الفصل 483: أنا أيضًا من الدخلاء!
الفصل 483: أنا أيضًا من الدخلاء!
كانت هذه معركة جنونية. فعلى مدار السنوات الخمسة عشر الماضية، عانى الشامان من نقص الأعشاب الطبية، وظلوا حائرين لا يعرفون ماذا يفعلون أو إلى أين يتجه مستقبلهم، بينما كانت الخفافيش المقدسة جميعها قوية للغاية.
خلال هذه السنوات الخمسة عشر، مات الكثير من أبناء الشامان وهم يقاتلون هذه الخفافيش المقدسة. كان معظم محاربيهم الأقوياء قد سقطوا بالفعل، ولم يبقى منهم سوى الشيوخ والصغار. ولم تكن لديهم القوة الكافية لتشكيل قوتهم القتالية الأساسية.
كما أن استنزاف إرادتهم جعل الخوف يتجذر عميقًا في قلوب الشامان تجاه الأعراق التي تسكن عالم تسعة يين، ولا سيما بعد ظهور خفاش مقدس ذو خيط ذهبي هذه المرة. كانت هذه ثاني مرة يظهر فيها خفاش مقدس ذو خيط ذهبي خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، لكن من الواضح أن الخفاش الحالي كان أقوى بكثير من نظيره الذي ظهر قبل نحو عشر سنوات.
لم تنجح كلمات نان غونغ هين وأفعاله إلا في إثارة حماسة الشامان للحظة وجيزة. وما إن بدأت المجزرة حتى لم تدم تلك الحماسة طويلًا.
ملأت صرخات الألم الحادة الأجواء. وأمام الخفافيش المقدسة الشاهقة، لم يكن أمام الشامان سوى المقاومة اليائسة. وحتى عندما كانوا يقاومون ويقاتلون، كانت أجساد الخفافيش المقدسة بمتانة أجساد البيرسيركر، وكانت قدراتها السامية تفوق قوة الشامان. كما أن أعدادها كانت كبيرة، ولذلك لم يكن من الممكن أن تنتهي هذه المعركة بالنسبة إلى الشامان إلا بكارثة ساحقة.
وكان الأمر أشد وطأة بسبب الخفافيش المقدسة ذات الخيط البنفسجي، التي تجاوز عددها اثني عشر بقليل. فقد امتلكت قوة تعادل قوة شامان متأخر، وأجسادًا بصلابة وقوة أجساد البيرسيركر في عالم روح البيرسيركر. وأينما ذهبت، تردد ضحكها الوحشي في الأرجاء، وكانت تمزق إربًا كل شامان يحاول قطع طريقها وهو لا يزال حيًا.
لم تكلف هذه الخفافيش نفسها عناء استخدام أي قدرات سامية؛ فأذرعها القوية كانت كافية لتحل محل كل شيء. انفصلت رؤوس الشامان عن أجسادهم، وانتُزعت أطرافهم، وتدفقت لحومهم ودماؤهم في كل مكان، لترسم في السماء مشهدًا سيظل محفورًا إلى الأبد.
سعل نان غونغ هين وبصق فمًا من الدم، ثم غرس رمحه الطويل، مصحوبًا بزئير خافت، في منتصف جبهة أحد الخفافيش المقدسة. ورفع يده اليسرى ولوّح بها، فتجمعت على الفور كمية هائلة من هالة الموت، مشكلةً دوامة حوله. وظهرت أعداد كبيرة من الأرواح الميتة داخل الدوامة، ثم اندفعت إلى ساحة القتال.
كان وسيط أرواح، لكن نان غونغ هين كان مختلفًا عن معظم وسطاء الأرواح، الذين يشفقون على الموتى ويعاملون الأحياء ببرود. فحتى تحوله إلى وسيط أرواح لم يستطع كبح طبيعته الصاخبة، وكان هذا السبب الأساسي الذي منعه من أن يصبح شامان متأخر.
ومع استمرار موت أبناء عشيرته خلفه وتناقص أعدادهم بسرعة، بينما كانت أصوات الانفجارات المدوية الناجمة عن تدمير الذات تتردد في الأرجاء، بلغت المجزرة ذروتها.
