبل يزداد أضعافاً في الليل مقارنة بالنهار، ولهذا السبب يفضل الجميع تقريباً التوقف عن الحركة عندما يحل الليل ويتوسط القمر السماء؛ فلو واصلوا التقدم، فسيدفعون ثمناً أكبر بكثير، والأمر لا يستحق ذلك.
كان من الأفضل بكثير الاستراحة لليلة واحدة ثم المتابعة في اليوم التالي، فبذلك سيكونون في أفضل حالة ممكنة. ولهذا السبب، سيواصل التقدم قدر الإمكان قبل حلول منتصف الليل، ثم يتوقف للاستراحة.
وبينما ارتفع عدد الأوردة الدموية في جسد سو مينغ إلى 52 وريداً، واصل التقدم للأمام، متحركاً بسرعة فوق الدرج نحو قمة الجبل التي يتعذر رؤيتها.
ولم يكن يعلم أن سرعته هذه قد تسببت في حدوث ضجة صغيرة في الميدان بالخارج.
ربما كان المئات من الأشخاص في الميدان يكتفون بمتابعة أفضل 50 مركزاً في الاختبار فقط، إلا أنهم كانوا ينظرون بين الحين والآخر إلى الشاب المسمى "مو سو" القابع في المركز الأخير ويسخرون منه في أنفسهم؛ فبالنسبة لهم، الشخص الذي قضى فترة الظهيرة كاملة عند الخطوة 32 قد استنفد قوته بالفعل.
ولكن الآن، بينما كان أحد الرجال في الحشد يتأمل التغييرات في المراكز الخمسين الأولى بإعجاب، اختلس نظرة إلى المركز الأخير دون وعي، فتفاجأ للحظة واتسعت عيناه؛ إذ رأى بأم عينيه الأرقام المكتوبة بجانب اسم "مو سو" —والتي بقيت جامدة في المركز الأخير— ترتفع فجأة!
33، 37، 45، 48… حتى 61، 63… واستمرت في الارتفاع!
ونظر إلى قائمة التصنيف ورأى أن "مو سو" قد قفز عشرات المراكز صاعداً من المركز الأخير، وما زال ترتيبه يواصل الارتفاع!
سرعان ما لم يعد هو الوحيد الذي لاحظ هذا التغيير، بل لاحظه الكثيرون، وعندما نظروا إلى هناك ذهلوا جميعاً. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الاهتمام منصباً على المراكز الخمسين الأولى بقدر الاهتمام بهذا الارتفاع السريع في ترتيب الشخص الذي كان يقبع في المركز الأخير!
“هذا الشاب المدعو مو سو بدأ يرتفع! هاها! هل يعقل أنه كان يستريح طوال الظهيرة واستيقظ للتو؟”
“إنه الآن في المركز 137! لقد قفز العديد من المراكز من المركز الأخير. هل هو من النوع الذي يمتلك قوة انفجارية متأخرة؟ لنرَ إلى أي مركز سيصل بين المراكز الـ 120 الأولى!”
“لقد وصل إلى المركز 119! 79 خطوة!”
“هاه… لماذا توقف؟”
“توقف مجدداً!” كان الأشخاص المهتمون بترتيب سو مينغ ينظرون إلى اسم "مو سو" في المركز 119، وعندما رأوا أنه لم يعد هناك أي تغيير في عدد خطواته التي توقفت عند 79، شعروا بخيبة أمل.
“ظننت أننا سنشهد معجزة أخرى، لكن يبدو أنه لا يملك طاقة كافية. حدّه الأقصى هو 79 خطوة، ولا بد أنه ادخر طاقته طوال الظهيرة ثم أخرجها دفعة واحدة الآن.”
وبمرور الوقت، لم يعد أحد في الميدان يعير اهتماماً لهذا الاسم العادي، وأعادوا توجيه انتباههم نحو المراكز الخمسين الأولى؛ فقد اقترب منتصف الليل، ووفقاً للتقاليد، لن يواصل أحد صعود الدرجات عند حلول منتصف الليل، وتصبح التصنيفات حينها هي النتيجة النهائية لهذا اليوم.
في ركن من الميدان، كان مو سانغ يراقب اسم سو مينغ وهو يرتقي في الترتيب حتى توقف أخيرًا عند الخطوة 79، فارتسمت ابتسامة على وجهه.
أما جينغ نان الجالس بجانبه فقد عبس، وعندما نظر إلى تمثال النسر، بدت مئات الأسماء المكتوبة عليه وكأنها اختفت من أمام عينيه، حتى لم يتبقَّ سوى اسم واحد:
119: مو سو، 79 خطوة.
ومع ارتفاع ترتيب سو مينغ، شعرت "وولا" —التي كانت على مسار آخر في الجبل— بالتوتر، فأمسكت باللوحة التي في يديها وتطلعت إلى التصنيف المكتوب عليها:
118: وولا، 82 خطوة.
وبعد فترة، عندما رأت وو لا أن الشخص المدعو "مو سو" ما زال عند الخطوة 79، تنفست الصعداء وواصلت الصعود وهي تضغط على أسنانها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.