مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 489: قبل خمسة عشر عامًانحو 11 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 489: قبل خمسة عشر عامًا

الفصل 489: قبل خمسة عشر عامًا

“قبل خمسة عشر عامًا… لم يكن هناك شامان نهائي واحد فقط في عالم تسعة يين، بل ثلاثة! وإلى جانب الشامان القوي من معبد سامي الشامان، الذي كان من المفترض أن يكون هنا أصلًا، كان هناك أيضًا شامان أقوياء آخرون من قبائل أخرى.

“بعد انتهاء حدث المقامرة بالكنوز مباشرة، غادر عدد كبير من الشامان متفرقين، متجهين إلى الأراضي الثلاثة التي تتيح لهم الحصول على ميراثهم…”

“بدأ الكابوس في ذلك الوقت…”

“لن أنسى ذلك اليوم أبدًا، مهما امتد بي العمر. ظلت أنواع مختلفة من التغيّرات تظهر بلا توقف في نطاق مليون لي حول مدينة الشامان، وكانت تلك التغيّرات أشبه بقوة طرد هائلة تحاول إخراجنا نحن الدخلاء جميعًا من عالم تسعة يين.”

“اهتزت الأرض، وظهرت شقوق لا حصر لها في سطحها. وخرجت الخفافيش المقدسة من تلك الشقوق، وفي ذلك الوقت، كان القمر التاسع في السماء أحمر كالدم. وصبغ وهجه الدموي الأرض بأكملها.”

“بدت الغابات الممتدة بلا نهاية وكأنها قد دبت فيها الحياة من جديد. بدأت الأشجار تتحرك، وتعالت في جميع الاتجاهات صرخات غريبة وحادة تشبه أصوات البكاء.”

“ظهرت دوامات تدور بسرعة في السماء، الواحدة تلو الأخرى. ومع دورانها، انبعثت منها أشعة سوداء وهبطت نحو الأرض، وكل من لامسته تلك الأشعة وجدها تندمج فورًا مع روحه، فتغادر روحه جسده، ويتحول إلى فرد من أحد الأجناس المقدسة الثلاثة في هذه الأرض، وهم التائهون المتجولين.”

“وحدث تغيير أيضًا لأرواح تسعة يين في تلك اللحظة. فلم تعد تلتزم بالاتفاق الذي أبرمته مع الشامان في الماضي، بل بدأت تقتل جميع الشامان في عالم تسعة يين وتطاردهم لإخراجهم منه.”

“كان السبب وراء كل هذا خطة وضعها الشامان، خطة أعدّها معبد سامي الشامان ووافقت عليها جميع القبائل الكبرى!”

“تمثلت تلك الخطة في فتح الممرات المؤدية إلى عالم تسعة يين بالكامل، بحيث يتمكن جميع أفراد القبائل الكبرى من دخول عالم تسعة يين في الوقت نفسه ومن دون أي قيود!”

“إن كارثة الأراضي القاحلة الشرقية تقترب، ونحن مضطرون إلى القتال ضد البيرسيركر للاستيلاء على أراضيهم. وبصفتهم المحرضين الرئيسيين، نسق معبد سامي الشامان مع جميع القبائل الكبرى والخالدين الذين قدموا إلى أرض الشامان لتنفيذ الخطة، وكل ذلك من أجل الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأرواح، والحصول على أعلى درجات الحماية عندما تحل كارثة الأراضي القاحلة الشرقية بأرض الصباح الجنوبي بأكملها!”

“لقد أنشؤوا بنية رونية قوية للانتقال، حتى يحوّلوا عالم تسعة يين إلى ملاذ آمن للقبائل الكبرى في أرض الشامان ولمعبد سامي الشامان عندما تحل كارثة الأراضي القاحلة الشرقية!”

“ربما كان معبد سامي الشامان يستعد لهذه الخطة منذ زمن بعيد. وربما لم تكن نيتهم أصلًا استخدام هذا المكان ملاذًا آمنًا، بل كانوا يخططون لاستغلاله في أغراض أخرى. لكن في ذلك الوقت، ومع استمرار كارثة الأراضي القاحلة الشرقية في الاقتراب منا، تعاون معبد سامي الشامان مع القبائل الكبرى والخالدين، وأقاموا هذه الرونية في مدينة الشامان في نهاية المطاف!”

“إذا ذهبت إلى أنقاض مدينة الشامان، فمن المفترض أن تتمكن من رؤية بقايا الرونية حتى الآن.”

