الفصل 53: افتحوا الطريق إلى جبل تيار الريح!
الفصل 53: افتحوا الطريق إلى جبل تيار الريح!
كان قميصه الأحمر متوهجًا كالنار!
بدا وكأن لهبًا غير مرئي يحيط بـ يي وانغ، يبعث الرهبة في كل من يحدق به، مما أجبر الجميع على خفض رؤوسهم أمامه.
كان متوسط القامة ولا يبدو وسيمًا، ولم يكن جسده قوي البنية أيضًا، ولكن بمجرد دخوله إلى الساحة، أثار شعورًا يصعب وصفه في نفوس كل من نظروا إليه.
ظل شعر يي وانغ يتمايل على كتفيه وهو يخطو ببطء نحوهم.
لم يكن يملك تجهُم وو سين، غير أن الهدوء الساكن في عينيه أثار الخوف في قلوب الآخرين، بل أكثر من وو سين نفسه. ولم تكن لديه جاذبية تشن تشونغ في استمالة الناس إلى جانبه، ورغم أنه كان يسير بمفرده، إلا أن حضوره كان يطغى على الجميع بشكل يبعث على الهيبة والضغط.
كما لم يحاول التظاهر بالغموض على عكس ذلك الشاب من قبيلة الجبل الأسود، غير أن قوته واسمه أثناء سيره نحو الساحة أضفيا عليه غموضًا يفوق بكثير ما يتصنعه ذلك الشاب ذو الثياب السوداء.
كان غامضًا لمجرد أنه يي وانغ؛ الأفضل بين الجيل الصاعد في قبيلة تيار الريح، والوجود الأكثر سطوعًا في المنطقة برمتها، والمرشح البارز ليكون البيرسيركر القوي الذي سيبلغ عالم الصحوة مستقبلاً!
سار نحوهم بهدوء كالملك، لم يكن بحاجة للتحدث إلى أي شخص، بينما تنحى أعداد لا تحصى من الناس جانبًا مطأطئين رؤوسهم أمامه ليفسحوا له الطريق، متجاهلين وو سين وتشن تشونغ.
وتلاشت أصوات النقاش تمامًا؛ فبمجرد ظهوره انقطعت الهمسات فجأة، وساد الصمت حتى وصل إلى منتصف الساحة وجلس متقاطع الساقين.
وبعد فترة ليست بالقصيرة، بدأت تعود أصوات الهمسات الخافتة مجددًا.
“مهلًا، لقد رأيت ذلك المشهد، أليس كذلك؟ نحن محظوظون برؤية يي وانغ يأتي هنا، فعلى الأقل لم تذهب رحلتنا سدى!” همس الشاب الصادق الواقف بجانب سو مينغ بصوت منخفض، وعيناه مفعمتان بالإعجاب والرضا.
لزم سو مينغ الصمت، وبعد لحظات أومأ برأسه بخفة.
ظل هناك بعض الأشخاص يصلون تباعًا بعد يي وانغ، وفي غضون ساعة كان جميع المشاركين في الاختبار قد اكتمل وصولهم، وعندها أظلمت السماء فجأة.
ومع اندفاع الغيوم، دوى هدير الرعد واهتزت المنطقة، ممّا جعل معظم الحاضرين يرتجفون خوفًا. وعندما رفعوا رؤوسهم، رأوا السحب تتجمع في السماء بسرعة البرق من كل جانب، ثم اندمجت لتشكل رجل عملاق هائلاً من السحب يرتفع في الفضاء، حتى بدا وكأن رأسه يلامس أطراف السماء!
وعلى رأس ذلك العملاق السحابي، كان يجلس رجل متقاطع الساقين يرتدي رداءً أرجوانيًا؛ كان ذلك الشخص هو شيخ قبيلة تيار الريح – جينغ نان!
جلس هناك دون أن ينظر إلى الأسفل، بل وجه نظره نحو جبل شامخ يقع على مسافة غير بعيدة، وهو الجبل الذي يناطح السحاب ولا يُرى منه بالعين المجردة سوى نصفه فقط!
