الفصل 485: قوس الشيطان!
الفصل 485: قوس الشيطان!
“ماذا الآن؟! ألن تدعنا نرحل حقا؟!”
استدار الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي بسرعة، وحدّق في سو مينغ من الجو. كان صوته مخيفا، وفيه نبرة حادة بعض الشيء.
“هذا عالم المقدسات التسعة، ونحن الخفافيش المقدسة إحدى السلالات المقدسة. أما أنتم، أيها الشامان، فلا يتجاوز عددكم بضع مئات. أتريدون حقا أن تُبادوا؟ وأنت أيضا، حتى لو كنت تمتلك قوة استثنائية، فقد أسأت إلينا بالفعل، ولذلك ستموت حتما!”
كان صوت الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي قاتما، لكن سو مينغ أدرك بنظرة واحدة أنه لم يكن يفعل سوى التظاهر بالقوة.
ما إن أنهى الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي كلامه بنبرته الحادة، حتى عادت علامات الشراسة إلى وجوه الخفافيش المقدسة المحيطة به. احمرت أعينهم وهم يحدقون في سو مينغ. ربما كانوا خائفين، لكنهم اضطروا في تلك اللحظة إلى إظهار هذا المظهر الشرس.
“السيد… السيد مو، دعهم يرحلون فحسب…” تردد نان غونغ هين للحظة قبل أن يهمس لسو مينغ.
ألقى سو مينغ نظرة على نان غونغ هين. ما دام الموجودون هنا لا يرغبون في خوض مزيد من المعارك، فمن الطبيعي ألا يتدخل كثيرا، باعتباره غريبا عن المكان. وبعد أن يسأل عن الأمور التي يريد معرفتها، سينطلق للقيام بما يريد. فهو لن يمكث هنا طويلا.
“على الأقل، أنتم أيها الشامان تعرفون مكانتكم!”
تنفس الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي الصعداء في داخله، لكنه أطلق شخيرا باردا، مع الحفاظ على مظهره الشرس. كان واثقا من أن هؤلاء الشامان لن يجرؤوا على استفزازهم أكثر من اللازم، لكنه كان قلقا للغاية من مو سو، الذي بدا مرعبا إلى حد يفوق التصور في عينيه. وكان على وشك المغادرة بسرعة…
لكن في تلك اللحظة بالذات، كافح تاي مو، الذي كان فاقدا للوعي، ليفتح عينيه. وبمساعدة أفراد عشيرته الذين أسندوه، تحدث إلى سو مينغ بصوت أجش.
“لا تدعهم يرحلون! كيف يمكننا السماح لهم بالمغادرة بعدما قتلوا هذا العدد الكبير من أفرادنا؟! لولا وجودك هنا، لأبادونا جميعا! لماتت عشيرتنا بأكملها… لقد جلبوا إلينا الكثير من الحزن والضغينة! علينا الانتقام!”
“لكن…” تردد نان غونغ هين للحظة.
“لكن ماذا؟! إذا تركناهم يرحلون، فهل سيشكروننا؟! هل سيتوقفون عن مطاردتنا ومحاولة قتلنا؟! هل سيتوقفون عن اصطيادنا كما لو كنا فرائس؟! نان غونغ هين، أيها الأحمق!”
“الأخ مو، أرجوك، أرجوك هاجمهم! لا تدع أيا من هذه الخفافيش المقدسة يغادر! اقتلهم جميعا!”
كافح تاي مو لتحريك فمه. وبسبب انفعاله وغضبه، سعل كمية كبيرة من الدماء، ولم يتمكن من تجنب فقدان الوعي مجددا إلا بعدما أغلق فمه بقوة. جعل تنفسه المتقطع وجهه العجوز يبدو أكبر سنا، حتى بدا الآن كمصباح زيتي أوشك زيته على النفاد والانطفاء في أية لحظة.
“ما دمت ستساعدنا، فسنستمع إليك وننفذ جميع طلباتك. بل سنعترف بك سيدا لنا!”
ظهر احمرار خافت على وجه تاي مو، وكان ذلك دليلا واضحا على أنه يستنفد آخر ذرة من قوته، تماما مثل الوميض الأخير لمصباح زيتي أوشك على الانطفاء.
