مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 471: لا تلتهم!نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 471: لا تلتهم!

الفصل 471: لا تلتهم!

مر شهر آخر في ذلك الفضاء المجهول. مرتديًا الأبيض، سار سو مينغ بهدوء نحو المكان الذي جاء منه صوت البوق، ووقف على إحدى حراشف جسد أفعى التنين. وفي اللحظة التي خفض فيها رأسه، بعدما عاد جسده إلى مكانه على جسد أفعى التنين، تحوّرت النظرة اللامبالية على وجهه إلى نظرة ملؤها عدم التصديق…

مرات لا تُحصى، كان سو مينغ يجر جسده المنهك، وعلى وجهه نظرة لامبالية، ليقف على إحدى حراشف أفعى التنين. وما إن يجلس حتى يرى الكلمات المنقوشة على الحرشفة. عندها تظهر على وجهه علامات الرعب والذهول، ويرفع يده اليمنى المرتجفة لينقش سطرًا آخر من الكلمات، قبل أن يختفي جسده…

مرة تلو الأخرى، ثم مرة أخرى…

تكررت الدورة بلا نهاية. ففي كل مرة يستيقظ فيها، كان يمضي مباشرة نحو حتفه، إما ليموت على أيدي أرواح خالدة أخرى، أو ليموت على التمثال…

وكانت مكسبه الوحيد هو تزايد الكلمات التي يتركها على حراشف أفعى التنين. كل سطر من الكلمات كان يدل على موت واحد، واستمر ذلك حتى امتلأت الحراشف كلها، وحتى غطتها سطور الكلمات، أكثر من خمسة أسطر على كل حرشفة…

في كل مرة يموت فيها ويستيقظ، يكون ذهنه مشوشًا. لا تبقى في ذاكرته أدنى ذكرى، وكأنها مُحيت تمامًا حتى تستمر هذه الدورة التي لا تنتهي.

لولا تلك الكلمات، لربما فقد سو مينغ نفسه حقًا… في عالم الخلود الأبدي هذا. ولما استطاع الاستيقاظ إلى الأبد، بل لغرق في هذه الدورة التي لا تنتهي من الصراع، ثم الزئير، وأخيرًا التحول إلى اللامبالاة.

كان هذا قفصًا. سيشعر الطائر وكأنه قد طار إلى الخارج، لكنه في اللحظة التي يموت فيها، سيدرك فجأة أنه… لا يزال داخل ذلك القفص.

لم يكن سو مينغ يتذكر كل شيء إلا في اللحظة التي كان فيها على وشك الاختفاء من جسد أفعى التنين. كان الأمر أشبه بالحلم. فعندما يستيقظ المرء من حلمه، يشعر بالارتباك، لكن ما إن يحل ذلك الارتباك حتى يكون الحلم قد اختفى…

بفضل تلك الكلمات المنقوشة على الحراشف، أجبر سو مينغ نفسه على ألا ينسى أبدًا، حتى عبر موته، وألا يسمح لإرادته بالتبدد حتى لو مات، وأن يجعل نفسه… يثابر. حتى لو كان اتجاه مثابرته وهدفها غامضين، وحتى لو لم يحصل على إجابة لكل ما فعله.

استمر ذلك عددًا مجهولًا من المرات، إلى أن حدث ذات مرة أن وقف سو مينغ على أفعى التنين، فوجد نفسه على حرشفة نُقشت عليها خمسة أسطر من الكلمات.

عندما نظر إلى الكلمات التي تركتها تجسداته على الحرشفة قبل عدد مجهول من السنين، رأى أنها تحذره من التهام الأرواح الخالدة، فارتجف قلبه. وفي اللحظة التي كان فيها جسده على وشك الاختفاء، رفع رأسه وأطلق زئيرًا ملؤه رفض الاستسلام.

ومع ذلك الزئير، وقبل أن تختفي يده اليمنى، ضغط بها على الحرشفة. هذه المرة، لم يترك كلمات، بل رسم رمزًا رونيًا على الحرشفة.

كان هذا مخططًا أوليًا لرون اكتشفه بين جميع القدرات السامية التي تركها له هونغ لو، بعدما استعاد ذكرياته. وكانت وظيفة ذلك الرون إحداث اهتزازات وزيادة شدة الصوت بلا نهاية، محولًا إياه إلى صدى يتردد في أرجاء العالم.

وفقًا لما تذكره من إرث هونغ لو، إذا فعل هذا الرون في مكان خالٍ، فسيتمكن من جعل ذلك الصدى يستمر شهرًا كاملًا. وخلال ذلك الشهر، مهما بلغت المسافة التي تفصل المرء عنه، فسيظل قادرًا على سماعه بوضوح خافت.

لكن هذا الرون كان ضخمًا إلى حد ما، والخط الذي نقشه سو مينغ لم يتجاوز واحدًا من مئة من شكله المكتمل. وكان ذلك بعيدًا كل البعد عن أن يكون كافيًا لإتمام المخطط الأولي للرون.