“هذا الجبل هو أهم كنز لدى قبيلة تيار الريح، ولا مثيل له على الإطلاق!”
“لقد تناقلته أجيالنا من القدماء، فهو أصل قبيلة تيار الريح، ولولاه لما كان للقبيلة وجود! إن الجبل الذي ترونه أمامكم ليس كاملاً، بل هو مجرد القمة… قمة جبل تيار الريح الحقيقي!”
“هناك وحش مريب مختوم في أعالي الجبل، ظل نائمًا لملايين السنين ولم يستيقظ قط… وربما لن يستيقظ أبدًا… يمتلك هذا الجبل هالة ضغط تحيط به وبما حوله بالكامل، وكلما ارتقيتم إلى الأعلى، كلما اشتد الضغط الذي تشعرون به!”
“توجد ممرات تؤدي إلى قمة الجبل، وهناك 281 سلمًا تؤدي مباشرة إلى القمة، وهذه هي المرحلة الأولى من الاختبار!”
“تنطبق القواعد نفسها التي اعتُمِدت في الاختبارات السابقة؛ فلا يوجد حد زمني، ويمكن لجميع المشاركين في المرحلة الأولى ممن يحملون الصفيحة اختيار أي مسار يوصلهم إلى الجبل. وسنحدد مراتبكم بناءً على عدد الخطوات التي تتمكنون من قطعها في النهاية.”
“هناك الكثيرون بينكم يخوضون هذا الاختبار للمرة الأولى، ومن باب العدل سأنبهكم إلى هذا: إن الضغط على هذا الجبل يزداد شدة مع حلول منتصف الليل!”
“والآن، سأفك ختم هذا الجبل، وعليكم الدخول بسرعة فور ذلك!” وبينما كان جينغ نان يتحدث وهو يعلو رأس العملاق السحابي، رفع يده اليمنى ولوح بها نحو الجبل الشاهق.
وبمجرد أن أنزل يده، رفع العملاق السحابي رأسه فورًا وأطلق زئيرًا مجلجلًا، ثم خطا خطوات عملاقة واندفع بسرعة نحو قمة الجبل، رافعًا ذراعيه الضخمتين ليمزق الفضاء أمام الجبل وكأنه يشق السماء والأرض.
وما إن فعل ذلك حتى انشقت أفق السماء، وظهر صدع هائل من لا شيء يمتد بين الأرض والسماء، وكأن حاجزًا خفيًا كان يحجب قمة الجبل قد تمزق الآن ليُظهر المنظر الحقيقي للجبل القابع في الداخل.
كان لا يزال جبلًا شامخًا، لكنه لم يعد الجبل ذاته الذي رآه سو مينغ سابقًا؛ إذ تغطى الجزء العلوي منه بضباب أسود يتصاعد نحو السماء، بدا الضباب الأسود كئيبًا وينبعث من المجهول بطريقة تثير الذعر في القلوب.
وفي الوقت نفسه، انبعثت قوة ضغط مهولة من داخل الصدع كأنها إعصار يعصف بهم من الجانبين، فتطاير شعر الكثيرين وشحبت وجوه بعضهم وتراجعوا غريزيًا بضع خطوات إلى الخلف، وكأن ما يربض داخل الصدع ليس جبلًا بل وحش هائل يمتد بين السماء والأرض.
وفي اللحظة التي انشق فيها الصدع، ظهرت خيالات خاطفة بسرعة بجانب العملاق السحابي لتتجسد في ثمانية أشخاص!
كان شي هاي أحدهم، وكان كل واحد من الثمانية يملك قوة مهيبة. وفي تلك اللحظة، جرحوا ألسنتهم ونفثوا الدماء من أفواههم، لتمتزج دماؤهم معًا وتتشكل منها علامة معقدة متوهجة باللون الأحمر، اندفعت نحو الصدع وكأنها تطبع نفسها على الجبل الضبابي بالداخل.
