الفصل 473: المصير!!!
الفصل 473: المصير!!!
‘هناك الكثير من الأشياء في العالم التي تكون أضدادًا لبعضها بعضًا، وهذا ينطبق بدرجة أكبر على عالم الخلود الأبدي. والسبب هو أن رغبة تنين الشعلة تتمثل في التهام التنين ذو الرؤوس التسعة. وكما قال بنفسه، ما دام تنين الشعلة موجودًا بالفعل في الكون، فلماذا تكون هناك حاجة إلى وجود التنين ذو الرؤوس التسعة..؟’
‘هذا هو إرث تنانين الشعلة…’
‘لكن من الواضح أن تنين الشعلة هذا لم يتمكن من التهام التنين ذو الرؤوس التسعة، ولهذا السبب… فإن عالم الخلود الأبدي هذا غير مكتمل. وبما أن تنين الشعلة قد مات، فقد تجمدت حتى إرادته في اللحظة التي فتح فيها هذا العالم وسحبني إلى داخله. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن عالم الخلود الأبدي هذا غير مكتمل!’
‘هناك عيب كبير في هذا المكان، وقد أصبح هذا العيب مصدر ندم تنين الشعلة. وهذا العيب هو ما يُسمى بالاندماج الذي يظهر في هذا المكان!’
‘في الحقيقة، لا يوجد شيء اسمه الاندماج الحقيقي. لا يهم إن كان الأمر يتعلق بالخفة والثقل، أو السرعة والبطء، أو الضغط إلى الأسفل وانتزاع الهواء. كل هذا ليس سوى محاكاة من تنين الشعلة داخل عالم الخلود الأبدي هذا!’
أشرقت عينا سو مينغ بضوء ساطع، ورفع رأسه لينظر إلى السماء الرمادية.
“الاندماج هو جوهر عالم الخلود الأبدي. وهو أيضًا الحقيقة التي أرسى تنين الشعلة قواعدها! لقد قال ذات مرة إنه التهم سبعة وتسعين مستوى عالميًا، فهل يمكن القول إن عالم الخلود الأبدي الخاص بتنين الشعلة تشكّل من جميع مستويات العوالم التي التهمها؟ لقد تشكّل هذا العالم لكي يتمكن تنين الشعلة من بلوغ التنوير من خلاله، وكل ذلك من أجل التهام التنين ذو الرؤوس التسعة يومًا ما، حتى يتمكن من إتمام المهمة الموكلة إلى عرقه وتحقيق رغبات قومه التي حملوها طوال هذه السنوات…”
“لكي أغادر هذا المكان، عليّ إما أن أحصل على قوة قادرة على تحطيمه وأشق طريقي للخروج بالقوة، أو… أن أكتشف ماهية الاندماج الحقيقي!”
“لكن ما الاندماج الخاص بي تحديدًا..؟” تمتم سو مينغ وهو ينظر إلى السماء الرمادية، وقد امتلأت عيناه بالحيرة.
“الحياة والموت..؟” أخذ بريق ساطع يلمع تدريجيًا في عيني سو مينغ.
وفي غمضة عين، مرت ثلاثون سنة أخرى. خلال تلك السنوات، ظل سو مينغ جالسًا على التل دون أن يتحرك قيد أنملة، مفكرًا باستمرار ومحاولًا فهم المعنى الحقيقي الكامن وراء الاندماج. كان غارقًا في حالة غريبة، إذ انبعث من وجهه إحساس بمرور العصور، وبدأت هالة الزمن تظهر ببطء من جسده.
أخذ الضباب الأبيض المحيط به يزداد كثافة، وكان كله متشكلًا من الأرواح الخالدة التي حاولت التهام سو مينغ على مر السنين.
استمر ذلك الضباب الأبيض في جذب المزيد من الأرواح الخالدة إلى المكان. لكن عندما كانت هذه الأرواح تقترب من سو مينغ، كانت تنفجر على الفور وسط صرخات حادة وتموت، لتتحول إلى ضباب أبيض.