“أدى التفعيل النهائي للرونية إلى سلسلة من التغيّرات العنيفة في عالم تسعة يين. وعندما فتحنا الممر وسمحنا لجميع أفراد القبائل الكبرى بالدخول، استخدمت أرواح تسعة يين قدرة سامية مجهولة، وبُعث الرأس المعلّق على العمود الحجري الشاهق الذي بلغ عنان السماء في مدينة الشامان…”

“وكانت عودته إلى الحياة بداية هذه الكارثة.”

“انهارت الرونية، وأُغلق الممر المفتوح في السماء بواسطتها، ودُمّرت مدينة الشامان… هذه هي الأمور التي عرفتها وشهدتها بنفسي. وربما توجد أسرار أخرى لا يعرفها عامة الناس، لكنني لا أعرف عنها شيئًا.”

“لكن أرواح تسعة يين لم تتوقع وجود أكثر من رونية واحدة. فقد أنشأ الشامان ثلاث رونات في ثلاثة مواقع مختلفة داخل عالم تسعة يين. لكن… الظهور المفاجئ لتلك العاصفة المرعبة أفشل خطة الشامان تمامًا.”

“لا أزال عاجزًا عن نسيان تلك العاصفة. فقد اجتاحت العواصف الرملية السماء، ثم تجمّعت لتشكّل هيئة عملاقة. وكلما مرّت بمكان، تحولت جميع الكائنات الحية فيه إلى هياكل عظمية.”

“دُمّرت الرونتان الأخريان، وتمكن معظم الشامان الموجودين في هذا المكان من الهرب عبر الرونية الأخيرة قبل تدميرها. لكن ربما كان ذلك لأن الأجناس التي تعيش هنا تركت لنا عمدًا طريقًا ضيقًا للنجاة…”

“كان هناك بعض الأشخاص الذين لم يتمكنوا من الهرب. فعندما دُمّرت الرونية، أُجبروا على البقاء في هذا المكان. وبعد مرورهم بدورة من الموت والإقصاء فيما بينهم، اجتمع هؤلاء الأشخاص معًا. كان عددهم في ذلك الوقت عشرة آلاف شخص، لكن لم يتبقى منهم الآن سوى بضع مئات. هؤلاء الأشخاص هم نحن.”

كانت الأقمار التسعة معلّقة عاليًا في السماء، تشعّ بضوئها الساطع. لم تكن الأرض مظلمة تمامًا، لكن من ينظر إلى المسافات البعيدة سيجد أن المناطق هناك لا تزال غارقة في الظلام، بحيث يتعذر عليه رؤية ما فيها بوضوح. ولم تكن هناك سوى مناطق قليلة يضيئها ضوء القمر جيدًا.

كانت نار مخيم تشتعل بضعف في الوادي. والتفّت خيوط الدخان الأخضر مع الرياح وهي ترتفع نحو السماء وتندمج مع الظلام.

جلس نان غونغ هين بجانب النار. ترددت كلماته الهادئة في السماء، ثم اندمجت في النهاية مع الظلام، تمامًا مثل الدخان الأخضر.

جلس سو مينغ أمامه بصمت، مستمعًا إلى نان غونغ هين وهو يصف الأحداث التي وقعت قبل خمسة عشر عامًا. وبدأ يرسم في ذهنه مشاهد ما حدث في الماضي.

لقد صُدم عندما علم أن الشامان فكروا في استخدام هذا المكان ملاذًا آمنًا. فلو نجحوا حقًا، لما تكبّدت القبائل الكبرى للشامان أدنى خسارة عند انتهاء كارثة الأراضي القاحلة الشرقية.

“هل التائهون المتجولين الذين تتحدث عنهم مجموعة من الأرواح التي تتجول في الأرض وكأنها تفتقر تمامًا إلى أي ذكاء؟”

عندما تذكّر سو مينغ رؤيته آهو في مدينة الشامان، تنهد.

“أولئك من أدنى مستويات التائهين المتجولين. لا يمتلكون أي إرادة مما كانوا يمتلكونه عندما كانوا أحياء. واستنادًا إلى خبرتي في القتال ضدهم طوال السنوات الخمسة عشر الماضية، فإنهم جنس مقدس يتصرف كالعلقات. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي ينمون بها.”

“يلتصقون بأرواح الأحياء ويمتصون قوتها لينموا. وبمجرد تدمير الروح التي التصقوا بها، يكتمل نموهم. كما تختلف قوتهم باختلاف قوة الروح التي التصقوا بها”، قال نان غونغ هين بهدوء.

