الفصل 481: العشيرة المقدرة(الجزء الأول)
الفصل 481: العشيرة المقدرة(الجزء الأول)
في الوادي الذي أقام فيه ما يقرب من ألف شامان، كانت هناك سحب سوداء تندفع نحوهم. أمكن رؤية مئات الخفافيش المقدسة ذات الأجنحة على ظهورها، متراصة بكثافة داخل تلك السحب. بدت جميعها بشعة، وبرزت من أفواهها أنياب حادة. وكان وهج أحمر قاتل يشع من عيونها، ساطعًا إلى حد أنه غطى السماء والأرض.
بدت الخفافيش المقدسة مرعبة للغاية. كانت أجسادها سوداء بالكامل، وكان حجمها لا يقل عن ثلاثة أضعاف حجم الشامان العادي، إذ بلغ طولها قرابة عشرين قدمًا. وكانت أذرعها غليظة، وبدا كما لو أنها قادرة على تمزيق أي شخص إربًا.
لم تكن ترتدي ملابس، بل كانت أجسادها مغطاة بريش ناعم يشبه أردية طويلة. وكان كل واحد منها تقريبًا يحمل في يده نصلًا مستدير الشكل. اتسمت الأنصال باللون الأحمر، كما لو أنها صُبغت بدماء حديثة.
ترددت الزئيرات في الهواء. وتحت ضوء الأقمار في السماء، بدت الخفافيش المقدسة كأنها شياطين قاتلة تقترب أكثر فأكثر من وادي الشامان.
وقف نان غونغ هين، وقد ابيض شعر صدغيه، على المنصة في الوادي. نظر إلى الخفافيش المقدسة التي كانت تقترب منهم من السماء، ثم سأل بصوت خافت:“ما حال السيد الكبير تاي مو؟”
بعد فترة من الصمت، أجابه بهدوء أحد الأشخاص الاثني عشر الواقفين بجانب نان غونغ هين: “لا يزال السيد الكبير تاي مو غارقًا في نوم عميق… لم تظهر عليه أي علامات تدل على استيقاظه. لقد أُصيب بجروح بالغة في المرة الماضية. كما أننا لا نملك ما يكفي من الأدوية، وحتى لو استيقظ، فستنخفض زراعته كثيرًا.”
“وماذا عن السيد الكبير هي يا؟” تنهد نان غونغ هين وطرح سؤالًا آخر.
“أرسلنا شخصًا لطلب مقابلة السيد الكبير هي يا في وقت سابق، لكنه دخل العزلة فجأة لسبب ما، ورفض مقابلة أي أحد. بل إنه أغلق مسكن كهفه أيضًا…”
بينما كانوا يتحدثون، أخذت السحب السوداء في السماء تتلاطم بعنف وتهبط نحوهم بسرعة خاطفة. وفي الوقت نفسه، انطلقت في الهواء صرخات حادة امتزجت بالإثارة. اندفعت ثمانية من الخفافيش المقدسة إلى الأسفل مباشرة نحو الوادي.
كانت تلك الخفافيش المقدسة سريعة للغاية، وبدا كما لو أنها على وشك الوصول إليهم. وقف نان غونغ هين على المنصة وحدق فيها بنظرات حادة، بينما تلألأ في عينيه نية القتل.
تفاعل الأشخاص الاثنا عشر الواقفون خلفه بالطريقة نفسها. قبض بعضهم على أيديهم حتى تشنجت، وارتسمت على وجوههم تعابير مفعمة بالحقد. ولم يكونوا وحدهم من تصرف على هذا النحو؛ فقد رأى الشامان المختبئون في الوادي ذلك المشهد جميعًا. كان كابوسًا يطارد أحلامهم، لكنه في الوقت نفسه واقع وحشي يجري أمام أعينهم مباشرة.
بعد لحظات، أصبحت الخفافيش المقدسة على بُعد أقل من مئتي قدم من قمة الوادي. أطلقت صرخات متحمسة واندفعت إلى الأمام، لكن ما إن وصلت إلى مسافة مئة قدم من الوادي حتى دوى انفجار عالٍ في الهواء، وظهرت شاشة ضوئية وهمية حول الوادي. وفي تلك اللحظة، ظهرت تموجات عنيفة على الشاشة الضوئية، واصطدمت بها الخفافيش المقدسة الثمانية.
