الفصل 475: هذه هي الحياة
الفصل 475: هذه هي الحياة
كان عالم تسعة يين بأكمله يعيش حالة من الصدمة. فقد اتجهت أنظار لا تُحصى نحو القمر العاشر في السماء، حيث كان الشق يتسع ببطء من الداخل.
ومن بعيد، بدا هذا القمر العاشر كعين تنفتح ببطء. وكان هذا المشهد الغريب يوهم كل من يراه بأنه إذا انفتحت تلك العين بالكامل، فسوف تتحطم السماء والأرض!
لقد اختلف عالم تسعة يين، ضمن مساحة المليون لي التابعة للشامان، اختلافًا كبيرًا عما كان عليه عندما دخل سو مينغ مكان مقبرة تنين الشعلة. فقد أصبحت الغابة الغريبة أكبر بعدة مرات، كما اتسعت المناطق الخطرة التي اكتشفها سو مينغ في الماضي كثيرًا.
أما مدينة الشامان، فهي… لم تعد موجودة.
تحولت المدينة المهيبة، التي كانت علامة على سيطرة الشامان على تلك المنطقة من عالم تسعة يين، إلى أنقاض. دُمّرت جميع المباني، وتناثرت بقاياها في كل مكان.
حتى الرأس الضخم الذي كان عمود حجري عملاق يرفعه إلى السماء قد اختفى. وكان من الصعب تخيل نوع التغيير الذي حدث حتى عجز الشامان عن الدفاع عن مدينتهم…
كان هناك ثقب هائل في السماء فوق أنقاض مدينة الشامان. ومن بعيد، بدا ذلك الثقب كدوامة ساكنة لا تتحرك. وامتدت فوقه أغصان يابسة ظهرت من العدم، كما لو أن السماء كانت المكان الذي تخفي فيه جذورها. وعندما انتشرت تلك الأغصان، أحاطت بالدوامة كلها والتفت حولها بإحكام، كما لو كانت ختمًا.
ومع ذلك، لم يكن المكان خاليًا من الحياة. فقد أمكن رؤية بعض الأشخاص يتنقلون بين الأنقاض، رغم صعوبة ملاحظة وجودهم. كانوا يدخلون الأنقاض بسرعة، ثم يطيرون خارجها بعد وقت قصير.
ولو ألقى أحد نظرة فاحصة، لاكتشف أن هؤلاء لم يكونوا سوى حفنة من الشامان.
إلى جانب مكان مقبرة تنين الشعلة، كان هناك مكانان آخران يُعدّان أرضين مقدستين للشامان ضمن مساحة المليون لي المحيطة بمدينة الشامان.
كان أحدهما مسقط رأس وسطاء الأرواح، أي المقبرة الجماعية. هناك، كان بإمكانهم الإحساس بوجود الموت، وإذا امتلك المرء موهبة فريدة، يمكنه أن يصبح وسيطًا للأرواح.
أما الآخر، فكان مسقط رأس عرافين الأفكار، وهو مذبح تم بناءه من عظام وحوش عديدة. احتوت تلك العظام على قوة لا تقل عن قوة تنين الشعلة. وكانت تلك القوة تصيب كل من يتعدى على أراضيها بالهلوسة حتى يموت. أما إذا لم يمت، فإنه سيكتسب قوة مماثلة بمجرد تحرره منها، وهؤلاء هم عرافين الأفكار.
في ذلك الوقت، كان بعض الشامان يقيمون في وادٍ قريب من مذبح عظام الوحوش. ولم يتجاوز عددهم ألف شخص. كانت بشرتهم مصفرة وأجسادهم نحيلة، ويرتدون ملابس ممزقة. وبدا عليهم البؤس الشديد، كما كانت نظراتهم مليئة باليقظة والحذر. لكن عندما رأوا التغير الغريب الذي طرأ على القمر العاشر في السماء، تحول حذرهم إلى ذعر.
