الفصل 480: الرون!
الفصل 480: الرون!
في ذلك اليوم، وبعد مرور عدد مجهول من السنين منذ أن دخل سو مينغ ذلك المكان، اصطحب أفعاه الصغيرة وغادر مقبرة تنين الشعلة. وعندما خرج من تلك المنطقة، وقف على الجبل وأدار رأسه ليلقي نظرة إلى الخلف.
لم يعد الضباب الذي كان يغطي مقبرة تنين الشعلة عند سفح الجبل موجودًا. وعندما نظر سو مينغ إلى المكان، لم يستطع العثور على جسد تنين الشعلة العملاق أيضًا.
طفَت في ذهنه ذكريات كل ما مر به منذ دخوله ذلك المكان. الضباب القاتل، والقتال داخل جسد تنين الشعلة، والتجسدات في عالم الخلود الأبدي، والتغير الذي طرأ عليه أثناء البركة والاختبار.
أصبح كل ذلك الآن أشبه بحلم بعيد بالنسبة إليه، ولم يعد يبدو حقيقيًا. ففي نهاية المطاف، أمضت روحه وقتًا طويلًا للغاية في عالم الخلود الأبدي.
حتى بعد استيقاظه من ذلك الحلم، سيظل من الصعب عليه التعافي من آثاره لبعض الوقت.
بعد فترة قصيرة، حول سو مينغ نظره. كانت الأفعى الصغيرة جالسة على كتفيه وتنظر هي الأخرى إلى مقبرة تنين الشعلة. وبدأت تظهر في عينيها تدريجيًا مشاعر عدم الرغبة في الفراق. بالنسبة إليها، كان هذا المكان موطن أقاربها، والمكان الذي منحها حياة جديدة، وكذلك المكان المقدس الذي حوّلها إلى تنين شعلة.
انطلق سو مينغ. خطا خطوة إلى الأمام وسار نحو السماء، متجهًا إلى المكان الذي تقع فيه مدينة الشامان وفقًا لما يتذكره.
ربما كان قد نشر إحساسه الروحي في وقت سابق، لكن نطاقه لم يكن واسعًا؛ فلم يتمكن سوى من استكشاف المنطقة المحيطة به. وإذا أراد معرفة المدة التي انقضت، فقد شعر بأن مدينة الشامان هي المكان الذي يستطيع العثور فيه على الإجابة.
أخذت ذكرياته المشوشة تتضح تدريجيًا مع استعادة صفاء ذهنه. بدت تلك الذكريات بعيدة للغاية بالنسبة إلى سو مينغ، لكنه ظل يحلّق ببطء في السماء مسترشدًا بها.
لم يصادف أيًّا من الشامان طوال رحلته، لكن الأراضي التي رآها كانت مختلفة اختلافًا كبيرًا عما يتذكره.
ظل صامتًا طوال الطريق. وبعد عدة أيام، وصل إلى مدينة الشامان، فرأى الأنقاض الممتدة على الأرض؛ أنقاض مدينة الشامان. جعلته بقايا المدينة المتناثرة في كل مكان أكثر صمتًا.
وقف سو مينغ فوق الأنقاض ونظر إلى الأرض. وبعد وقت طويل، هبط ببطء إلى الأسفل، ثم وطئت قدماه الأرض وبدأ السير داخل الأنقاض.
وبينما كان يتقدم، أخذت تظهر على وجهه تدريجيًا ملامح شرود الذهن. بدا وكأن وهمًا يتشكل أمام عينيه. فكلما ذهب إلى مكان، رأى مجد المدينة في الماضي. لكن ما إن تتشكل مشاهد ذلك المجد أمام عينيه، حتى يتحول كل شيء إلى الأنقاض الموحشة الممتدة أمامه.
“ما الذي حدث بالضبط؟”
تمتم سو مينغ بذلك، ثم توقف عن السير وسط الأنقاض، وسقط نظره على منزل منهار. كان هذا هو النزل الذي أقام فيه منذ زمن بعيد.
توقف هناك للحظة، ثم واصل التقدم. أخذ يسير تدريجيًا في شوارع الماضي، وعبر القصر الذي حصل فيه على الحماية من أرواح تسعة يين. لكنه عندما وصل إلى هناك، لم يرى القصر. بدا الأمر وكأن أحدهم انتزعه من مكانه، فاختفى في الهواء. ولم يبقى في ذلك المكان سوى الفراغ.