كان الذين دمروا أنفسهم هم أفراد العشيرة المسنون. وقد أصبح الدمار الذي أحدثوه قبل موتهم قوة دافعة لجميع الشامان.
“قاتلوا، حتى لو متنا!” زأر نان غونغ هين.
“قاتلوا من أجل أنفسنا! قاتلوا من أجل شعبنا! غيّروا مصيرنا بأيدينا في هذه المعركة! انتزعوا مستقبلنا وسط جنوننا!”
كانت عيون جميع الشامان قد أصبحت حمراء بالفعل. فإذا عجز أحدهم عن مواجهة هذه الخفافيش المقدسة وحده، قاتل اثنان معًا، وإذا لم يكفي اثنان، قاتل ثلاثة معًا!
ومع ذلك، حتى في ظل هذا الوضع، حيث لم تكن أعداد الخفافيش المقدسة أقل من أعداد الشامان، واستمرت حصيلة قتلى الشامان في الارتفاع، امتلأت السماء والأرض بالدماء، بينما ترددت صرخات الألم الحادة في كل مكان.
رأى نان غونغ هين، إلى يمينه، أحد أبناء عشيرته يُنتزع رأسه من عنقه مجددًا. اندفع الدم من الجرح، وسقطت بضع قطرات حتى على وجه نان غونغ هين.
لم يكن سوى اشتباك وجيز، ومع ذلك، لم يتبقى من الشامان سوى أقل من ثلاثمئة من أصل خمسمئة كانوا في البداية. لم يعودوا قادرين على التقدم، وأُجبروا باستمرار على التراجع تحت ضغط الخفافيش المقدسة التي هبطت عليهم من السماء. وظلوا يتراجعون حتى وصلوا إلى جوار حاجز الضوء الواقي.
استولى اليأس على نان غونغ هين. فقد راقب أبناء عشيرته وهم يموتون، وشاهد الوجوه التي أصبحت مألوفة له خلال السنوات الخمسة عشر الماضية تتحطم أمام عينيه، ولم يستطع فعل أي شيء لتغيير ذلك.
لكن عندما أُجبروا على التراجع حتى حافة الحاجز، ظهرت فجأة يد عملاقة في السماء، واندفعت نحو نان غونغ هين وبقية الشامان بسرعة مذهلة.
بدت تلك الكف من بعيد هائلة بصورة مرعبة، إذ بلغ حجمها عدة آلاف من الأقدام. ومع هبوطها عليهم، انتشرت أصوات الهدير في الأجواء. وفوق الكف مباشرة، كان الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي في منتصف جبهته. رفع يده اليمنى وضغط بها إلى الأسفل ببطء، بينما ارتسمت على زاويتي شفتيه ابتسامة ساخرة تنم عن الازدراء والاحتقار. ففي نظره، كان هؤلاء الدخلاء ضعفاء إلى درجة أنهم لا يستطيعون حتى المقاومة!
انتفخت عروق وجه نان غونغ هين وهو يزأر، وبدأ جميع أبناء عشيرته خلفه يحشدون قواهم بجنون لمقاومة تلك الكف العملاقة!
لم يكن موتهم هو الأمر الأهم؛ لأنهم إن عجزوا عن صد هذه الضربة، فلن يتمكن حاجز الضوء الواقي من الصمود طويلًا. وإذا تحطم الحاجز، فسيواجه الأطفال في الوادي وجميع أبناء عشيرتهم المصابين إبادة وحشية، دون أن تكون لديهم أي قدرة على المقاومة!
كانت اليد قد اقتربت إلى مسافة تقل عن خمسمئة قدم، عندما انطلق زئير من الوادي. وأمام أعين الجميع، اندفع رجل عجوز شاحب الوجه، يغطي رأسه شعر أبيض بالكامل، خارج الوادي. تحرك بسرعة هائلة، فاخترق حاجز الضوء في طرفة عين، وتجاوز نان غونغ هين والبقية، ثم توقف فوقهم مباشرة ليواجه تلك اليد بمفرده. رفع يده اليمنى، وقبضها، ثم لكم بها الكف العملاقة الهابطة.