تغير تعبير الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي تغيرا جذريا في السماء، ومن دون أدنى تردد، فر هاربا بسرعة، غير مكترث حتى بأفراد عشيرته المحيطين به.
“كما تريدون، لكن لا داعي لأن تعترفوا بي سيدا لكم.”
ألقى سو مينغ نظرة على تاي مو. وعادت إلى ذهنه الأحداث التي جرت بينه وبين هذا العجوز. كانت هذه الذكريات مشوشة إلى حد ما في الأصل، لكنها بدأت تتضح تدريجيا في تلك اللحظة.
كان هذا العجوز قد بلغ بالفعل آخر مراحل حياته، ولم يعد قادرا على الصمود طويلا. وحتى لو امتلكوا علاجا معجزة في تلك اللحظة، فسيكون إنقاذ حياته أمرا بالغ الصعوبة، إلا إذا استطاع أن يحظى بفرصة استثنائية مثل سو مينغ، الذي نال بركة من تنين الشعلة.
تنهد سو مينغ، ثم حوّل نظره إلى الوادي المحيط به. رفع يده اليمنى وقبض على الهواء، فطار أحد أقواس الشيطان على الفور من يد شامان المعركة الواقف خارج مسكن كهفه. والتقطه سو مينغ بيده.
أمسك سو مينغ قوس الشيطان الأسود، ثم خطا خطوة في الهواء. وعندما بلغ السماء، نظر إلى مئات الخفافيش المقدسة وهي تتفرق وتهرب. أخذت نظراته تزداد برودة تدريجيا، وأمسك القوس بيده اليسرى، ثم رفع يده اليمنى وجذب الوتر. ومع أزيز خافت، شد قوس الشيطان، الذي لا يستطيع استخدامه سوى شامان المعركة، حتى نهايته.
عندما شد القوس، انتشرت خيوط من الضوء الذهبي من جسد سو مينغ، ثم تجمعت لتشكل سهما ذهبيا. وفي اللحظة التي أطلقت فيها يده اليمنى الوتر، انطلق الضوء الذهبي، وأثار موجة من التموجات التي هزت السماء. اندفع السهم بعيدًا كما لو كان يشق السماء بأكملها. ومع صوت انفجار مدوٍّ، اخترق السهم أجساد عدة خفافيش مقدسة، فماتت وتحطمت أجسادها.
لم يتوقف سو مينغ. شد قوس الشيطان مرة أخرى، وعلى الفور، اتجهت أنظار الجميع من حوله إليه، وخصوصا شامان المعركة، الذين حدقوا فيه بحماسة شديدة.
ففي نهاية المطاف، لم يكن شامان المعركة قادرين على شد أقواس الشيطان هذه إلا مرة واحدة. وإذا أرادوا شد القوس مرتين خلال فترة قصيرة، فسيضطرون إلى دفع ثمن باهظ ومدمر.
لكن سو مينغ شد القوس مرتين متتاليتين، من دون أدنى توقف بينهما. وكان هذا وحده كافيا لإظهار أن قوة جسده قد تجاوزت قوة الشامان الموجودين هنا بأضعاف عدة.
السهم الثاني، ثم الثالث، والرابع، والخامس…
وقف سو مينغ في السماء وواصل شد الوتر، حتى صار يسحب القوس مجددا بسرعة تكاد تجعله يفعل ذلك فور إفلات الوتر في المرة السابقة. شقت أصوات الأزيز الهواء، وملأت أصوات الانفجارات السماء والأرض. واندفعت أعداد هائلة من التموجات عبر السماء.
كان كل سهم ينطلق مصحوبا بصوت انفجار مرتفع، بينما تسقط عدة خفافيش مقدسة قتيلة وهي تطلق صرخات الألم. ولم يكن مهما مدى سرعتها في الهرب أو المسافة التي قطعتها بعيدا عن سو مينغ. كانت الأسهم تندفع نحوها لتنتزع أرواحها، وتقضي عليها واحدة تلو الأخرى بقوة تهز السماء.