رفع سو مينغ رأسه. لم يرى العمود الحجري العملاق الذي كان يمتد إلى السحب، وبالطبع لم يستطع رؤية ذلك الرأس الضخم المرفوع فوق العمود الحجري. لم يرى سوى ثقب هائل في السماء، تحيط به أغصان يابسة عديدة كانت تشكل ختمًا له.
عندما وصل سو مينغ إلى مركز الأنقاض، حيث الساحة التي أُقيم فيها حدث المقامرة بالكنوز، انكمشت حدقتاه.
رأى حفرة هائلة في الأرض، وكانت على شكل خماسي الأضلاع. وقد امتدت على مساحة يبلغ طولها عدة عشرات الآلاف من الأقدام.
عندما وقف عند حافة الحفرة، ظهر على وجه سو مينغ تعبير قاتم. انحنى وانتزع بعض التراب من حافتها. واستطاع أن يشعر ببقايا قوة بعض الفنون السامية الكامنة فيه.
“هذا رون!”
رفع سو مينغ رأسه. كان الثقب الموجود في السماء يقع مباشرة فوق الحفرة!
عقد سو مينغ حاجبيه. وبينما كان غارقًا في أفكاره، رفع يده اليمنى فجأة وأشار إلى الخلف. بدت تلك الحركة عفوية للغاية، لكنها منحت من يراها إحساسًا وكأنها مرت بعدد لا يُحصى من مراحل التطور. كما بدا أن تلك الإشارة الواحدة تحتوي على الزمن نفسه. كانت تبدو بسيطة، لكن في اللحظة التي أشار فيها، ظهر شق عميق في الهواء بالاتجاه الذي أشار إليه.
بدا وكأن الفضاء نفسه عاجز عن تحمل قوة تلك الإشارة. وتردد صوت مرتفع في الهواء. لم يدر سو مينغ رأسه إلى الخلف، بل واصل النظر إلى الحفرة أمامه، غارقًا في أفكاره.
لكن مع تردد الدوي في الهواء، تشكلت هيئة شبه شفافة في الفراغ خلفه. ثم انفجرت تلك الهيئة وتحولت إلى موجة من الهواء تدحرجت إلى الخلف، ولم تختفي إلا بعد أن اندفعت إلى مسافة عدة آلاف من الأقدام.
وفي اللحظة التي ماتت فيها تلك الهيئة شبه الشفافة تقريبًا، ظهرت في الهواء المحيط بسو مينغ قرابة مئة هيئة أخرى من النوع نفسه. توقفت تلك الهيئات فورًا عن التقدم، وانتظرت بالقرب منه. وظلت تطفو بلا حراك، بينما امتلأت نظراتها وهي تحدق في سو مينغ بالحذر.
بعد وقت طويل، قرر سو مينغ ألا يواصل التفكير في استخدامات ذلك الرون. فقد استمد معظم معرفته بالرونات من أخيه الأكبر الثالث، هو زي، وكذلك من رونات الخالدين التي تركها له هونغ لو.
استطاع أن يدرك بصورة غامضة أن إحدى وظائف هذا الرون هي النقل المكاني، لكنه لم يتمكن من معرفة الاستخدامات الأخرى التي قد يمتلكها.
نهض سو مينغ ومسح بنظره جميع الهيئات شبه الشفافة المحيطة به. وما إن وقع نظره عليها حتى ارتجفت وتراجعت غريزيًا. بالنسبة إليها، بدا نظر سو مينغ وكأنه يمتلك مادة ملموسة، وقادر على اختراق أجسادها.
وبينما كان سو مينغ على وشك تحويل نظره، لفت انتباهه شيء فجأة، فثبت عينيه على هيئة تقف إلى الجانب.
بدت تلك الهيئة كأنها فتى يافع. لم يكن طويل القامة، وكان جسده في حالة شبه شفافة وغير واضحة. نظر سو مينغ إليه، فبدا عليه الذهول للحظة. ثم رفع يده اليمنى وقبض في اتجاه الفتى على الهواء، فانجذبت الهيئة نحوه رغمًا عنها على الفور.
طفَت الهيئة أمام سو مينغ، وقد ظهر الذعر على وجه الفتى. وبدا وكأنه يريد المقاومة، لكنه لم يصدر سوى صراخ صامت.