ومع ذلك، لم تُصب بأي أذى على الإطلاق، بل لم تُدفع سوى إلى الخلف لمسافة تزيد قليلًا على مئة قدم.
“لم تتغير استراتيجية الخفافيش المقدسة القتالية قط. ما زالت تحاول استدراجنا إلى قتالها حتى تحولنا إلى فرائس لها.
“أصبحت أجسادها المادية الآن تضاهي أجساد البيرسيركر الذين بلغوا ذروة المرحلة المتوسطة من عالم التضحية بالعظام… بل إنها أقوى حتى مما كانت عليه في المرة السابقة. وفي المرة القادمة التي تأتي فيها، قد تصبح أجسادها المادية تضاهي أجساد البيرسيركر في المرحلة المتأخرة من عالم التضحية بالعظام”، همست امرأة عجوز نحيلة وهزيلة، كانت تقف بين الأشخاص الاثني عشر أو نحو ذلك خلف نان غونغ هين، وكانت عيناها محمرتين.
“لقد تحسنت هذه المرة حتى القوة الجسدية للأفراد العاديين من عرقها الذين شاركوا في الغزو. وهذا يعني أن القوة الجسدية للخفافيش المقدسة المصنفة ضمن رتبة الخيط البنفسجي قد بلغت بالفعل مستوى البيرسيركر في المرحلة المتأخرة من عالم التضحية بالعظام.”
بينما كانت المرأة العجوز تتحدث، بدأت الشاشة الضوئية في الوادي، التي صدت الخفافيش المقدسة الثمانية، تشع ضوءًا ساطعًا. أخذت أشعة الضوء تتقاطع فيما بينها في الهواء، وتحولت إلى شبكة هائلة اندفعت نحو الخفافيش المقدسة الثمانية، محاولةً حبسها جميعًا بداخلها.
لكن في اللحظة التي اقتربت فيها الشبكة منها، وضع أحد الخفافيش المقدسة الثمانية يده اليمنى أمام صدره، وانطلقت من فمه سلسلة من التعاويذ المعقدة التي يكاد يستحيل فهمها. ومع تردد أصداء تلك التعاويذ في الأرجاء، بدا كما لو أن الهواء خلف الخفاش المقدس قد تمزق، وانطلق خفاش عملاق أحمر كالدم.
كان حجم ذلك الخفاش الأحمر كالدم يبلغ عشرات الأقدام، وما إن اندفع إلى الخارج حتى اتجه مباشرة نحو الشبكة وهو يزأر. وفي اللحظة التي تلامسا فيها، انفجر الخفاش الأحمر كالدم وتحول إلى مئات الشرارات الحمراء التي اصطدمت بالشبكة مباشرة. اهتز العالم، وتفككت الشبكة على الفور. بدت الشرارات الحمراء المئات وكأنها تحتوي على حياة، إذ أخذت تسبح في جميع الاتجاهات، شبيهة بمئات الأرواح الهائمة القرمزية الحمراء.
“لقد ازدادت قوة قدراتهم السامية أيضًا بمقدار كبير. وهذا واضح للغاية مقارنة بالمرة السابقة. حتى الخفافيش المقدسة العادية باتت تمتلك الآن قوة تعادل قوة الشامان المتوسطين في منتصف المرحلة…”
“إذا… لم تقع أي حوادث ولم نقدم أي قرابين، فإن فرص فوزنا تبلغ 16%، بشرط أن نتمكن من الحفاظ على الشاشة الضوئية… لكن ثمن ذلك هو أن الشاشة الضوئية ستستنزف حياة ما بين ثلاثمئة وخمسمئة من أفرادنا حتى الموت”، قالت المرأة العجوز بصوت أجش، وقد تسلل الحزن إلى نبرتها.
التزم نان غونغ هين الصمت. ولم ينطق الأشخاص الواقفون خلفه بأي كلمة هم أيضًا.