كانت تلك الأرواح تستيقظ باستمرار بجانب سو مينغ ثم تموت. وتكررت العملية بلا انقطاع، لتتحول إلى دورة لا تنتهي.
‘إن مئات الآلاف من التجسدات تمثل تبادلًا بين الموت والحياة. ومن السهل جدًا على المرء أن يعثر على العلامات التي تميز الحياة والموت خلال هذه العملية، لكن سواء أكانت حياة أم موتًا، فلا يوجد في عالم الخلود الأبدي أحد على قيد الحياة حقًا، ولا يوجد فيه أحد ميت حقًا…’
‘مهما مررت به، يظل الأمر أشبه بالحلم. وعندما أستيقظ، سيبقى كل شيء وهمًا… هذا ليس اندماجي.’ في اليوم الذي انقضت فيه ثلاثون سنة أخرى، فتح سو مينغ عينيه وهز رأسه. ثم رفع يده اليمنى ولوّح بها عرضًا إلى الخارج.
مع تلك التلويحة الواحدة، انتشر الضباب الأبيض الكثيف على الفور، ولم يتوقف إلا بعدما ابتعد مسافة مئة ألف قدم عن سو مينغ. وفي الوقت نفسه، بدأت التشوهات تظهر في المساحة المحيطة به، رغم بقائه جالسًا في مكانه. ولو نظر إليه أحد، لشعر بأنه يستطيع رؤية سو مينغ بعينيه، لكن إدراكه سيخبره أن المكان الذي يجلس فيه فارغ.
بعد وقت قصير، بدأت الأرواح الخالدة التي استيقظت من جديد تنبثق من الأرض تباعًا. وبدا أن هذه الأرواح لم ترى سو مينغ، ولم تنقضّ عليه كما اعتادت أن تفعل. وبدلًا من ذلك، غادرت المكان بنظرات شاردة، وتدريجيًا، لم تعد أي أرواح خالدة جديدة تولد في المنطقة المحيطة بسو مينغ.
حتى الأرواح التي مرت بالقرب منه لم تستطع اكتشاف وجوده، واكتفت بالطفو متجاوزة إياه.
مرت عشرون سنة أخرى، وخلالها لم يتوقف سو مينغ عن التفكير ولو مرة واحدة.
‘الخفة والثقل… السرعة والبطء، والضغط إلى الأسفل والانتزاع… ليست هذه الأشياء سوى اختلافات في الخصائص، وقد تعلمتها من الآخرين خلال تجسداتي العديدة. إنها لا تنتمي لي… لا بد أن هذه الأضداد قد نشأت بسبب العوالم السبعة والتسعين التي التهمها تنين الشعلة… هذه ليست اندماجاتي.’
“يجب أن يكون اندماجي خاصًا بي وحدي…” تمتم سو مينغ. “فما الذي يمكن أن يكون؟”
أغمض سو مينغ عينيه. لقد أمضى خمسين سنة في التفكير في هذا الأمر، ومع ذلك لم يتوصل إلى الإجابة. ومع شعوره بالضياع، غرق تدريجيًا في ذكرياته وبدأ يستعرضها. بدت الصور في تلك الذكريات غريبة عنه، فقد مر بمئات الآلاف من التجسدات هنا، وانقضت سنوات طويلة خلال تلك الفترة.
وبينما كان يستعرض ذكرياته، رأى نفسه يصطحب الشابين اللذين نسي اسميهما إلى عالم تسعة يين، ثم إلى مقبرة تنين الشعلة. ورأى نفسه يدخل جسد تنين الشعلة، كما رأى الرجل العجوز ذو الرداء الأسود.
مرّت بسرعة جميع الأحداث التي وقعت في عالم تسعة يين، ثم رأى سلسلة جبال مألوفة إلى حد ما، وتذكر أنها كانت موقع مسكن كهفه. بعد ذلك رأى هونغ لو، ورأى دي تيان، ورأى… القمة التاسعة.