كان بينهم شخص يجلس في زاوية من الوادي. ارتدى رداءً أسود وغطى وجهه، لكن ذلك لم يستطع إخفاء الرائحة العفنة المنبعثة من جسده. وتحت ردائه، كانت بشرته مغطاة ببقع سوداء متفاوتة الأحجام.
كانت تلك البقع السوداء مصدر تعفنه، وهي أيضًا سبب عذابه ومعاناته التي لا تنتهي.
وفي اللحظة التي رفع فيها الآخرون رؤوسهم لينظروا بصدمة إلى القمر العاشر في السماء، رفع الرجل ذو الرداء الأسود رأسه هو الآخر ونظر إلى السماء. لكن ما إن رأى التغير الذي طرأ على القمر العاشر حتى تبدل تعبير وجهه تبدلًا جذريًا.
ربما لم يكن الآخرون يعرفون شيئًا عن هذا القمر العاشر، لكنه كان يعرفه! كان يعلم أن هذا القمر هو عالم الخلود الأبدي الخاص بتنين الشعلة، وأن حدوث تغير كهذا يعني أن شخصًا ما على وشك شق طريقه بالقوة إلى خارج عالم الخلود الأبدي!
“مستحيل… لا يمكن أن يكون هو!” تمتم الرجل ذو الرداء الأسود.
كان بالفعل الشخص الذي فصل في الماضي خيطًا من إحساسه الروحي، مستخدمًا تعويذة المصير، ليجعل سو مينغ يُسحب إلى عالم الخلود الأبدي. وكان خادم دي تيان والمشرف على تحركات سو مينغ في أرض البيرسيركر!
ربما لم يمت رغم اللعنة التي أثقلت جسده، لكنه فقد فرصة المغادرة بسبب بعض الحوادث، واضطر إلى البقاء في هذا المكان مع الآخرين الذين عجزوا عن الرحيل، يقضي كل يوم من أيامه كسلحفاة جبانة تختبئ في قوقعتها.
وعلى خلاف الآخرين الذين استسلموا لليأس، لم يفقد هو الأمل قط. فقد آمن بأن سيده سيأتي للبحث عنه وينقذه بمجرد أن يأتي إلى هذا المكان.
لكن عندما رأى التغير الذي طرأ على القمر العاشر، امتلأ قلبه بالذهول وعدم التصديق. لقد سمع منذ زمن طويل الشائعات المتعلقة بعالم الخلود الأبدي، وكان يعلم أنه مكان يكاد يستحيل على أي شخص الهروب منه، ولذلك وجد صعوبة في تصديق ما تراه عيناه.
كان بين الحشد شخصان آخران سيشعر سو مينغ بألفة شديدة تجاههما لو رآهما.
كان أحدهما رجلًا في منتصف العمر، شعره أشعث ورداؤه ممزق ووجهه مغطى بشعر لحية مبعثر. بدا بائسًا للغاية وهو يجلس بصمت فوق صخرة جبلية وينظر إلى السماء، وقد ارتسمت على وجهه لمحة من الحيرة.
‘لقد اختفى داخل أرض تنين الشعلة في ذلك العام، وسمعت أحدهم يقول من قبل إن هذا القمر العاشر يرمز إلى تفعيل تنين الشعلة لعالم الخلود الأبدي. هل يمكن أن يكون هذا التغير… مرتبطًا به؟…’
ظهرت على وجه الرجل في منتصف العمر لمحة من الحنين وهو غارق في صمته.
لقد كان نان غونغ هين!
أما الشخص الآخر، فكان رجلًا عجوزًا يكسو وجهه جو من الكآبة. استلقى على الأرض بعينين باهتتين خاليتين من الحياة، وكان جسده نحيلًا كالعظام. حدق في القمر العاشر في السماء بذهول، ولو رآه سو مينغ في ذلك الوادي، لاستطاع أن يتعرف عليه إلى حد ما؛ فقد كان الشامان المتأخر، تاي مو.
وكان إلى جانبه شاب أعو ذو ذراع واحدة يعتني به. وكان الشاب يرفع رأسه بين الحين والآخر لينظر إلى القمر العاشر في السماء، لكنه لم ينبس بكلمة واحدة.