اندفعت عشرات الشخصيات الإضافية من السحب السوداء في السماء، وهرعت مباشرة نحو الشاشة الضوئية لتنضم إلى الثمانية الآخرين من عرقها.
ترددت أصوات الانفجارات في الهواء.
كان هناك مكان خالٍ في الوادي يتوسطه رون عملاق يبلغ حجمه عدة آلاف من الأقدام. وفي تلك اللحظة، كان عدد من الشامان يجلسون متربعين داخل الرون.
كان جميع هؤلاء الشامان نحيلين وشاحبي الوجوه. وبينما كانوا جالسين داخل الرون، كانت قوتهم تُستنزف باستمرار لتصبح المصدر الذي يُبقي الرون يعمل.
لم يكن هذا الرون ثابت، بل كان يتلألأ باستمرار، وكان تواتر ومضاته يتناسب طرديًا مع معدل الضربات الموجهة إلى الشاشة الضوئية. وكلما ازدادت الشاشة الضوئية سطوعًا، ارتجف الشامان الثلاثون أو نحو ذلك، وسعل بعضهم دمًا طازجًا. بدوا على وشك الانهيار، لكن قبل أن يسقطوا، كان أحد الواقفين حولهم يتقدم فورًا ويحملهم بعيدًا، ثم يحل شخص آخر محلهم لمواصلة إبقاء الرون يعمل.
أما الذين كانوا يُحملون بعيدًا، فكانوا يجلسون على الفور جانبًا ويمارسون تمارين التنفس دون إضاعة لحظة واحدة، محاولين استعادة أكبر قدر ممكن من قوتهم.
لكن بعضهم لم يُنقلوا بعيدًا في الوقت المناسب. ومع استمرار الرون في التوهج وامتصاص حياتهم، بدأ هؤلاء يضحكون ضحكات متقطعة، بينما أخذت أجسادهم تجف بسرعة. وعندما تحولوا في النهاية إلى هياكل عظمية، تفتتت أجسادهم إلى غبار وتبعثرت في الهواء. فقد تحولت حياتهم وهالاتهم بالكامل إلى طاقة تُبقي الرون يعمل.
ومع مرور الوقت، ارتفع عدد الخفافيش المقدسة التي كانت تصدم نفسها بالشاشة الضوئية في السماء خارج الوادي إلى ما يقرب من مئة خفاش. أخذت هذه الخفافيش تصطدم بالشاشة باستمرار، مطلقة صرخات غريبة، ما جعل الشاشة الضوئية تصدر أصوات طقطقة، كما لو أن الحفاظ على شكلها أصبح بالغ الصعوبة، وأنها قد تتفكك في أي لحظة.
“سيدي، دعنا نهاجم! لقد مات ستة عشر من أفرادنا بالفعل بسبب الرون!” قال أحد الأشخاص الواقفين خلف نان غونغ هين باضطراب.
هز نان غونغ هين رأسه بصمت، وقد شحب وجهه.
استمرت أصوات الدمدمة في التردد في جميع الاتجاهات. وبعد لحظات، ارتفع عدد الخفافيش المقدسة التي تهاجم الشاشة الضوئية إلى نحو مئة وخمسين خفاشًا. وعندما وصلت صرخات الخفافيش المقدسة إلى آذان الشامان، ارتجفت قلوبهم.
“انتظروا قليلًا بعد. ليست لدينا سوى فرصة واحدة، ولا يمكننا إهدارها…” صر نان غونغ هين على أسنانه وهمس بصوت خافت.
“سيدي، لقد مات ثلاثة وأربعون من أفرادنا بالفعل أثناء الحفاظ على الرون. إذا استمر هذا الوضع، فسيموت المزيد.”
نظر نان غونغ هين إلى الخفافيش المقدسة التي بلغ عددها قرابة مئتي خفاش خارج الشاشة الضوئية، ثم إلى السحب السوداء فوقهم، وأطبق فكيه.
“استعدوا لأقواس الشياطين!”
ما إن نطق بهذه الكلمات حتى تحرك أحد الأشخاص من المجموعة الواقفة خلفه على الفور. وبعد نحو اثني عشر نفسًا، خرج تسعة رجال من بعض مساكن الكهوف في الوادي.