نظر سو مينغ إليه. ورغم أن ملامحه كانت غير واضحة، فقد استطاع سو مينغ تمييز بعض تفاصيل وجهه عندما تأمله عن قرب. ومع تدقيقه في تلك الهيئة، أخذ تعبير معقد يظهر على وجهه تدريجيًا.
“آهو…”
بعد تفكير طويل، تذكر سو مينغ أخيرًا هوية هذا الشخص. لقد كان أحد الطفلين اللذين رافقاه إلى عالم تسعة يين.
‘ما الذي حدث هنا بالضبط؟’
أرخى سو مينغ قبضته، فتراجع آهو مسرعًا في ذعر. راقبه سو مينغ وهو يفر، ثم أغمض عينيه ببطء.
نشر إحساسه الروحي ببطء في المنطقة المحيطة. وفي تلك اللحظة، لم يعد يفكر في ضرورة منح روحه السماوية الوليدة وقتًا للتعافي. لقد أراد معرفة التغيرات الأخرى التي طرأت على عالم تسعة يين.
ما إن نشر إحساسه الروحي حتى رأى عشرات الآلاف من الهيئات شبه الشفافة المشابهة لآهو منتشرة في جميع أنحاء مدينة الشامان. كانت تلك الهيئات تختبئ بين الأنقاض وتتجول فيها بشرود. لم يكن من الممكن رؤيتها بالعين المجردة، ولم يكن بالإمكان اكتشافها إلا باستخدام الإحساس الروحي.
وعندما وسّع سو مينغ نطاق إحساسه الروحي إلى مناطق أبعد، رأى أن كل مكان تقريبًا في الأراضي الشاسعة خارج أنقاض مدينة الشامان قد أصبح مختلفًا. وبعد وقت طويل، فتح عينيه.
استدار ونظر نحو جهة بعيدة. اكتشف هناك واديًا، ووجد في داخله بعض الشامان. كما استشعر مجموعة من المخلوقات الحية ذات الأجنحة الضخمة على ظهورها، وهي تطير بسرعة نحو الوادي. كان عددها بالمئات، وكانت جميعها تنبعث منها هالات قاتلة تحرق السماء، بينما كانت تزأر!
‘من المؤسف أن روحي السماوية الوليدة لا تزال بحاجة إلى عدة أشهر من التعافي قبل أن أتمكن من نشر إحساسي الروحي بالكامل. وحتى لو أطلقته الآن، فسيكون من الصعب عليّ إجراء بحث دقيق. عندما تتعافى روحي السماوية الوليدة، سأفعّل إحساسي الروحي مجددًا، وأبحث عن جثتي السامة ودميتي والتنين القرمزي مستعينًا بالرابطة التي تربطني بها. ولن أترك ذلك العجوز ذو الرداء الأسود وشأنه أيضًا. ما دام لا يزال في عالم تسعة يين، فسأجد بالتأكيد طريقة للعثور عليه!’
‘لكنني لم أتوقع وجود الشامان في ذلك الوادي أيضًا. ربما أستطيع العثور على إجابات أسئلتي هناك.’
تحول سو مينغ إلى قوس طويل من الضوء، وانطلق نحو السماء، متجهًا مباشرة إلى ذلك الوادي.
بسبب اختفاء القمر العاشر من السماء، ظل الشامان الذين كانوا يقيمون في الوادي الواقع ضمن نطاق مليون لي من أنقاض مدينة الشامان يعيشون في حالة من القلق المستمر. وكان معظمهم متوترين لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانت ستطرأ تغيرات جديدة على عالم تسعة يين.
في زاوية نائية من الوادي، ارتجف العجوز ذو الرداء الأسود، والذي كانت تنبعث منه رائحة العفن. ثم أنزل ببطء يده اليمنى المشوهة عن منتصف حاجبيه.
أطلق تنهيدة طويلة، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريرة.
في تلك اللحظة، لم يكتشف أحد سواه موجة من الإحساس الروحي اجتاحت المنطقة. ولولا أنه ظل متيقظًا باستمرار، وأطلق فنًا سريًا رغم إصاباته في اللحظة التي غمر فيها الإحساس الروحي المنطقة، ليطمس حضوره ووجوده تمامًا ويتجنب اكتشافه، لكان قد انكشف أمره بالتأكيد.