كما رأت كائنات حية أخرى القمر العاشر في السماء. وكان من بينها رجال يعيشون في الأراضي الشاسعة لعالم تسعة يين خارج الوادي. بلغ طول هؤلاء الرجال عدة مئات من الأقدام، وكانوا يشبهون الأشجار ذات الرؤوس والأطراف الأربعة.
كان هؤلاء الرجال يشبهون أرواح تسعة يين إلى حد كبير. ارتدوا الدروع وأقاموا في أماكن عديدة داخل عالم تسعة يين، وقد رأوا جميعًا التغير الغريب الذي طرأ على القمر العاشر في السماء.
وإلى جانب أرواح تسعة يين، وُجدت داخل الأراضي التي كانت تابعة للشامان أشباح وهمية لرجال ونساء. بدت أجساد هؤلاء شفافة إلى حد كبير، ولم يكن من الممكن رؤية ملامحها بوضوح.
وإلى جانب هذه الكائنات، كان هناك عرق يعيش في السماء. كان أفراده يمتلكون أجسادًا بشرية، لكن أجنحة نمت من ظهورهم. لكن تلك الأجنحة كانت تشبه أجنحة الخفافيش، وكان على رؤوسهم في العادة قرن واحد.
احتلت هذه الأعراق الثلاثة الأراضي التي كانت تابعة للشامان، كما أقامت في ثلاثة مواقع تحيط بالوادي الذي عاش فيه الشامان المتبقون.
وقد لفت التغير الذي طرأ على القمر العاشر في السماء انتباه الأعراق الثلاثة أيضًا. وكانوا، مقارنة بالشامان، أكثر معرفة بطبيعته وبما يعنيه.
“فعّل تنين الشعلة عالم الخلود الأبدي قبل كل تلك السنوات، والآن ظهرت عليه علامات الانفتاح. هل يمكن أن يكون الشخص الذي دخل إليه آنذاك على وشك الخروج؟”
في المنطقة التي احتلها أصحاب الأجنحة الشبيهة بأجنحة الخفافيش، كانت هناك كرة بيضاوية عملاقة بلغ ارتفاعها مئات الآلاف من الأقدام. طفت تلك الكرة في الهواء، وأحاطت بها كرات سوداء بيضاوية أخرى أصغر حجمًا بكثير. وفي تلك اللحظة، تردد في المنطقة صوت كئيب، ولم يكن معروفًا من أي كرة صدر ذلك الصوت.
وفي اتجاه آخر، داخل منطقة مختلفة، كان يعيش عدد كبير من الأشخاص الشفافين الوهميين. وُجدت في تلك المنطقة عدة مذابح غريبة، كانت أشكالها عالقة بين الواقع والوهم، حتى أصبح من الصعب على المرء أن يميز ما إذا كانت موجودة حقًا أم لا.
“الشخص القادر على الخروج من عالم الخلود الأبدي الخاص بتنين الشعلة الميت لا بد أن يمتلك شيئًا مميزًا… فلنحاول ضمه إلى قبيلتنا أولًا…”
أما في الاتجاه الأخير، وفي المنطقة الأبعد عن مكان مقبرة تنين الشعلة، فكانت هناك أرض تغطيها غابة ممتدة بلا نهاية. كانت هذه المنطقة موطن الرجال ذوي الأجساد العملاقة الشبيهة بالخشب اليابس، الذين يرتدون الدروع؛ وهؤلاء هم أرواح تسعة يين.
داخل تلك الغابة اللامتناهية، ارتفعت قصور ضخمة. ولو ألقى أحد نظرة فاحصة، لاستطاع أن يرى بوضوح أن هذه القصور تكاد تطابق القصر الموجود في مدينة الشامان، بل ربما كان الأدق القول… إنها القصور نفسها!
وقفت التماثيل الحجرية العملاقة إلى جانب تلك القصور، وظلت ساكنة بلا حراك. وكان أحد تلك التماثيل، بلا شك، تمثال روح تسعة يين الذي استأجره سو مينغ في الماضي!