خلال ثلاثين نفسا، أطلق سو مينغ نحو تسعين سهما، حتى تشوهت السماء، وتداخلت أصوات الانفجارات التي ظلت تتردد في الهواء، لتتحول إلى ضجيج يصم الآذان. كما جعل ذلك الخفافيش المقدسة التي كانت قد ابتعدت كثيرا ترتعد قلوبها من الخوف. وبدا عليها الذعر الشديد، وكأنها فقدت عقولها من شدة الرعب. كانت الأنفاس الثلاثون بالنسبة إليها أشبه بالجحيم، جحيما تحولت فيه هي نفسها إلى فرائس!
في كل مرة يصل فيها الصفير الحاد من خلفها، كان أحد أفراد عشيرتها يموت مطلقا صرخة حادة، وفي كل مرة يتردد فيها أزيز في الهواء، كان هناك احتمال كبير أن يكون ذلك آخر صوت تسمعه أذناها في حياتها.
كان هذا الرعب الشديد كافيا لتحطيم روح أي شخص وعقله تماما. وخلال ثلاثين نفسا، انخفض عدد الخفافيش من مئات إلى أقل من عشرين، وكانت جميعها لا تزال تهرب!
دفع هذا الرعب الخفافيش المقدسة المتبقية إلى إطلاق صرخات حادة من الخوف، بينما ارتجفت أجسادها. ثم بدأت، في يأسها، بالفرار بجنون، مستخدمة أقصى سرعة تستطيع بلوغها.
وعندما شد سو مينغ قوس الشيطان مرة أخرى، انكسر القوس إلى نصفين بصوت انفجار. لقد تجاوز الاستخدام المتواصل قدرته على التحمل، فتحطم بالفعل!
ظل الشامان الذين يشاهدون سو مينغ أفواههم مفتوحة من شدة الصدمة. كانوا يعرفون جيدا مدى قوة أقواس الشيطان، وكلما ازداد فهمهم لها، ازدادت صدمتهم مما رأوه.
وكانت الصدمة أشد لدى شامان المعركة على وجه الخصوص. فقد عجزوا تماما عن الكلام، لأنهم لم يستطيعوا تخيل مقدار القوة التي يحتاج إليها المرء حتى يتحطم قوس الشيطان لعجزه عن تحمل الشد المتواصل.
ألقى سو مينغ قوس الشيطان المحطم جانبا، ثم خطا خطوة إلى الأمام. وبمجرد تلك الخطوة، اختفى.
لم يكن هذا الاختفاء ناتجا عن سرعة حركة جعلت الناس عاجزين عن رؤية تحركاته بوضوح، بل لقد اختفى حقا. كان ذلك… انتقالا مكانيا!
في اللحظة التي اختفى فيها سو مينغ، ظهر من جديد في مكان بعيد، أمام أحد الخفافيش المقدسة مباشرة. لم يلاحظ الخفاش المقدس وصوله حتى. بل إن سو مينغ كان قد غادر بالفعل قبل أن ينعكس طيفه في حدقتي الخفاش.
وبعد رحيله، واصل الخفاش المقدس الاندفاع عشرات الأقدام إلى الأمام، قبل أن يفتح فمه، وقد ارتسم الارتباك في عينيه. عندها ظهرت فجوة دموية في منتصف جبينه، وسقط مباشرة نحو الأرض.
تكرر المشهد نفسه تباعا في السماء. ولقيت معظم الخفافيش المقدسة المنتشرة في المنطقة المصير ذاته. فقبل أن تتمكن حتى من ملاحظته، كان سو مينغ قد انتزع حياتها بالفعل.
تمكن أحد الخفافيش المقدسة ذات الخيط البنفسجي من استشعار ظهور سو مينغ أمامه، لكنه لم يستطع تفادي نقرة إصبعه اللامبالية على منتصف جبينه.
شعر ذلك الخفاش المقدس ذو الخيط البنفسجي بأن ذلك الإصبع يشبه قانون الكون نفسه. وما إن ظهر أمامه حتى انتابه إحساس بأنه عاجز عن الإفلات من مصيره. ثم أظلم بصره، وانفجر رأسه بصوت مدوي.
سحب سو مينغ إصبعه. لم تكن لهذه النقرة تسمية، بل كانت حركة قاتلة صقلها عبر تناسخات لا حصر لها، وسنوات لا نهاية لها قضاها في عالم الخلود الأبدي.