“السيد تاي مو!”
“إنه السيد تاي مو!”
تعالت هتافات الفرح من الحشد. كان ذلك العجوز هو الشخص الذي أُصيب خلال المعركة السابقة وظل في غيبوبة منذ ذلك الحين، لأنه لم يتمكن من التعافي كما ينبغي؛ تاي مو!
وعندما حلت هذه الأزمة بالوادي بأكمله، استيقظ واندفع إلى الهجوم دون أن يأبه بنفسه. وفي اللحظة التي اصطدمت فيها قبضته بالكف العملاقة، سعل تاي مو فمًا كبيرًا من الدم. وانفجرت سحابة من الدماء حول جسده كله، ثم اندفع إلى الخلف مترنحًا كطائرة ورقية انقطع خيطها.
“أهذه أقوى قوة لدى الدخلاء في هذا المكان؟ أنتم ضعفاء إلى درجة أنكم لا تستطيعون حتى المقاومة… موتوا جميعًا، أيها الدخلاء!”
انطلق صوت بارد من السماء، وبدأت الخفافيش المقدسة تحوم في الأجواء المحيطة بالوادي، وقد ارتسم الازدراء على وجوهها. أما الخفافيش المقدسة ذات الخيط البنفسجي، التي تجاوز عددها اثني عشر بقليل، فقد أطلقت معظمها ضحكات ساخرة وهي تنظر إلى المشهد أسفلها.
كان المتحدث هو الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي، الذي أنزل تلك الكف العملاقة من أعلى نقطة في السماء.
غرق نان غونغ هين في اليأس، وسارع إلى دعم تاي مو. كان وجه العجوز قد فقد لونه تمامًا، وكانت عيناه مغمضتين بإحكام. لقد كان مصابًا بجروح خطيرة من الأساس، وبعد أن أجبر نفسه على الهجوم، أُصيب مجددًا إصابة بالغة. وفي تلك اللحظة، كانت حياته في خطر.
اندفعت اليد العملاقة نحوهم وسط أصوات الهدير المدوي. وعندما أوشكت على ملامسة نان غونغ هين والبقية، أطلق نان غونغ هين زئيرًا، وتراجع جميع الشامان إلى داخل حاجز الضوء. ثم شاهدوا بأعينهم الكف وهي تصطدم بالحاجز. دوّى انفجار هائل هز السماء والأرض، وتحطم حاجز الضوء، ليتحول إلى شظايا لا حصر لها تناثرت في جميع الاتجاهات.
في تلك اللحظة، لم يعد للوادي بأكمله أي شكل من أشكال الحماية!
بعد أن حطمت اليد العملاقة حاجز الضوء، لم تختفي، بل واصلت الهبوط نحو جميع الشامان في الوادي، وكأنها عازمة على تدمير كل شيء!
انهار الجبل. وتساقطت كميات هائلة من الصخور المتحطمة وتحولت إلى غبار. ولأن الأرض لم تستطع تحمل قوة تلك الضربة، ظهرت فيها شقوق، وكأنها توشك على التفتت.
لم تكن هناك جثث داخل الرون في الوادي، بل طبقات فوق طبقات من الرماد. ففي تلك اللحظة، تحوّل جميع الناس إلى رماد مع تفكك الرون.
وبينما كانت الصخور تتحطم وتتساقط من الجبال، احتضن الأطفال أمهاتهم في خوف داخل مساكن الكهوف المرتجفة. أغمضوا أعينهم وانتظروا أن يأتي الموت ليأخذهم.
ضحك نان غونغ هين ضحكة مكسورة، ثم رفع رأسه لينظر إلى اليد، وارتسم اليأس على وجهه.
“هناك، ذلك هو مستقبلنا… فليكن، فلنموت جميعًا…”
في تلك اللحظة، ظل الصوت البارد للخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي يتردد في الأرجاء، وكان الازدراء واضحًا تمامًا في كلماته.
“… موتوا جميعًا، أيها الدخلاء!”