‘لا بد أن المصير في طريقه إلى هنا…’
أخرج العجوز ذو الرداء الأسود زجاجة سوداء صغيرة من صدره، لكنه أعادها إلى مكانها بعد لحظة من التردد. لم يفتح الزجاجة.
‘لا تزال تنقصني ثلاثة أعشاب طبية لصنع هذه الحبة الطبية. إذا تناولتها الآن، فلن تتجاوز فرصتي في كسر اللعنة 10%. وإذا فشلت، فسأفقد قدرتي على التفكير، ولن يختلف الأمر عن الموت…’
‘لكن وفقًا لفني السري، وبناءً على ما استطعت استنتاجه من التموجات في إحساسه الروحي قبل قليل، لا ينبغي أن يكون قادرًا على العثور عليّ. وإذا كان الأمر كذلك، فطالما أحسنت إخفاء نفسي، ينبغي أن أتمكن من تجنب هذا اللقاء.’
تردد العجوز ذو الرداء الأسود للحظة قبل أن ينهض ويتراجع إلى كهفه، حيث جلس وبدأ بتدوير كامل قوته لمواصلة تفعيل ذلك الفن السري.
‘لولا هذه اللعنة، لذهبت إليه بنفسي دون أن أحتاج إلى انتظاره حتى يأتي للبحث عني… إذا منحت نفسي ثلاث سنوات أخرى، فسأتمكن من رفع احتمال كسر اللعنة باستخدام هذه الحبة الطبية إلى 20%!’
هز العجوز ذو الرداء الأسود رأسه، وقمع القلق في قلبه، ثم غرق في التأمل.
وفي اللحظة التي بدأ فيها العجوز التأمل تقريبًا، اندفعت سحب سوداء نحو الوادي الذي يقيم فيه الشامان. وداخل تلك السحب السوداء كانت توجد مئات المخلوقات الغريبة ذات الأجنحة السوداء، والتي بدت شرسة وهي تطير!
اقتربت تلك المخلوقات بسرعة من الوادي، وملأت الصرخات الحادة الهواء. تغيرت تعابير جميع الشامان الذين سمعوا تلك الصرخات على الفور، وامتلأت وجوههم بالخوف والكراهية.
كما أن ظهور تلك السحب السوداء جعل الشامان في الوادي يرفعون حذرهم على الفور. تراجع معظم الشامان إلى مساكنهم داخل الكهوف، وظلوا جميعًا يحدقون بقلق في السحب السوداء في السماء.
وقف نان غونغ هين على منصة حجرية في الوادي. وخلفه وقف أكثر من عشرة أشخاص يرتدون ملابس ممزقة، وكانوا جميعًا يحدقون في السماء بغضب.
“سيدي، لقد رتبنا بالفعل لاختباء أفراد شعبنا. كما فعلنا رون الحماية إلى أقصى طاقته!”
“قوس الشيطان مشدود بالكامل، وهو مستعد لإظهار قوته في أي لحظة!”
“لقد فعلنا النفق الخاص بهالة الموت في مذبح وسيط الأرواح. وبفضل ما راكمناه، يمكننا إطلاق قوة هالة الموت مرتين!”
“لقد استعد أفراد القبائل الذين سيضحون بحياتهم أيضًا. إنهم مستعدون للتضحية بأرواحهم لمواصلة إبقاء رون الحماية فعالًا!”
“لقد مرت خمسة عشر سنة…”
استمع نان غونغ هين إلى الأشخاص الواقفين خلفه، ونظر إلى المخلوقات الغريبة التي كانت تندفع بسرعة نحوه ونحو الوادي داخل السحب السوداء في السماء، ثم تمتم بصوت خافت.
“مرت خمسة عشر سنة منذ تدمير مدينة الشامان. وما زلنا لم نتلقى أي أخبار عن وصول تعزيزات من العالم الخارجي. قبل خمسة عشر سنة، كان لدينا ما يقرب من عشرة آلاف شخص في الوادي، أما الآن، وبعد كل هذه المعارك المتواصلة، فلم يتبقى لدينا سوى أقل من ألف شخص…”
قال ذلك بمرارة.
“كم مرة شنّت الخفافيش المقدسة مطاردة علينا حتى الآن؟ سنقاتل حتى لو كان الموت مصيرنا!”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
******
همممم 15 عام؟
توقعت أكثر بصراحة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.