واصلت ذكرياته الرجوع إلى الماضي، فعاد من القمة التاسعة إلى مدينة جبل هان، ثم عاد من مدينة جبل هان إلى… الجبل المظلم.
كانت الأحداث التي وقعت في الجبل المظلم أشياء لن ينساها أبدًا. أخوه الأكبر بي لينغ، وولا، ولي تشين، وشانهين، وكذلك… باي لينغ.
“كل هذا هو الماضي الخاص بي.” بينما كان سو مينغ يسترجع ماضيه، تصاعد الحزن في قلبه، لكن الروح لا تستطيع البكاء. ولو استطاعت ذلك، لانهمرت الدموع من عيني سو مينغ.
“أثمن الأشياء في حياتي هي الجبل المظلم، والقمة التاسعة، وماضيّ… والأشياء التي أريد حمايتها هي أيضًا الجبل المظلم، والقمة التاسعة، وماضيّ…” همس سو مينغ بصوت خافت.
“لا أستطيع تغيير أي شيء في الماضي. إنه مدفون في ذكرياتي، مع كل السنوات التي عشتها. الماضي بين يدي، ولن أنسى أحدًا أبدًا… هذا أحد جانبي حياتي!”
فتح سو مينغ عينيه. كانتا باهتتين، لكنهما بدتا عميقتين، كما لو أن الكون نفسه قابع بداخلهما.
“أحد جانبي هذا النقيض هو ما استقر وثبت بعد وقوعه، أما الجانب الآخر فهو التغيرات المستمرة التي ستطرأ على ما لم يحدث بعد. إذا كان ماضيّ أحد جانبي حياتي، فإن الجانب الآخر… سيكون مستقبلي!”
صمت سو مينغ للحظة، ثم اتجه نظره نحو العالم اللامتناهي بعيدًا. وظهر في عينيه شرود خفيف.
وبينما كان ذهنه شارد، تخيل أنه يرى نفسه مكبلًا بسلاسل عديدة داخل مستنقع أسود يقع في هاوية تحت الأرض. كانت هناك تسعة تنانين سوداء تنفث ضبابًا أسود نحوه، وفوقه في السماء وقف عدة أشخاص ينظرون إليه بحذر وبرود. لم ينبسوا بكلمة، بل اكتفوا بالتحديق فيه بصمت.
تغير المشهد، فرأى نفسه بشعر أرجواني يقف في أعلى مكان في السماء، وينظر إلى الأرض بنظرة متعالية. وعلى الأرض، ركعت أعداد لا تُحصى من الكائنات الحية وعبدته.
تغير المشهد مرة أخرى، فرأى نفسه مستلقيًا على مذبح، وقد اخترقت الإبر الذهبية جسده كله. انبعثت من جسده كميات هائلة من الدخان، امتصها آلاف الأشخاص الجالسين حوله متربعين. وعندما كانوا يمتصون ذلك الدخان، كانت ملامح البهجة ترتسم على وجوههم، في تناقض صارخ مع وجهه الذي تشوه من شدة الألم.
لم تنتهي الصور عند هذا الحد. فقد تغيرت مرة أخرى، وأصبح من الصعب على سو مينغ أن يعرف ما إذا كان ما يراه مجرد وهم أم أنه حدث بالفعل في الماضي.
رأى نفسه مرة أخرى. هذه المرة، كان شعره أحمر طويلًا، وكان يرتدي رداءً أبيض طويلًا. بدت في عينيه لمحة من الوحدة، وارتسمت على وجهه مسحة من الحزن. أما يداه الملطختان بالدماء، فقد كانتا مشبعتين بهالة قاتلة تصاعدت حتى عنان السماء، وكأن مئات الملايين من الأرواح قد سُحقت بيديه.
كان واقفًا في عالم تتلألأ فيه النجوم وسط الظلام. وكانت هناك… جثث لا نهاية لها تحيط به… لم يكن هناك أحد سواه واقفًا في ذلك المكان، وقد أطلق زئيرًا نحو السماء، زئيرًا حادًا جعل العالم الذي رآه سو مينغ يتحطم إلى ملايين القطع.