لكن في اللحظة التي لم تعد فيها الكف العملاقة تفصلها عن نان غونغ هين والبقية سوى ثلاثمئة قدم، عندما استولى اليأس عليهم جميعًا—
انطلق صوت بارد مماثل، كالرعد بين السماء والأرض، حاملاً قوة طغت على قوة الخفاش المقدس ذو الخيط الذهبي!
“أنا…” كانت تلك أول كلمة تصدر عن ذلك الصوت. وما إن انطلقت في الأرجاء، حتى شعرت جميع الخفافيش المقدسة في السماء بريح عاتية تندفع نحوها من بعيد. كانت قوة الريح أشبه بزئير السماء الغاضب، حتى إنها دفعتها إلى الخلف رغمًا عنها.
“أيضًا…” كانت تلك الكلمة الثانية. عندما انطلقت الكلمة الأولى، شعر الآخرون بأن صاحب الصوت لا يزال بعيدًا، لكن عندما وصلتهم الكلمة الثانية، تخيل لهم أنها قيلت بجوار آذانهم مباشرة. كانت أشبه بدويّ رعد هائل يهدر في السماء، حتى إن جميع الخفافيش المقدسة التي سمعتها شعرت بأصوات مدوية تنفجر داخل عقولها وأرواحها.
بسرعة لا يمكن وصفها، ظهر وميض من الضوء الذهبي داخل الوادي، وتحوّل ذلك الضوء، أسفل الكف العملاقة مباشرة، إلى رجل. لم يكن بالإمكان رؤية وجهه بوضوح؛ فلم يظهر سوى رفعه ليده اليمنى ومدّه إصبعًا واحدًا، ثم نقره بلامبالاة ظاهرة منتصف الكف العملاقة.
“أنا…” كانت تلك الكلمة الثالثة. كانت هادئة، لكنها منحت الآخرين إحساسًا بأنها تحمل في داخلها نوعًا من القوانين الكونية التي طغت على جميع الأصوات في المكان!
كان ذلك الرجل ضئيلًا للغاية مقارنة بالكف، لكن في اللحظة التي لامس فيها إصبعه تلك الكف العملاقة، دوّى انفجار مذهل بعنف في الأجواء، وانتشر صوته على امتداد مئات اللي. كما اجتاحت موجة صدمة هائلة جميع الاتجاهات، وانتشرت مع دوي الانفجار كريح عاتية، وكأمواج هائجة تجتاح البحر.
ومع استمرار دوي الانفجار في الأرجاء، ارتجفت الكف العملاقة وبدأت تتشقق شبرًا بعد شبر، قبل أن تنفجر في النهاية، وتتحول إلى موجة صدمة اندفعت عائدة نحو السماء.
“… من الدخلاء!” نُطقت الكلمتان الأخيرتان ببطء، بينما تفتتت اليد وتراجعت إلى الخلف.
في تلك اللحظة، وبينما كانت الرياح العاتية تعصف بالمكان مصدرة عواءً غاضبًا، وقف الرجل في الهواء. تطاير شعره الطويل مع الريح، وكانت أرديته بيضاء كالثلج. كان رجلًا وسيمًا، تتوسط جبهته علامة على شكل معين. وعلى كتفه استقرت أفعى صغيرة رفعت رأسها وأخذت تهسهس بلسانها المشقوق.
وقف الرجل هناك، مستحوذًا على أنظار الجميع!
كانت نظرته عميقة، وكأنها تحتوي السماء بأسرها. وانتشرت موجات من الضوء الذهبي من مختلف أنحاء جسده، حتى بدا وكأنه يرتدي طبقة من الدروع الذهبية!
وإلى جانب عمق نظرته، كان في عينيه شيء يثير الرعب في قلوب الآخرين. فقد شعرت جميع الخفافيش المقدسة التي التقت أعينها بعينيه بأصوات مدوية تنفجر داخل عقولها، وكأن أجسادها ستتفكك بمجرد إلقاء نظرة واحدة في عينيه.
كانت هذه قوة من نوع خاص، قوة تفوق جميع أشكال القوة الموجودة في هذا المكان!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.