مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 50: الطريقة الثالثة!نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 50: الطريقة الثالثة!

الفصل 50: الطريقة الثالثة!

في ليلة غاب فيها القمر وهبت فيها الرياح، عصفت العواصف داخل أسوار مدينة قبيلة تيار الريح وكأنها ثائرة، فرفعت الغبار عن الأرض نحو السماء، حاجبةً ضوء القمر.

ركضت شخصيات عديدة داخل المدينة الطينية في منتصف الليل كأنها تبحث عن شيء ما، ولكنها كانت تتخبط في ظلام الجهل؛ إذ لم تكن لديها أدنى فكرة من أين تبدأ البحث. وظل الوضع كذلك حتى بزغت أولى أشعة الشمس لتضيء الأفق البعيد، فبدأ الناس يتفرقون ويغادرون.

عاد بي لينغ إلى مقر إقامة قبيلة الجبل المظلم مجهدًا ومنهكًا؛ فقد خسر في تلك الليلة كمية كبيرة من الدم الصادر من بين حاجبيه، مما جعل جسده في غاية الضعف. فضلاً عن أنه شهد بأم عينيه تلك المعركة القصيرة والمروعة!

تذكر ذلك الرمح الذي انطلق نحوهم كالصاعقة وجعل الأرض ترتجف، ولا يزال صدى صراخ وو سين المغمور بالجنون والغضب يتردد في أذنيه. بالنسبة لبي لينغ، كان وو سين هو الشاب المبارك لقبيلة تيار الريح؛ ورغم أنهما كلاهما في المستوى السادس، إلا أن بي لينغ كان يعلم يقينًا أنه لا يستطيع الفوز عليه، بل… لم يجرؤ حتى على تحديه.

فهو لم يتدرّب على الفنون الاعتيادية للمحاربين، بل كرس تدريبه لتمثال سامي الـ بيرسيركير منذ صغره. وبدا أنه تمثال غامض من بين كافة تماثيل السامي داخل قبيلة تيار الريح؛ لأن من يحصلون على ميراثه يحتاجون إلى استغلال هالة الجثث في تدريبهم وجمع دماء المحاربين للتحول إلى هيئة الجثة المنيعة. وإذا نجح الممارس في ذلك، فسيغدو من الناحية العملية غير قابل للهزيمة.

‘من يكون ذلك الشخص الذي قاتل وو سين؟… لا أستطيع تقدير قوته، ولكن إن كان قد حاصر وو سين وحشره في الزاوية، فلا بد أن يكون محاربًا معروفًا هو الآخر. هل يعقل أن يكون من قبيلة الجبل الأسود؟’

أصبحت نظرات بي لينغ مظلمة؛ فهو أقوى بيرسيركر بين أقرانه في قبيلة الجبل المظلم، لكنه يعلم تمامًا أنه بمجرد مغادرة قبيلته لن يستطيع مجاراة الآخرين خارجها.

عاد بي لينغ إلى مقر إقامته وإلى غرفته وهو يحمل هذه المشاعر المعقدة، بجانب الحيرة والشك بخصوص اختبار الصباح. ولكن في اللحظة التي فتح فيها باب غرفته، اهتز جسده وانكمشت حدقتا عينيه، واقشعر بدنه وبدأ يتنفس بتسارع، بينما ارتسمت علامات الذهول والاندهاش على وجهه.

كانت هناك كرة من الدم الطازج تطفو فوق سطح الطاولة في غرفته، ذات لون أخضر فاتح وتتوهج بأسلوب غريب للغاية. لقد كان ذلك الدم المُنقّى الذي أجبره وو سين على إخراجه بالكامل من جسده عندما نقر بأصبعه على جبهته.

تملكه الذهول للحظة، ثم استدار فورًا ونظر خلفه، لكن لم يكن هناك سوى الظلام والهدوء التام ينشر سكونه في المكان. خفق قلبه بشدة في صدره، وبعد لحظة من الصمت دخل إلى غرفته، وظل يحدق في كرة الدم الطازجة والمألوفة المتروكة على الطاولة، بينما اضطربت مشاعره في داخله.