نظر سو مينغ نحو نان غونغ هين وسأله:“هل توجد طريقة لإنقاذهم؟”

“لقد حاولنا من قبل، لكننا لم ننجح رغم استخدامنا كل ما نملكه من وسائل. فبمجرد أن يلتصق هؤلاء التائهون المتجولين بالأرواح، يصبحون كيانًا واحدًا معها، ويصعب فصلهم… لكنني سمعت أن لديكم، أنتم البيرسيركر، قبيلة المنصة الشبحية[1]. ويُشاع أنهم تعمقوا كثيرًا في دراسة الفنون المتعلقة بالأرواح، وربما يتمكنون من إنقاذ هذه الأرواح.”

رفع نان غونغ هين رأسه ونظر إلى سو مينغ. فلو لم يكن قد أدرك حتى هذه اللحظة أن سو مينغ بيرسيركر، لما كان جديرًا بأن يصبح زعيم العشيرة المقدرة.

في الحقيقة، ما إن توقف سو مينغ عن ارتداء قناعه حتى كشفت له علامة البيرسيركر كل شيء. وتمكن كثيرون أيضًا من استنتاج هويته من خلال حديثه مع خادم دي تيان واختلاف فنونهما أثناء القتال.

لكنهم لم يعودوا شامانًا، بل أصبحوا العشيرة المقدرة. ولم يكن يهمهم من أين أتى سو مينغ، فضلًا عن كونه بيرسيركر.

“هذه كل الأحداث التي وقعت قبل خمسة عشر عامًا. أيها الشيخ مو المبجل، أرجو ألا تحمل في خاطرك ما حدث خلال حدث المقامرة بالكنوز. لم يكن بوسعي حقًا اتخاذ أي قرار قد يضر بمعبد سامي الشامان…”

سحب نان غونغ هين نفسًا عميقًا، ثم نهض وانحنى أمام سو مينغ انحناءة عميقة.

هز سو مينغ رأسه وقال: “لا داعي لذلك، يا أخي نان غونغ.”

“أيها الشيخ مو المبجل، أرجوك، كن الروح المقدسة للعشيرة المقدرة…”

انحنى نان غونغ هين له مرة أخرى.

تردد سو مينغ للحظة.

“بفضل قوتك، ربما لا تزال الأقوى بين جميع الشامان المتأخرين. وحتى إن لم تكن قادرًا على مواجهة الشامان النهائيين، فستظل أحد المحاربين الأقوياء في أرض الصباح الجنوبي بأكملها، وستصدم العالم حتمًا بحركة واحدة منك!”

“لا نستطيع المغادرة، ومن الصعب علينا البقاء على قيد الحياة هنا. إذا تخليت عنا، فسيموت جميع أفراد العشيرة المقدرة في هذا المكان قريبًا… لا أبالي إن مت، فالأمر لا يهمني، لكن هناك عددًا لا بأس به من الأطفال الذين وُلدوا هنا، وأنا…”

نظر نان غونغ هين إلى سو مينغ وتحدث بصوت خافت.

نظر سو مينغ إلى نان غونغ هين، وبعد صمت طويل، أغمض عينيه. مرّ الوقت ببطء، وبعد المدة التي يستغرقها احتراق عود بخور، فتح عينيه وأومأ برأسه نحو نان غونغ هين.

“إذا لم تكن هناك حقًا أي طريقة لمغادرة هذا المكان، فسأحمي العشيرة المقدرة. لكن بالمثل، إذا تمكنت من العثور على مخرج والعودة إلى أرض الصباح الجنوبي، فسيتعين عليكم جميعًا الاستمرار في إظهار الاحترام لي.”

“هل توافقون على ذلك؟” سأل سو مينغ بهدوء. لقد أثّر وجود العشيرة المقدرة في قلبه، كما أنه وجد صعوبة في رفض نان غونغ هين رفضًا تامًا بعدما ظل يتوسل إليه مرارًا وتكرارًا.

لكن لم يكن من العدل أن يعطي سو مينغ دون أن يحصل على شيء في المقابل. ولهذا، وضع شروطه الخاصة أيضًا عندما وافق على طلب نان غونغ هين.

أعلن نان غونغ هين بجدية: “نحن العشيرة المقدرة جنس منبوذ. لن ننسى أبدًا معروفك العظيم لنا! وبمجرد أن نتخذك روحًا مقدسة لنا، سنلتزم بكلماتك إلى الأبد!”