وهدأ الجبل المحاط بالغيوم فور أن لمسته العلامة، حيث انقشع الضباب متصاعدًا إلى الأعلى ليكشف عن سلالم حجرية عتيقة صمدت عبر الزمن.
“بمجرد دخولكم الجبل، إذا أفلتُّم الصفيحة لثانية واحدة فستختفي، وستفقدون أهليتكم لخوض الاختبار لتُنقلوا تلقائيًا إلى خارج الجبل. هذه هي الطريقة الوحيدة للاستسلام عندما تجدون أنكم عاجزون عن تحمل ضغط الجبل، كما ستسجل الصفيحة عدد الخطوات التي قطعتموها لتعرض مراكزكم أمام الحاضرين بناءً على تلك الأرقام.”
“حسناً، ألن تدخلوا؟” وكان الشخص الذي صرخ نحو الحشد المحتشد أسفله هو شي هاي، الجالس وسط الأشخاص الثمانية.
انطلق أحدهم فجأة كالسهم واندفع نحو الصدع؛ كان ذلك هو الشاب ذو القميص الأحمر، يي وانغ! ثم تلاه وو سين ثانيًا، وتبعهما تشن تشونغ مباشرة، ثم اندفعت جموع غفيرة تدريجيًا من كافة القبائل نحو الصدع لبدء المرحلة الأولى من الاختبار.
وكان بي لينغ، ولي تشين، و وولا، وسي كونغ، وحتى باي لينغ من بين الحشد الذي تقدم نحو الصدع. وبمجرد دخولهم، سلك كل منهم سلمًا لم يسلكه أحد غيرهم واختفوا داخل الضباب.
وما إن يرتقي شخص سلمًا حتى تسقط عليه طبقة من الضباب وتحجب المسار عن الآخرين.
لم يختر سو مينغ الاندفاع بمفرده، بل فضّل التحرك وسط الحشد والدخول إلى الصدع. وفي اللحظة التي وطأت فيها قدمه المكان، شعر فورًا بالفرق الشاسع بينه وبين العالم الخارجي؛ إذ أحس بضغط أشبه بزوج من الأيدي الخفية تعتصر جسده وتسبب له الضيق.
كانت الكثير من المسارات المؤدية إلى السلالم قد غطيت بالضباب بالفعل – في إشارة واضحة إلى أن أحدهم قد سلكها. لم يقع سو مينغ في الحيرة، بل ابتعد عن المدخل، حيث كان هناك الكثير ممن يبحثون مثله عن سبيل للوصول إلى قمة الجبل.
لكن تضاريس سفح الجبل لم تكن متساوية، إذ بدت بعض المسارات المؤدية إلى السلالم أقصر من غيرها، فتنافس الناس عليها، وكان من يطأ الدرج أولًا يطالب بها لنفسه.
لم ينافسهم سو مينغ على ذلك، بل اتجه إلى مكان أبعد حيث توجد مسارات متعددة، ووقف عند مفترق الطرق ليغرق في التفكير للحظات. وعندما همّ بالتحرك، أدار رأسه فجأة ونظر إلى يمينه، وانكمشت حدقتا عينيه للحظة خاطفة كادت ألا تُلاحظ.
رأى الشاب الذي يرتدي ثيابًا سوداء من جلد الحيوانات من قبيلة الجبل الأسود – والذي يتصنع الغموض – يتقدم نحوه ووجهه ما يزال مغطى، وسار نحو أحد المسارات دون أن يلقي حتى نظرة على سو مينغ.
راقبه سو مينغ للحظة وهو يصعد الجبل والضباب يغطي المسار خلفه، ثم أزاح بنظره عنه وتوجه نحو سلم عادي المظهر. وفي اللحظة التي ألقى فيها خطوته الأولى، شعر وكأن الجبل بأكمله يرتجف، بينما انبعثت دفقة حرارة من الصفيحة المعلقة على صدره، استمرت في إشعاع الدفء دون أن تتسرب إلى داخل جسده.
