الفصل 474: عالم الخلود الأبدي... افتح!
الفصل 474: عالم الخلود الأبدي… افتح!
في اللحظة التي نطق فيها سو مينغ بتلك الكلمة، نهض واقفًا، وحتى لو وقف شخص إلى جانبه، لما استطاع رؤية العالم الذي كانت عيناه الفارغتان تريانه في تلك اللحظة.
وقف على التل وأخذ نفسًا عميقًا. لقد أمضى في هذا المكان سنوات لا تُحصى، وما زال لديه الكثير من الأمور التي يريد إنجازها: أن يستخدم تنويره لمحو إرادة تنين الشعلة تمامًا، مقابل حصول أفعاه الصغيرة على الفرصة النادرة التي لا تُمنح إلا لأبناء جنسها!
ظل صامتًا لبعض الوقت قبل أن يرفع قدمه ويتقدم إلى الأمام. وبينما كان يسير، صادف أرواحًا خالدة لا تُحصى. ومع ذلك، بدا أنها لم تره، واكتفت بالسماح له بالمرور من أمامها، غافلة تمامًا عن وجوده.
لم يكن الأمر يقتصر على المعارك التي خاضتها مئات الأرواح الخالدة لالتهام بعضها بعضًا، أو حتى آلاف منها، أو عشرات الآلاف، بل شمل أيضًا المعارك المروعة التي شاركت فيها مئات الآلاف من الأرواح الخالدة.
في الواقع، حتى الأرواح الخالدة التي خاضت معارك بلغ عدد المشاركين فيها أكثر من مئات الآلاف، أو ملايين، بل عشرات الملايين، لم تستطع رؤية سو مينغ، تمامًا كما لم تستطع عيناه الفارغتان رؤيتها.
مر سو مينغ بين تلك الأرواح الخالدة الكثيرة، دون أن يلامس هو أو هي بعضهما بعضًا. بدا الأمر كما لو أن كل شيء في العالم يخضع لقانون معين، وهو أنه ما دام قلب سو مينغ هادئًا وعيناه لا تريان، فإن كل شيء يصبح غير موجود.
لم يتغير المسار الذي سلكه مهما حدث، وكانت وجهته هي المكان الذي تلاشى فيه في نهاية المطاف خلال تجسداته العديدة، أي الجبل الشاهق والتمثال العملاق لثعبان التنين.
وبينما كان سو مينغ يتقدم، صادف الرجل العجوز اللامبالي ذو الرداء الأبيض وهو يحلق في السماء، كما صادف الرجل الذي أتقن مهارة الخفة والثقل وهو يشق طريقه عبر الأرض.
وصادف العديد من أرواح محاربي الخلود الأخرى أثناء تقدمه، لكنه لم يرها، كما أنها لم تره.
مر وقت مجهول، حتى ظهر جبل شاهق أمام سو مينغ أخيرًا. كان جو كئيب يحيط بالتمثال العملاق، بينما أضاءت السماء الرمادية جسده.
كانت هذه المرة الأولى التي يأتي فيها سو مينغ إلى هذا المكان منذ استعاد جميع ذكرياته.
نظر إلى الجبل كما لو كان قادرًا على رؤيته.
“أنا على وشك المغادرة الآن…” همس سو مينغ بصوت خافت. وبينما كان على وشك التقدم، تجمدت خطواته فجأة، ثم أدار رأسه ببطء. لم يكن هناك أي ضوء يشع من عينيه الفارغتين، لكن نظره كان موجهًا نحو رجل عجوز لامبالي يجر جسده المنهك باتجاه الجبل.
كان ذلك الرجل العجوز يرتدي رداءً أسود، وقد نقشت السنون آثارها على وجهه. سار نحو الجبل كما لو كان يؤدي رحلة حج، وربما كان مثله مثل سو مينغ، قد مر بعدد مجهول من التجسدات قبل أن يصل أخيرًا إلى هذا المكان، ثم يُبعث من جديد ويسقط في دورة أخرى لا تنتهي ولا تتوقف أبدًا.
كان ذلك الرجل العجوز هو الشخص الذي ظهر داخل جسد تنين الشعلة محاولًا استخدام الأفعى الصغيرة لتهديد ما تبقى من إرادة تنين الشعلة، وإجباره على تفعيل عالم الخلود الأبدي. لقد كان خادم دي تيان، والشخص الذي راقب تحركات سو مينغ في أرض البيرسيركر!
لكن المؤسف أنه قلل من شأن كبرياء تنين الشعلة. ولهذا السبب، امتصت إرادة تنين الشعلة خيطًا من إحساسه الروحي بالقوة، وأدخلته قسرًا إلى عالم الخلود الأبدي ليعاني دورات لا نهاية لها من الحياة والموت.
كما أنه جر جسده إلى هذه الورطة، وأجبر نفسه على تحمل اللعنة التي كانت تنهش جسده!
نظر سو مينغ في اتجاه الرجل العجوز كما لو كان قادرًا على رؤيته. وبعد وقت طويل، رفع قدميه وسار نحوه. وعندما اقترب منه، ظل الرجل العجوز غافلًا تمامًا عن وجوده، وواصل السير نحو الجبل الذي كان يناديه.