نظر سو مينغ إلى نان غونغ هين، وبعد فترة قصيرة أومأ برأسه. ثم نهض واتجه نحو الوادي. كان هناك في الداخل مسكن كهف تم افراغه خصيصًا من أجله.

راقب نان غونغ هين سو مينغ وهو يبتعد، وسحب نفسًا عميقًا قبل أن يرفع نظره إلى السماء.

“هل يمكننا العودة؟ لقد مرّت خمسة عشر عامًا. هي أيضًا اختفت من عالم تسعة يين في ذلك الوقت. يا تُرى أين يمكن أن تكون الآن؟”

تمتم نان غونغ هين بحزن.

عندما دخل سو مينغ مسكن الكهف، جلس بملامح هادئة، ثم لوّح بذراعه، فأصبح المكان أمامه ضبابيًا على الفور. وعندما تبدد ذلك الضباب، ظهر أمامه العجوز ذو الرداء الأسود الذي فقد أطرافه الأربعة.

سأل سو مينغ دون عجلة: “لماذا تناديني دائمًا بالمصير؟”

كان وجه العجوز شاحبًا. أغمض عينيه كما لو كان غارقًا في نوم عميق، ولم ينبس بكلمة.

انتظر سو مينغ للحظة، ثم رفع يده اليمنى. وفي اللحظة نفسها، ظهر السيف الأخضر الصغير. وما إن اكتمل تشكّله في يده حتى أحكم سو مينغ قبضته على مقبضه، ثم طعن به حلق العجوز وبدأ يسحب النصل ببطء إلى الأسفل.

قال سو مينغ بلا مبالاة: “لقد زرعت أعشابًا في أجساد أشخاص عدة مرات في الماضي. وكانت بذور تلك الأعشاب الطبية تمتص قوة حياة الشخص وتنمو عبر لحمه ودمه. وقد عانى كل من زرعت هذه الأعشاب في أجسادهم معاناة شديدة.”

ظل العجوز ساكنًا بلا حراك، وكأنه لم يسمع شيئًا مما قيل، وكأنه لا يزال غارقًا في نوم عميق.

“أنتم الخالدون تستطيعون الاستحواذ على أجساد الآخرين، ولهذا لا تكترثون بالعذاب الذي تتحملونه داخل أجسادكم.”

كان نصل سو مينغ قد شقّ بالفعل جرحًا بحجم كف اليد في صدر العجوز. تدفق الدم من الجرح، لكن العجوز لم يعره أي اهتمام.

“إذا كان الأمر كذلك، فلنرى إلى أي مدى يمكنك التحمل.”

وبينما ظلت كلماته الهادئة تتردد في الهواء، أعاد سو مينغ سيفه الأخضر الصغير إلى مكانه، ثم أشار بإصبعين نحو جرح العجوز. وفي الحال، هبّت في الهواء عاصفة قوية من الرياح، وتسللت إلى جسد العجوز عبر ذلك الجرح.

كانت تلك الرياح نسيمًا قويًا شكّله سو مينغ بصفته بيرسيركر الريح. اجتاحت الرياح لحم العجوز ودمه وهي تعصف، ومزّقت أحشاءه بلا انقطاع. جعل الألم الناجم عن ذلك الهجوم جسد العجوز يرتجف بعنف. فتح عينيه المحتقنتين بالدم بسرعة وحدّق في سو مينغ.

نظر سو مينغ إلى العجوز وسأله بهدوء:“لماذا تصرّ دائمًا على مناداتي بالمصير؟”

صرخ العجوز ساخرًا: “أيها الوغد، افعل ما تشاء! أنا لا أخشى الموت أصلًا، فلماذا أخشى حيلك التافهة؟ لن أخبرك بما تريد معرفته!”

“إذا أردت المعرفة، فامضي وأجري بحثًا في الروح. لكن حتى في حالتي الضعيفة، لن تتمكن بقوتك في مرحلة تكوين الروح سوى من تعذيبي، ولن تستطيع تفتيش روحي!”

تحمّل العجوز الألم الشديد في جسده وهو يصر أسنانه ويطلق ضحكة ساخرة باردة.

لكن الحقيقة أنه، رغم مظهره الذي يوحي بالصلابة الشديدة، كان الخوف من مصيره يملأ قلبه إلى حد بعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

******

[1]قبيلة المنصة الشبحية: هي القبيلة التي اقتحمها سو مينغ وإخوته الكبار لإنقاذ زي تشي.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.