‘من يكون هذا الشخص؟… ولماذا ساعدني؟…’

وبعد فترة، أمسك بي لينغ بكرة الدم الطازج، وفي اللحظة التي لمسها فيها، ذابت داخل جسده وتحولت إلى موجة سارية من الدفء. جلس بي لينغ سريعًا متقاطع القدمين وبدأ بتدوير الدم في أوردته.

وفي الوقت نفسه، وفي غرفة أخرى داخل مقر قبيلة الجبل المظلم، كان سو مينغ يجلس متقاطع القدمين على الأرض، ووجهه شاحب وتظهر قطرات من الدم الطازج عند زاوية شفتيه.

ورغم ذلك، كانت عيناه تتألقان ببريق متوهج. خفض رأسه ونظر إلى كرة الدم الأخضر الداكن المستقرة في كفه، ثم ابتسم ببرود.

“إذن هذا هو عبقرية قبيلة تيار الريح! لا يُسمح لأحد بتجاوزه، وهو الوحيد المسموح له بالتفوق على الجميع! إنه ليس بتلك العظمة. إذا تمكنتُ من إكمال الحرق الثالث لدمي ومع هذا الرمح، فحتى لو لم أستطع قتله، فسيكون بمقدوري إصابته بجروح بالغة!”

رفع سو مينغ إحدى يديه ومسح الدم عن زاوية شفتيه، بينما ومضت نظرة حادة وقاسية في عينيه للحظة.

“لستُ مصابًا سوى بجروح طفيفة، وسأكون قادرًا على التعافي بمجرد تدوير الـ تشي في جسدي. لكن طريقة البيرسيركر التي تعلمها غريبة للغاية.”

ارتسمت صورة الجثث المحترقة والنار الخضراء في ذهن سو مينغ.

“إذا سنحت لي الفرصة، فأنا أود حتمًا مواجهة هؤلاء العباقرة! وبالنظر إلى مدى جنون وو سين داخل النفق، فلا بد أن هذا الشيء غاية في الأهمية بالنسبة له!”

نظر سو مينغ إلى الدم الأخضر الداكن بين يديه ووضعه في قارورة صغيرة. وبعد لحظة من التفكير، رفع يده وقبض على الهواء، فظهر أثير من ضوء القمر من العدم وأحاط بالقارورة الصغيرة، ثم اختفى.

وبمجرد أن وضع القارورة الصغيرة في جيبه، أغلق سو مينغ عينيه وبدأ بتدوير الـ تشي في جسده منتظرًا حلول الصباح.

مر الوقت، وسرعان ما انقشع ظلام السماء لتغدو أكثر إشراقًا، وحل الصباح!

كان هذا الصباح مختلفًا عن باقي الأيام؛ فهو اليوم الذي تقيم فيه قبيلة تيار الريح اختبار المشاركة لجميع القبائل المحيطة بالمنطقة، وهو حدث ينعقد مرة كل بضع سنوات!

وإلى جانب اختبار شباب البيرسيركر، كان الاختبار فرصة لجميع القبائل لإظهار قوتهم وآمالهم المستقبلية عبر استعراض المواهب الاستثنائية، وكان هذا يحدد أيضًا نظرة قبيلة تيار الريح تجاه تلك القبائل في المستقبل.

ومع إشراقة الصباح، تبع لي تشين و وولا وبي لينغ المبعوث القادم من قبيلة تيار الريح، برفقة الشيخ ورئيس الحراس وشان هين، مغادرين مقر إقامتهم.

وقف سو مينغ خارج المنزل يراقبهم وهم يغادرون. نظر إلى لي تشين الذي كان يلوح له بنظرة مفعمة بالثقة، ثم نظر إلى وولا التي تعلو وجهها الهادئ نظرة خفيفة من الازدراء، ثم إلى بي لينغ الذي ظل صامتًا وقد استعاد وجهه لونه الطبيعي وبدا بحالة صحية جيدة، لكنه استمر في تجنب النظر إليه.

وكان هناك الشيخ أيضًا الذي ابتسم ابتسامة غامضة وأومأ برأسه، بينما واصل رئيس الحراس النظر إليه بتعبير يعلوه الأسف، وأخيرًا نظر سو مينغ إلى شان هين الصامت الذي كان يلمع بريق غريب في عينيه الضيقتين، حيث حدق به للحظة.