كان هؤلاء الرجال التسعة جميعًا من شامان المعركة. وقفوا على الشرفات المتصلة بمساكن كهوفهم، رافعين رؤوسهم نحو السماء. وكان كل واحد منهم يحمل قوسًا أسود كبيرًا بين يديه.
كانت تلك الأقواس أطول من الإنسان العادي، وبدأ الرجال التسعة في شد أوتارها ببطء. وما إن شدوا أقواس الشياطين إلى أقصى حد حتى خرج من خلف كل واحد منهم ثلاثة وسطاء أرواح، وثلاثة صائدي أرواح، وثلاثة عرافي الأفكار.
بدأ وسطاء الأرواح في التمتمة بالتعاويذ، فتجمعت موجة كثيفة من هالة الموت من أسفل الوادي، واندفعت مباشرة نحو أقواس الشياطين التي كان شامان المعركة التسعة يشدون أوتارها، لتتحول إلى سهم خافت فوق كل قوس!
فتح صائدو الأرواح أعينهم، واضطربت في الهواء القوة الغريبة التي تميز صائدي الأرواح، كما لو أن عقولهم وأرواحهم قد تجمعت داخل الأسهم في أقواس الشياطين، ولن تتبدد أبدًا.
أما عرافو الأفكار، فأغمضوا أعينهم كما لو أنهم دخلوا في حالة من النشوة. وفي اللحظة التي أغمضوا فيها أعينهم، ظهر وهج أبيض على الفور في عيون شامان المعركة التسعة المحتقنة بالغضب. بدا كما لو أنهم فقدوا أرواحهم في تلك اللحظة، إذ أصبحت عيونهم البيضاء فارغة.
“شدوا أقواس الشياطين!” زأر نان غونغ هين.
وفي اللحظة التي تردد فيها صوته في أرجاء الوادي، أطلق شامان المعركة التسعة زمجرة وشدوا أوتار أقواس الشياطين أكثر قليلًا. تمزقت عضلات أكتافهم وأذرعهم، وبينما كانت الدماء الطازجة تسيل على أذرعهم، واصلوا شد الأوتار حتى بلغت أقواس الشياطين أقصى امتداد لها، ثم أطلقوا الأوتار فجأة.
ترددت أصوات طنين في الوادي على الفور، وارتد صداها بين السماء والأرض. وفي الوقت نفسه، اندفعت تسعة تنانين سوداء من الوادي بسرعة هائلة، واخترقت الشاشة الضوئية الواقية، وانطلقت مباشرة نحو مئتي خفاش مقدس كانوا خارجها مباشرة.
ملأت صرخات الألم الحادة المنطقة على الفور. كانت الأسهم التسعة مشبعة بموجة من الجنون وقوة لا تتوقف عن التقدم. وما إن اخترقت أجساد تسعة من الخفافيش المقدسة حتى واصلت اندفاعها متجاوزة أجسادها دون أن تفقد شيئًا من قوتها!
انتشرت أصوات الانفجارات في الهواء، وانفجرت أجساد جميع الخفافيش المقدسة التي اخترقتها تلك الأسهم، وتحولت إلى أشلاء من اللحم والدم تناثرت في كل مكان.
أودى كل سهم من أسهم الشياطين التسعة بحياة ثلاثة خفافيش على الأقل. وعندما استُنفدت القوة المتبقية في الأسهم التسعة، لم تختفي، بل انفجرت بدلًا من ذلك. وتحول ذلك الانفجار إلى موجة من هالة الموت غطت الشاشة الضوئية بأكملها في السماء.
“سنتخذ من هالة الموت طُعمًا، ثم نطلق قوتها دفعة واحدة!” أطلق نان غونغ هين صيحة مدوية، فاهتز الوادي على الفور. واندفعت خيوط من هالة الموت من الأرض، وتجمعت في مركز الوادي، حتى غدا الوادي محجوبًا عن الأنظار.
وبعد عدة أنفاس، وقع انفجار. ومع دويّ هائل، اندفعت كل هالة الموت الموجودة داخل الوادي إلى الخارج، واصطدمت بالخفافيش المقدسة في السماء كأنها عمود هواء عملاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.