ومع ذلك، رغم أن سو مينغ لم يتمكن من نقش سوى واحد من مئة من ذلك الرون، فقد كانت أمامه فرصة أخرى في المرة التالية. ومع مرور الوقت وتكرار مجيئه إلى هذا المكان، كان يستيقظ قبل موته مباشرة ويتذكر كل شيء، ثم يعمل على إكمال المخطط الأولي للرون.

لقد ارتكب بالفعل بعض الأخطاء لأن المكان الذي جلس فيه لم يستوفي المتطلبات اللازمة لرسم الرون، لكن في عالم الخلود الأبدي، وضمن دورات الحياة والموت التي لا تنتهي، تمكن سو مينغ أخيرًا من رسم الخط الأخير للرون على جسد أفعى التنين، قبل أن يستيقظ مباشرة بعد موته!

في اللحظة التي انتهى فيها من رسم الرون، فعّله سو مينغ وصاح بأعلى صوته، مستخدمًا أقصى قوته:

“لا تلتهم أي من الأرواح الخالدة، لا تلتهم واحدة منها حتى…”

ما إن أطلق تلك الكلمات حتى اختفى جسده، وبدأ الرون الذي نجح أخيرًا في رسمه على جسد أفعى التنين بعد محاولات لا تُحصى بالعمل، فزاد شدة صوته بلا نهاية، وأرسله في جميع الاتجاهات مصحوبًا بقرقرة هائلة. كانت كلماته كالأمواج، تتردد أصداؤها في العالم الفسيح اللامتناهي.

بعد عشرة أيام من موت سو مينغ، تسرب الضباب من بقعة معينة على الأرض البيضاء في ذلك العالم الشاسع اللامتناهي، ثم تجمع من جديد ليتحول إلى جسد سو مينغ.

اكتسب جسده شكله المادي تدريجيًا، وبعينين رماديتين، أخذ ينظر إلى محيطه بنظرة شاردة، وكان ذهنه صفحة بيضاء خالية من الذكريات.

نظر إلى السماء الرمادية، ولم تكن في رأسه فكرة واحدة. بدا الأمر وكأنها المرة الأولى التي يرى فيها هذه السماء، فاكتفى بالتحديق فيها بشرود. ارتفع الضباب حوله ببطء، وتجمع ليشكّل بعض الأرواح الخالدة. وبدا سو مينغ، الواقف بين العديد من الأرواح الخالدة، عاديًا للغاية. لم يكن فيه ما يميزه عن غيره.

بعد أن اكتملت أجساد الأرواح الخالدة الجديدة، رفعت رؤوسها ببطء ونظرت إلى السماء الرمادية، وكأنها تنتظر شيئًا ما.

عندما اخترق صوت البوق الحزين السماء، وصل إلى أذني سو مينغ. فارتجف جسده، وخفض رأسه مثل الأرواح الخالدة الأخرى المجاورة له، ثم أخذ يطفو في اتجاه المكان الذي جاء منه صوت البوق.

لم يكن سو مينغ يعلم أنه كرر هذا الفعل عددًا لا ينتهي من المرات…

لكن هذه المرة، وقبل أن يمضي يوم واحد حتى، دوّى زئير غاضب بعنف بين السماء والأرض في ذلك العالم اللامتناهي، متداخلًا مع صوت البوق الحزين.

“لا تلتهم أي من الأرواح الخالدة، لا تلتهم واحدة منها حتى…”

بينما كان ذلك الصوت يتردد في الهواء، وصل إلى أذني سو مينغ وأرواح أخرى خالدة. تجمد سو مينغ للحظة وهو يمضي إلى الأمام، ثم رفع رأسه قليلًا وألقى نظرة على السماء. وبعد لحظة من التردد، تظاهر بأنه لم يسمع شيئًا. كما تصرفت الأرواح الخالدة الأخرى وكأنها لم تسمع الصوت، وواصلت الطفو إلى الأمام.

مرّ الوقت، وحدثت مجددًا جولة أخرى من إطلاق بعض الأرواح الخالدة زئيرًا خافتًا وانقضاضها على رفاقها المجاورين لالتهامهم.

هذه المرة، ظهرت علامات الجنون في عيون سو مينغ الرماديتين أيضًا. استدار بسرعة وانقض على الروح الخالدة الشاردة بجانبه. وفي اللحظة التي كان فيها على وشك التهام رفيقه وتقوية نفسه، عاد ذلك الزئير الغاضب، الذي صرخ برفض الاستسلام وبدا وكأنه صدر عن شخص قبل موته مباشرة، ليتردد في السماء اللامتناهية.

“لا تلتهم أي من الأرواح الخالدة، لا تلتهم واحدة منها حتى…”

كان ذلك الصوت قد وصل إليهم مرات عديدة خلال الأيام القليلة الماضية، وأخذ يضعف تدريجيًا. ومع تردده في الهواء، وصل إلى ذهن سو مينغ، فتجمد في مكانه بينما كان على وشك التهام رفيقه.

ظهرت علامات الصراع في عينيه الرماديتين. لم يكن من المفترض أن يحتوي ذهنه الفارغ على أي شيء، لكن تلك الكلمات أخذت تتردد الآن في رأسه. وبدأت قبضته حول الروح الخالدة ترتخي ببطء.