ظل سو مينغ واقفًا في مكانه حتى بعد أن تواروا عن أنظاره ببطء. ومع ذلك بدأ جسده ووجهه بالتحول؛ ففي لحظات، تغير سو مينغ إلى رجل ضخم البنية، ذو بشرة داكنة قليلاً، يبدو عليه النضج والمهابة، ولا يختلف مظهره عن أي عضو عادي في قبيلة البيرسيركر.

كان التنكر الذي ارتداه سو مينغ هذه المرة مختلفًا عن ذلك الذي استخدمه في الليلة السابقة؛ فقبعة القش التي وضعها الشيخ داخل جسده كانت مذهلة بحق، إذ تمكنه من تغيير مظهره كما يشاء.

لم تظهر أي علامة من علامات الخوف على وجه سو مينغ وهو واقف هناك، بل رفع نظره إلى السماء وانتظر في سكون. كان يعلم أن هذا اليوم مصيري بالنسبة له، وأن أهميته لا تقل لدى شيخه.

ففي هذا اليوم، إما أن يحقق نتائج صادمة، أو… أن يهوى في أعماق اليأس.

لم يكن سو مينغ متأكدًا مما إذا كانت هناك قوة خفية تتحكم في أقدار البشر، فنظر إلى السماء التي كانت شديدة الزرقة ولا يستطيع أحد رؤية نهايتها.

“من بين كل الذين يعيشون على الأرض، من الذي يستطيع رؤية نهاية الأفق؟”

كانت هذه إحدى العبارات الافتتاحية في لفافة جلد الوحش، وعندما قرأها سو مينغ لأول مرة، شعر بالتأثر والحيرة في آن واحد.

“يتحدث الناس دومًا عن السماء والأرض، ولكن ما هما السماء والأرض؟ أتعنيان كل ما يقع تحت السماء؟ لو كان للسماء روح، لكانت روحًا قمعية! إنها تظلمنا نحن أبناء قبيلة البيرسيركر وتريد منا أن نذل أنفسنا…”

ترددت هذه الكلمات في ذهن سو مينغ.

وفي بعض الأحيان، كان يعتقد أن السماوات تملك روحًا بالفعل، لكنها روح قاسية وباردة للغاية؛ فلو لم تكن كذلك، فلماذا يوجد عباقرة ومباركين؟ ولماذا يوجد عامة الناس؟ ولماذا يوجد أشخاص مثل الشيخ، يمتلكون موهبة لا مثيل لها لكن حضورهم يصبح خافتًا ويغطى رأسهم بالشعر الأبيض مع مرور الزمن؟ وماذا عن أشخاص مثل ذلك الرجل ذو الرداء الأرجواني الذي يستطيع الارتقاء فوق الجميع والوصول إلى عالم الصحوة؟!

وهناك مشاعر بي لينغ المعقدة، ثم وو سين الذي يسلب قوى الآخرين…

“إن ظلم السماء غير مرئي، ولا يسعنا إلا تحمله، وأثناء تحمله يجب أن نتعلم كيف نتعايش معه… وإذا لم نفعل، فهل يجب علينا أن نحارب السماء؟”

كانت هذه هي الفقرة الأخيرة المكتوبة في مقدمة لفافة جلد الوحش.

لم يفهمها سو مينغ قط، وحتى الآن لم يدرك سوى جوهرها الشكلي. لقد سأل الشيخ عنها سابقًا، ولا تزال إجابة الشيخ راسخة في ذهنه:“هذا أمر في غاية البساطة ولكنه معقد جدًا في الوقت ذاته؛ فببساطة، يعني هذا أن السماء تضطهدنا نحن أبناء قبيلة البيرسيركر، وإما أن نختار تحمل ذلك برضا أو نثور ضد السماء… ومع ذلك فإن الجملة الأخيرة صيغت على هيئة سؤال.”

“وبحسب فهمي، فربما يعني هذا السؤال: هل توجد طريقة أخرى لمواجهة القدر غير التمرد على السماء؟… بمجرد أن تنضج وتكبر، ربما سيكون لديك فهم أعمق لها. وإذا أتى ذلك اليوم حقًا وحصلت على القوة التي تمكنك من تحقيق ما ترمي إليه الكلمات، فربما يمكنك التفكير في طريقة ثالثة للقتال، بدلاً من الانصياع للقدر أو التمرد عليه.”