ظل جسده المتحجر ساكنًا، لكن رأسه كان مرفوعًا نحو السماء، يحدق في القمر العاشر، وقد ارتسم في عينيه تعبير معقد بعض الشيء.
وفي مكان أبعد قليلًا، كان رجل عجوز يجلس متربعًا داخل القاعة. لم يرفع رأسه لينظر إلى السماء، بل أطلق تنهيدة خافتة فحسب.
“من كان ليتخيل أنه سيتمكن حقًا من الخروج من ذلك المكان…؟”
في اللحظة التي كانت فيها جميع الأنظار تقريبًا في عالم تسعة يين متجهة نحو القمر العاشر، ارتفع تمثال ثعبان التنين إلى السماء داخل عالم الخلود الأبدي الخاص بتنين الشعلة. وكان جسده قد أصبح أصغر بكثير. وقف سو مينغ، الذي أصبح شعره الآن نصفه أرجواني ونصفه أبيض، في مواجهة تنين الشعلة العملاق المتشكل من الضباب الأبيض اللامتناهي في ذلك العالم، وظل متعاليًا وباردًا كما كان دائمًا.
رفع يده اليسرى عن الأرض، وفي اللحظة التي اقترب فيها تنين الشعلة منه وهو يطلق زئيرًا غاضبًا، رسم بإصبعه السبابة الأيسر نصف دائرة أمامه.
“هذا هو الماضي…”
ثم أنزل يده اليسرى، وأكمل النصف الآخر من الدائرة برسم القوس المتبقي بإصبعه السبابة الأيمن.
“هذا هو المستقبل…”
وبعد أن أكمل رسم الدائرة، وضع يده اليسرى على ظهر يده اليمنى، ثم دفع الدائرة أمامه بسرعة.
“هذا هو الحاضر… وهو أيضًا… المصير!”
مع تلك الدفعة، انبعث ضوء حاد من الدائرة، وأخذ حجمها يتضخم إلى حجم لا يقاس، قبل أن تندفع مباشرة نحو تنين الشعلة وتصطدم بجسده الضخم في لحظة. دوّى هدير هائل هز السماء والأرض، ومع تردد صداه في الهواء، اجتاحت سو مينغ موجة صدمة قوية، لكن ما إن اقتربت منه حتى فتح فمه واستنشق نفسًا عميقًا.
اندفع الضباب الأبيض الموجود داخل موجة الصدمة إلى فم سو مينغ بسرعة مذهلة، وفي الوقت نفسه، رفع يده اليمنى إلى الأعلى وأنزل يده اليسرى إلى الأسفل مرة أخرى، ثم دفع السماء والأرض بكل قوته!
انهارت مساحة واسعة من السماء، وبدأت الأرض ترتجف بعنف. ثم بدا الأمر كما لو أن زوجًا من الأيدي غير المرئية أمسك بالشق الفاصل بين السماء والأرض ومزقه فجأة!
وفي اللحظة التي تمزق فيها الشق، دوّى هدير عنيف في الهواء، وظهر شق عملاق يمتد بين السماء والأرض! اندفع سو مينغ إلى الأعلى، وفي غمضة عين… اختفى داخل ذلك الشق.
“الخلود الأبدي… إذا التهمت تلك الأرواح، فلن تموت، وإذا لم تلتهمها، فلن تفنى. لكن الالتهام وعدم الالتهام أمران متضادان تمامًا، ولا يمكن اعتبار ذلك اندماجًا… الاندماج الحقيقي هو أن تتمكن من عدم الالتهام بينما تأكل، وأن تأكل دون أن تلتهم…”
تمتم سو مينغ بهذه الكلمات بصوت خافت في اللحظة التي خطا فيها إلى داخل الشق، وبدأ الفهم يتجلى في عينيه.
“هذه هي الحياة”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
******
لن أقول الكثير… سأقول فقط أن هذه النقطة هي نقطة تحول هائلة للرواية.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.