لم يكن يعرف السبب، لكن الصوت القادم عبر السماء بدا مألوفًا له بصورة لا تُصدق…

وبينما كان سو مينغ يترك الروح الخالدة، كانت الأرواح القوية المحيطة به قد انتهت من التهام رفاقها. وبعد أن ازدادت قوتها قليلًا، رفعت رؤوسها وزأرت نحو السماء.

وصل صوت زئيرها إلى أذني سو مينغ، وجعله يصارع نفسه من جديد. هذه المرة، استمر صراعه طويلًا، وعندما توقف أخيرًا، نظر حوله ليكتشف أنه لم تعد هناك أي أرواح خالدة بجانبه.

لقد غادرت الأرواح الخالدة التي وُلدت معه بجماعة واحدة. ولم يبقى سوى سو مينغ، يصارع نفسه. لم تكن الأرواح الخالدة الأخرى تكترث بمكانه، بل كانت تصغي فقط إلى نداءات البوق وتواصل التحرك بلا توقف نحو وجهتها.

وقف سو مينغ وحيدًا في الأرض الشاسعة، وعلى وجهه نظرة شاردة. وبعد وقت طويل، خفض رأسه وأخذ يطفو إلى الأمام ببطء.

إن كلمة الاحتمال في الحقيقة ليست سوى مصادفة وتغيير يحدثان في صمت. ولا يمكن للإنسان عادةً التحكم في ظهوره. والأمر أشبه بالإمكانيات؛ فعندما تظهر تموجات لا حصر لها بالطريقة نفسها وبالتواتر نفسه، يظل هناك احتمال لظهور نوع مختلف من التموجات…

وكان الأمر مماثلًا في عالم الخلود الأبدي. لم يكن سو مينغ يعرف عدد المرات التي تجسد فيها من جديد. بل إن هذا السؤال لم يكن موجودًا في ذهنه أصلًا.

حتى لو كانت هذه المرة التي استيقظ فيها لا يمكن عدها، فإنها بالنسبة إليه تظل المرة الأولى التي يستيقظ فيها.

كانت صحوته هذه المرة مختلفة. لم يكن قادرًا على ملاحظة ذلك، لكن الأشخاص الذين راقبوه وهو يموت ويستيقظ من جديد مئات الآلاف من المرات، كانوا وحدهم القادرين على رؤية اختلافه هذه المرة.

هذه المرة، وبسبب وجود ذلك الصوت، لم يلتهم سو مينغ أي من الأرواح الخالدة الأخرى. تحرك إلى الأمام بشرود، واستمر في التقدم حتى بعدما اختفى الصوت تمامًا بعد مرور نصف شهر. واصل الطفو إلى الأمام، ولم يصادف في طريقه أي أرواح خالدة!

كانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك طوال سنوات لا تُحصى، وعبر صحوات لا تنتهي مر بها!

وبينما كان يطفو لمدة نصف شهر في حالة من الشرود، ازدادت الدرجة الرمادية في عيني سو مينغ وضوحًا. كما أخذ شعور بالجوع والضعف يتفتح في أعماق قلبه. وكان ينظر حوله من حين إلى آخر، باحثًا عن المصدر الذي سيضع حدًا لجوعه وضعفه.

لقد صادف أرواحًا من قبل، لكن في كل مرة كان يراها، كان ذلك الصوت الذي اختفى بالفعل من رأسه يتردد بضعف، فيجعل صراعه الداخلي يشتد.

كان يتوق إلى التهام شيء ما، لكن ذلك الصوت المألوف منعه من الأكل. بل إنه مع مرور الوقت، بدأ يشعر شعورًا غامضًا بأنه… لا يستطيع التهام أي أرواح خالدة.

وعندما بلغ صراعه ذروته، رأى نحو اثنتي عشرة روحًا خالدة تطفو بشرود فوق الأرض البيضاء. لم يعد سو مينغ قادرًا على كبح رغبته في الأكل، فانطلق نحوها.

كان من الواضح أن تلك الأرواح الخالدة التي بلغ عددها نحو اثنتي عشرة روحًا حديثة الولادة، ولم يكن لديها أدنى قدر من الذكاء. اقترب سو مينغ من إحداها، وفي اللحظة التي كان فيها على وشك التهام الروح، ظهرت على وجهه علامات صراع عنيف. زأر، ولم تعد عيناه رماديتين.

ظهر فيهما لون أحمر أرجواني، وفي خضم صراعه، تخلى عن التهام تلك الروح. وبدلًا من ذلك، رفع يده اليمنى وضرب بها رأس الروح الخالدة، فتفكك جسدها.

في اللحظة التي ماتت فيها الروح الخالدة، دوّى انفجار مفاجئ داخل رأس سو مينغ، واجتاحه ألم كما لو أن ذهنه يتمزق إربًا. وفي خضم ذلك الألم، عاد الصفاء إلى عيونه.

“أنا سو مينغ!”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.