وسرعان ما أحاطت به هالة كثيفة من الضباب، فلم يعد قادرًا على رؤية ما عن جانبه أو ما خلفه، وكان الشيء الوحيد الواضح له هو معالم سلم متعرج يمتد وسط الضباب أمامه، والشمس المعلقة فوقه في السماء.
خيم السكون على المكان، وأعطاه هذا الصمت الانطباع بأنه الوحيد المتواجد على هذا الجبل.
أخذ سو مينغ نفسًا عميقًا، ولم يتحرك فورًا بل أختار الشعور بضغط الأرض؛ وما إن اعتاد عليه قليلاً حتى تقدم إلى الأمام خطوة بخطوة، والنية والعزيمة تتألقان في عينيه.
لم يكن يعلم أنه في اللحظة التي دخلوا فيها جميعًا، انغلق الصدع تدريجيًا. أما شي هاي والأشخاص السبعة الآخرون فقد هبطوا من السماء وجلسوا متقاطعي الساقين في أنحاء متفرقة من الساحة.
وجعل جينغ نان، شيخ قبيلة تيار الريح، العملاق السحابي يختفي ونزل بدوره إلى الساحة، ثم توجه نحو مو سانغ، وأحاطت بهما هالة خفية من الهواء منعت أي شخص من التنصت على حديثهما.
كان هناك المئات من الحاضرين ما يزالون يملؤون الساحة، وكانت أنظارهم جميعًا متجهة نحو تماثيل النسور التسعة الضخمة الموزعة حولهم.
وأخذت الكلمات تظهر تدريجيًا على التماثيل التسعة:
المركز الأول: يي وانغ – 97 خطوة.
المركز الثاني: وو سين – 51 خطوة.
المركز الثالث: تشين تشونغ – 47 خطوة.
المركز الرابع: بي سو – 46 خطوة.
.
.
المركز 103: مو سو – 6 خطوات.
كانت الخطوات التي قطعها كل من يخوض الاختبار الأول تُعرض بوضوح أمام الجميع بفضل الصفائح التي بحوزتهم.
“كنت أعلم ذلك! المركز الأول لـ يي وانغ بـ 97 خطوة، والفارق بينه وبين المركز الثاني شاسع جدًا… انظروا، لقد تغير الرقم مجددًا! 115 خطوة! ألم يبدأ الاختبار للتو؟ إنه سريع بشكل مذهل!”
“من يكون بي سو هذا؟ لم أسمع باسمه من قبل! إنه ليس من قبيلة تيار الريح، ومع ذلك استطاع نيل هذا المركز المتقدم منذ البداية؟ سمعت أنه في الاختبار السابق تمكن يي وانغ من قطع 803 خطوات، وأتساءل إلى أي مدى سيصل هذه المرة! يزداد الأمر صعوبة كلما تقدموا، فمنذ إقامة أول اختبار لم يتمكن أحد قط من تجاوز 930 خطوة!”
كان شيخ قبيلة تيار الريح، جينغ نان، ينظر هو الآخر إلى تماثيل الطيور بجانب مو سانغ، وتعلوا وجهه ابتسامة وهو يتأمل الاسم المسجل: "مو سو".
“يا مو سانغ، لا بد أن هذا هو سو مينغ، أليس كذلك؟ ولكن بالنظر إلى مرتبته، سيكون من الصعب عليه الوصول إلى القائمة المتقدمة لأفضل 40 مشاركًا. ما رأيك؟ سأتساهل في الشروط قليلًا؛ إن تمكن من الدخول ضمن أفضل 60 فسينجح!”
لم يتكلم مو سانغ، بل اكتفى بالنظر بهدوء إلى اسم "مو سو" المدون على تمثال الطائر، وفي أعماق عينيه لمحة من الترقب والانتظار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.