كان ذلك الزئير مشبعًا بحزن لا يمكن وصفه وغضب متقد قادر على تدمير السماء والأرض!
في تلك اللحظة، وبينما كان سو مينغ جالسًا على التل، تحطمت رؤيته وتفتتت مصدرة دويًا، ثم تحولت إلى خيوط من الضباب الرمادي تبددت في كل اتجاه. تحطم عالمه واختفى في لحظة.
بدا الأمر كما لو أن عينيه لم تعودا قادرتين على تحمل كل ما رآه في تلك الحالة الغريبة. وفي اللحظة التي تحطمت فيها رؤيته، رفع سو مينغ رأسه. كانت عيناه فارغتين، وكان العالم أمامه أسود، مجرد ظلام يمتد بلا نهاية.
كان من المفترض ألا يستطيع رؤية أي شيء في ذلك الظلام، لكنه رأى في تلك اللحظة…
رأى رضيعًا هزيلًا لم تعد في جسده أي قوة للحياة. كان جسده كله مشبعًا بهالة الموت. ورأى رجلًا ذو شعر أرجواني يقف هناك، وقد فاض جسده كله بالإرهاق والحزن، بينما أطلق زئيرًا صامتًا نحو السماء.
رأى العالم بأسره والسماء كلها ينهاران بينما انطلق ذلك الزئير الصامت من شفتي الرجل…
رأى الرجل ذو الشعر الأرجواني يسير نحو الرضيع. ورآهما يندمجان ببطء في اللحظة التي اقترب فيها أحدهما من الآخر. بدا الأمر كما لو أن الرجل المثقل بالحزن أراد حماية الرضيع باحتضانه بين ذراعيه، تمامًا كما كان سو مينغ يحمي ماضيه.
رأى…
“لا أحد يستطيع رؤية العالم الذي أراه…” خرجت هذه الكلمات همسًا من فم سو مينغ.
كان هناك زوج من اليدين في عيني المتجول، يرمز إلى شوقه العميق المتجذر إلى موطنه.
وكان هناك زوج من اليدين في عيني عاشقين بقيا معًا رغم المحن، يرمز إلى الخلود في البقاء معًا إلى الأبد.
وكان هناك زوج من اليدين في عيني الشخص الوحيد، لا يعني سوى زيادة خطوط الكف مع مرور الزمن.
وكان هناك زوج من اليدين في عيني طفل، يرمز إلى تعلق لا يُنسى.
وكان هناك زوج من اليدين، ترمز راحتاهما إلى الماضي، بينما يرمز ظهرهما إلى المستقبل. إن لم يرغب المرء في ذلك، فستظل الذكريات في راحتيه محمية إلى الأبد داخل قبضته. وإن لم يرغب في ذلك، فلن يستطيع أحد رؤية خطوط كفه والاطلاع على ماضيه… ولن يرى الآخرون سوى ظهر يديه، إلى الأبد وإلى ما لا نهاية.
وكان هناك زوج من اليدين، ترمز اليسرى منهما إلى الطفولة، بينما ترمز اليمنى إلى الشيخوخة. وكانت المسافة المتغيرة بين هاتين اليدين ترمز إلى حياته.
‘اندماجي هو اندماج الماضي والمستقبل. سأستخدم ماضيّ لحث نفسي في المستقبل على أن أصبح أقوى، ثم سأستخدم قوة نفسي في المستقبل لحماية ماضيّ…’
‘عندما وُلدت، لم أكن قادرًا على التحكم في مصيري. وعندما أكبر، سأدوس على المصير نفسه… وعندما يندمج الماضي والمستقبل، يصبحان الحاضر.’ فتح سو مينغ عينيه، وتحول الفراغ الناجم عن تحطيم رؤيته إلى هدوء.
‘هذا هو اندماجي، وسأسميه…’ ارتسمت على شفتي سو مينغ ابتسامة ساخرة باردة.
“سأسميه… المصير!”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.