سار سو مينغ بمحاذاة الرجل العجوز ذو الرداء الأسود. ثم رفع يده اليمنى بتعبير هادئ وغرسها في روح الرجل العجوز. انتفض جسد ذلك الرجل وارتسم الألم على وجهه. وفي اللحظة التي أراد فيها المقاومة، سحب سو مينغ يده، فظهرت في راحته خيوط من الضباب الأخضر.
أحاط ذلك الضباب بيد سو مينغ واستقر في راحته. وما إن قبض عليه حتى لم يعد يكترث بالرجل العجوز، وتابع سيره نحو الجبل.
لم يكن سو مينغ ليقتل الرجل العجوز، لأن معاناة دورات الحياة التي لا تنتهي في هذا المكان أسوأ من الموت. ولو قتله سو مينغ، لما فعل سوى منحه السعادة.
ما أراد قتله هو جسد الرجل العجوز الموجود في الخارج. فقتله وحده كفيل بإخماد الكراهية التي يحملها في قلبه.
عندما وصل سو مينغ إلى الجبل وخطا فوق الحراشف الكثيرة التي تغطي جسد ثعبان التنين، أحس بالكلمات المألوفة المنقوشة عليها. كانت تلك الكلمات ترمز إلى تجسداته ومثابرته.
بدأ سو مينغ يتجه نحو رأس ثعبان التنين، وعندما وصل إليه أخيرًا، رفع رأسه ونظر إلى السماء.
“يا تنين الشعلة، ما دام هذا هو مصير أبناء جنسك، فلا خطأ في رغبتك في التهام أفعاي… أنا أحترمك. لقد استيقظت رغم لعنتك، والآن سأغادر هذا المكان.”
تحدث سو مينغ بهدوء، لكن في اللحظة التي نطق فيها بهذه الكلمات، هبت الرياح فجأة في السماء الرمادية الساكنة، واندفعت السحب في الأعالي. وتعالت أصداء زئير مدوٍ هز السماء.
دوّى الرعد كما لو أن السماء نفسها كانت تزأر، مما جعل الرجل العجوز ذو الرداء الأسود يرتجف ويسجد على الأرض. وارتجفت جميع الأرواح الخالدة الأخرى في العالم اللامتناهي وسط معاركها، ثم انطرحت أرضًا.
حتى وجوه أرواح محاربي الخلود القوية امتلأت بالخوف، وسقطت جميعها على الأرض تعبد السماء.
بدا أن دوي الرعد كان ردًا على كلمات سو مينغ. وما إن انتهى من الكلام حتى وقف فوق رأس ثعبان التنين بتعبير هادئ، ورفع كلتا يديه ببطء.
“ترمز راحتا يدي إلى ماضيّ، بينما يرمز ظهر يدي إلى مستقبلي…” رفع سو مينغ يده اليمنى عاليًا نحو السماء، وجعل راحة يده متجهة إلى الأسفل وظهرها إلى الأعلى، ثم حرك يده اليسرى في الاتجاه المعاكس.
“سيظهر الاندماج بين الماضي والمستقبل عندما تتلامس هاتان اليدان، وستتفتح القوة الناتجة عن اندماج الماضي والمستقبل!” بدأت يد سو مينغ اليمنى تهبط ببطء نحو يده اليسرى.
“أسمي القوة الناتجة عن دمج الماضي والمستقبل معًا… المصير!” في تلك اللحظة، تلامست يدا سو مينغ اليمنى واليسرى.
ما إن تلامستا حتى بدأ جسد سو مينغ يرتجف بعنف. وبرزت عروقه على وجهه، وراح شعره الطويل يتراقص في الهواء دون ريح، بينما أخذ رداؤه يرفرف بشدة. وخلفه، ظهر طيف وهمي لرضيع. لم يكن ذلك الرضيع يبكي، بل كانت عيناه مفتوحتين على اتساعهما، ولم يكن فيهما سوى اللون الرمادي، كما لو كان ميتًا.
تشوه العالم، وبدأ رجل ذو شعر أرجواني يظهر تدريجيًا. كان وجه الرجل مفعمًا بالحزن، وقد رفع رأسه لينظر إلى السماء. وفي اللحظة التي ظهر فيها، طرأ تغير مذهل على عالم الخلود الأبدي.
بدأت السماء الرمادية تدور كما لو كانت ضبابًا، وتحول اللون الأبيض الذي يغطي الأرض إلى السواد في لحظة، كما لو أن الحبر قد صبغها، ثم أخذت ترتجف بعنف.
“اندماج المصير: الاندماج الأول.”
في اللحظة التي بدأ فيها سو مينغ يتمتم بهذه الكلمات، تحرك الرجل الوهمي ذو الشعر الأرجواني الواقف أمامه نحوه، وفي الوقت نفسه، أشرق ضوء رمادي في عيني الرضيع، فانطلق مندفعًا نحو سو مينغ من خلفه.