“ففي نهاية المطاف، كان المكان الأخير الذي زرته هو المكان الذي حصلت فيه على لفافة جلد الوحش هذه، وهو أكبر أرض مقدسة للمحاربين رأيتها في حياتي!”

“ذلك المكان هو أرض يو العظمى… وصاحب هذه اللفافة هو عراف البلاط في يو العظمى…”

ظل سو مينغ هادئًا وهو يواصل التأمل في السماء الزرقاء. وبعد فترة طويلة، سمع وقع خطوات تقترب من بعيد، حيث كان ثمة شخص يسير نحوه بتمهل. حول سو مينغ نظره عن السماء ونظر إلى الشخص القادم.

كان يرتدي رداءً أبيض وله شعر أبيض، وكان وجهه مثقلاً بمشاقات الحياة، لكن ذلك أضفى على محياه حكمة وهيبة؛ إنه شي هاي!

نظر شي هاي إلى سو مينغ ورأى وجهًا غير مألوف بالنسبة له، ولم يفهم لمَ كلفه الشيخ جينغ نان بمهمة القدوم إلى هذا المكان وإحضار هذا الفتى للمشاركة في الاختبار سرًا.

“اتبعني.” لم يلاحظ شي هاي أي شيء مريب بخصوص سو مينغ، وبعد أن أنهى كلمته استدار وغادر.

حافظ سو مينغ على هدوئه وتبعه.

وفي اللحظة التي تخطى فيها الباب، رأى شي هاي يلوّح بيده من كمّ رداءه، وعلى الفور انتشر الضباب من جسده وأحاط بسو مينغ. قفز قلب سو مينغ لكنه لم يتراجع، وترك الضباب يلفه ويحمله في الهواء برفقة شي هاي، ليتحولا إلى طيف من الضباب وانطلقا مسرعين.

كانت هذه هي المرة الثانية التي ينظر فيها سو مينغ إلى الأرض من السماء، وظل يشعر ببعض التوتر، لكن شي هاي لم يكترث لقلقه بل زاد من سرعته. وبعد فترة، ابتعد بسو مينغ عن قبيلة تيار الريح متجها ناحية سهل شاسع في الشمال.

نظر سو مينغ إلى السهول الشاسعة أمامهم؛ ومن السماء كانت تبدو كبحر ترابي لا نهاية له، ومع اندفاع الضباب بهم بسرعة خاطفة، شعر سو مينغ بجسده كأنه يصطدم بحاجز غير مرئي. وفي اللحظة التي اخترقاه فيها، بدأ كل شيء حُولهم بالالتواء كالتموجات على سطح الماء، ثم سمع صوت شي هاي البارد في أذنيه:“لقد وصلنا!”

لم تعد السهول موجودة… بل كان هناك جبل شامخ موجود أمامهم!

لم يرى سو مينغ جبلًا بهذا الحجم في حياته قط! إنه أضخم وأعلى بكثير من الجبل المظلم؛ ولو وُضعا جنباً إلى جنب، لبدا الجبل المظلم كطفل صغر الحجم أمام هذا الجبل العملاق!

بدا وكأنه قد اخترق الغيوم بالفعل، فلم يكن بالإمكان رؤية قمته، ولم يظهر سوى نصفه السفل، بينما غطت بقية الجبل كتل من السحب البيضاء.

كان ضخامة الجبل تدعو للذهول!

واستطاع سو مينغ رؤية درجات صعود عديدة تمتد على الجبل وتصعد نحوه حتى تختفي بين السحب.

وكان هناك ميدان دائري شاسع عند سفح الجبل، تنتشر فيه تسعة تماثيل عملاقة لطيور، وينبعث من كل تمثال حضور وحشي عتيق يجعله يبدو مخيفًا للغاية.

وفي تلك اللحظة، كان هناك مئات الأشخاص يتواجدون في ذلك الميدان الضخم، يتوزعون في أرجائه ويتبادلون أطراف الحديث.

وقد جذب وصول سو مينغ أنظار الحاضرين في الميدان على الفور، لكنهم بعد أن ألقوا نظرة عليه، ابعدوا نظراتهم وواصلوا حديثهم فيما بينهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.