احتوت تلك النقرة على الاندماجات الكامنة في عالم الخلود الأبدي. وربما لم تكن اندماج سو مينغ بين الماضي والمستقبل، لكن مفهوم النقيض الثنائي كان كامنا فيها أيضا!
في تلك اللحظة، لم يتبقى في العالم سوى خفاشين مقدسين يفران بجنون. كان أحدهما الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي، أما الآخر فكان خفاشا مقدسا ذو خيط بنفسجي استخدم فنا غامضا من نوع ما، مما سمح لسرعته أثناء الهرب بأن تقترب من سرعة الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي، رغم إصابته.
كان الاثنان يهربان في اتجاهين مختلفين، تفصل بينهما مسافة شاسعة. وعندما نظر سو مينغ إليهما، لم يرى سوى نقطتين صغيرتين بعيدًا، أخذتا تتلاشيان تدريجيا.
بوجه هادئ، خفض سو مينغ رأسه ونظر إلى الأفعى الصغيرة التي كانت ترفع رأسها فوق كتفه. أشار بإصبعه إلى الخفاش المقدس ذو الخيط البنفسجي البعيد، فانطلقت الأفعى الصغيرة على الفور من كتفه كالصاعقة، مطلقة فحيحا، واندفعت مباشرة نحو ذلك المخلوق سيئ الحظ.
أما سو مينغ، فظل يراقب الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي، وفي عينيه لمحة من الفضول. في الحقيقة، حتى لو لم يستيقظ تاي مو، وحتى لو اقترح نان غونغ هين ألا يقضي على جميع هذه الخفافيش المقدسة، لكان سو مينغ قد تبعها سرا على أي حال.
‘تبدو هذه الخفافيش المقدسة شبيهة للغاية بأجنحة القمر… هل يمكن أن تكون هناك صلة ما بينها؟ لقد رأيت أيضا ذلك الميت يذكر سامي البيرسيركر الثالث عندما كنت داخل جسد تنين الشعلة… لقد تحولت أجنحة القمر من بيرسيركر النار، ووفقا لذكرياتي، قضى سامي البيرسيركر على بيرسيركر النار.’
‘أتساءل إن كانت هناك صلة ما بين هذه الأمور.’
ومض بريق في عيني سو مينغ، ثم اختفى من مكانه.
ظل وجه الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي قاتما كالسحب الرعدية في السماء، وامتلأت عيناه بالخوف والحذر. كان يشعر بأن جميع أفراد عشيرته قد ماتوا. ومرة أخرى، استولى عليه إحساس قوي بمدى رعب مو سو.
‘اللعنة، لماذا اضطررت إلى مواجهة كائن مرعب كهذا؟! إن قوة جسده وحدها تتيح له تحمل الضربات المباشرة لأكثر من اثنتي عشرة هجمة من خفافيش الخيط البنفسجي. لقد تجاوزت هذه القوة بالفعل ما أستطيع تحمله!’
‘حتى الشيخ الأكبر سيجد صعوبة في فعل ذلك! ما نوع الفنون التي مارسها هذا الشخص بالضبط؟ وكيف تمكن من بلوغ هذه القوة؟!’
‘اسمه مو سو. وبالنظر إلى ردود أفعال الشامان، يبدو أنهم يعرفون هذا الشخص معرفة وثيقة، وقد صُدم معظمهم من رؤيته. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن هذا الشخص لم يكن بهذه القوة في ذاكرتهم. فما الفرصة الاستثنائية التي نالها في عالم تسعة يين حتى يتحول إلى كائن مرعب كهذا؟!’
‘القمر العاشر… أيمكن أن يكون الأمر…؟’
استنشق الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي نفسا حادا عندما خطرت له فكرة محتملة. وظهرت في ذهنه ذكرى شق ظهر في القمر العاشر في السماء قبل شهر. كان يتذكر مظهر ذلك الشق جيدا، فقد بدا كما لو أن أحدهم يحاول تمزيق القمر من داخله.
وما إن فكر الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي في ذلك حتى تغير تعبير وجهه تغيرا جذريا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
********************
بالمناسبة….
سو مينغ الآن قوي… قوي بدرجة مرعبة… قوي بدرجة كبيرة، قوي ليس فقط جسديا ولكن عقليا، وأعتقد الجميع يعرف السبب.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.