في تلك اللحظة، تحول الماضي والمستقبل إلى دوامة عملاقة حول سو مينغ. أخذت الدوامة تدور بسرعة متزايدة، حتى ابتلعت سو مينغ في نهاية المطاف. اختفى داخلها، ولم يبقى في تلك اللحظة سوى دوامة عملاقة فوق رأس ثعبان التنين، في أعلى الجبل، داخل ذلك العالم.
دارت الدوامة وسط هدير مدوٍ. واحتوت في داخلها على مستقبل سو مينغ وماضيه وحاضره. لقد تحول كل ذلك إلى أعظم خلق اكتسبه من تنويره في عالم الخلود الأبدي!
المصير!
وبينما كانت الدوامة تدور، اندفعت يد من داخلها. كانت يدًا شاحبة، وبدا أنها تفتقر إلى القوة. ومع ذلك، في اللحظة التي امتدت فيها، انثنت أصابعها ببطء لتشكل قبضة، فتجمدت الدوامة التي كانت تدور بسرعة هائلة في الحال، ثم اندفعت مباشرة نحو القبضة، كما لو أن اليد قد جمدت الدوامة تمامًا أثناء تشكل قبضتها.
عندما اختفت الدوامة، ظهر شخص فوق رأس ثعبان التنين. كان فتى نصف شعره أرجواني والنصف الآخر أبيض. بدا أن عمره لا يتجاوز ثماني أو تسع سنوات، لكن بشرته كانت تشع جوًا كئيبًا. ومع ذلك، كانت عيناه تتلألآن بنور الأبدية.
رفع رأسه وحدق في السماء الرمادية ببرود. ومن دون أن ينبس بكلمة واحدة، اندفع فجأة إلى الأعلى، وما إن اقترب حتى رفع يده اليمنى وضغط بها على السماء، كما لو كان يسندها.
أصدرت الطبقة الرمادية التي كانت تدور في السماء كما لو كانت ضبابًا هديرًا هائلًا. وبدأت السماء بأكملها ترتجف، بينما أخذ الضباب يتراجع إلى الخلف طبقة بعد أخرى، كما لو أن تلك الطبقات كانت تُنزع واحدة تلو الأخرى. بدا الأمر كما لو أن السماء تحولت إلى كتلة خشبية عملاقة، وأخذت تزداد رقة بسرعة مع كل لحظة تمر.
في تلك اللحظة، انطلق من جميع الاتجاهات نحو الفتى صوت مدوٍ يشبه زئيرًا غاضبًا. وبعد ذلك بوقت قصير، انفجرت جميع الأرواح الخالدة في عالم الخلود الأبدي وهي ترتجف، وتحولت إلى كميات هائلة من الضباب الأبيض اندفعت نحو الأعلى. ملأ الضباب الأبيض اللامتناهي السماء بأكملها في لحظة، قبل أن يتجمع بسرعة في المكان الذي يقف فيه سو مينغ.
ومع اندماج ذلك الضباب الأبيض بعضه ببعض، تحول إلى جسد عملاق لم يكن من الممكن رؤية نهايته، وظهر أمام سو مينغ… تنين الشعلة!
أطلق زئيرًا وفتح فمه على اتساعه لالتهامه. وبالمقارنة معه، بدا سو مينغ كأنه نملة، لكن وجهه لم يُظهر أي تغير. وفي اللحظة التي كاد فيها تنين الشعلة العملاق يبتلعه، رفع يده اليسرى وضغط إلى الأسفل.
في تلك اللحظة، كانت يده اليمنى تسند السماء، بينما تضغط يده اليسرى على الأرض. ومع دفعه بقوة بكلتا يديه، أخذت السماء والأرض تهتزان بعنف وسط هدير مدوٍ. ثم ظهرت في السماء شقوق كثيرة يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ومع اهتزاز الأرض، شقت أخاديد عميقة اليابسة.
“عالم الخلود الأبدي… افتح!”
كانت هذه أول جملة ينطق بها سو مينغ بعد دمج ماضيه وحاضره. كان صوته باردًا كالجليد، يحمل في طياته هواء العصور القديمة وإحساسًا بحيوية الشباب في آن واحد، مما ترك انطباعًا مذهلًا لدى من يسمعه.
في اللحظة التي نطق فيها سو مينغ بهذه الكلمات، دفع بكلتا يديه إلى الأعلى والأسفل بقوة مرة أخرى!
في تلك اللحظة، ظهر فجأة شق في مركز القمر العاشر في عالم تسعة يين. بدا الأمر كما لو أن قوة هائلة كانت تمزقه من الداخل. وقد لفت هذا التغير الغريب انتباه جميع الكائنات الحية في عالم تسعة يين على الفور، وأصابهم بالذهول.
وفي الوقت نفسه، بينما كان تنين الشعلة المتحجر مستلقيًا في مقبرته، ظهر شق أيضًا في منتصف العين الثالثة الموجودة في مركز حاجبيه على رأسه العملاق، تمامًا كما حدث للقمر العاشر في السماء. بدا الأمر كما لو أن شخصًا ما يحاول إجبار تلك العين على الانفتاح!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.