مساحة للحكاية، ووقت لك← السعي وراء الحقيقة
الفصل 470: هل هو الشيء نفسه؟نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 470: هل هو الشيء نفسه؟

الفصل 470: هل هو الشيء نفسه؟

بعيون خالية لا مبالية، طار سو مينغ ببطء نحو السماء. لم ينظر إلى الأرض، وعادةً، أينما ذهب، كان يمد يده بلا مبالاة ويقبض على الهواء إذا صادف أي أرواح خالدة، فترتجف جميعها قبل أن تتحطم فورًا إلى كمية لا متناهية من الضباب الذي يطارده.

في تلك اللحظة، كان مثل الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض تمامًا. لم يكن هناك أي اختلاف بينهما.

استمرت هذه العملية وقتًا طويلًا للغاية. سنة، سنتان، ثلاث سنوات… عشر سنوات، ثلاثون سنة، خمسون سنة… مئة سنة… وربما أكثر من ذلك.

لم يعد سو مينغ يموت. لم يمت سوى مرتين. وبعد أن مات مرتين وعاد إلى الحياة في كل مرة، واصل التقدم بحثًا عن صوت البوق الحدين، بينما التهم كمية لا نهائية من الضباب الأبيض في هذا العالم اللامتناهي.

جعلته قوته أكثر أكثر لا مبالاة. اختفت النظرة الشاردة من وجهه، ولم يعد يشعر بالإرهاق، بل أصبح هادئًا فحسب. لكن ذلك الهدوء لم يكن يعني أن قلبه هادئ، بل كان مجرد تعبير عن لامبالاته.

لم يكن يعرف عدد الأرواح الخالدة التي امتصها. لم يمكث في أي مكان طوال ذلك الامتداد اللامتناهي من الزمن، بل واصل التقدم فحسب، واستمر في التهام الأرواح الأخرى. حتى إنه التهم أكثر من تسعة كائنات من أمثال الرجل ذو الشعر الأحمر.

في كل مرة يلتهم فيها روحًا خالدة كهذه، تزداد قوة سو مينغ. وبحلول ذلك الوقت، أصبح فعل الضغط إلى الأسفل والقبض على الهواء أشبه بغريزة طبيعية لديه.

في أحد الأيام، رأى أمامه مباشرةً جبلًا عملاقًا يرتفع حتى السحب. وكان هناك تمثال ضخم لأفعى تنين ملتفة حول ذلك الجبل. استقر رأس أفعى التنين أسفل قمة السماء مباشرةً، وبدا وكأنه يشرف على الأرض من مكان عالي.

انطلقت أصوات البوق الحزين ببطء من الجبل ومن داخل التمثال، ثم انتشرت في المنطقة بأكملها. وفي اللحظة التي رأى فيها التمثال والجبل، شعر سو مينغ بقوة هائلة داخل قلبه الخالي من المشاعر تستدعيه.

“أرواح المحاربين الخالدة… عودوا…” تردد صوت قديم في ذهن سو مينغ. حمل ذلك الصوت أثرًا من القدم ومرور الزمن، وحين وصل إلى قلبه، جعله ينتفض.

بعيون لا مبالية، تقدم ببطء، وعندما وصل إلى أسفل الجبل، قفز إلى الأعلى قبل أن يهبط على جسد أفعى التنين العملاقة.

كان ثمة شيء يرشده في قلبه، ويناديه لاختيار إحدى الحراشف على جسد أفعى التنين والجلوس عليها انتظارًا لعودة أرواح محاربين الخلود الآخرين…

تقدم سو مينغ فوق الحراشف الضخمة لأفعى التنين. وعندما نظر أمامه، وجد أن الحراشف التي تغطي جسدها متراصة بإحكام، وأن عددها بلغ مئات الآلاف تقريبًا. جلس سو مينغ على إحدى الحراشف وحدق أمامه بوجه خالٍ من أي تعبير.

بدا وكأن هذا هو المكان الذي ينتمي إليه، وكأن رحلته قد انتهت هنا. أصبحت أصوات البوق الحزينة في السماء أكثر وضوحًا، وبدأ ذلك الصوت يجعله يشعر بالخمول تدريجيًا. أُغلقت عيناه شيئًا فشيئًا، وغمره إرهاق لا يمكن وصفه، كأنه طوفان جارف.

لكن في اللحظة التي كاد فيها يغمض عينيه تمامًا، خفض رأسه ورأى بطرف عينه سلسلة من الكلمات نُقشت على عجل، أسفله مباشرةً، على حرشفة غير بعيدة عنه… ومن الواضح أن إصبعًا هو الذي تركها هناك.

“أنا سو مينغ…”

كانت هذه الكلمات الأربعة هي ما تُرك على الحرشفة…

في اللحظة التي رأى فيها تلك الكلمات الأربعة، انكمش بؤبؤا عينيه اللامباليتان. بدا مذهولًا بوضوح، وكأن الكلمات الأربعة قد تضخمت عدة مرات، بينما أخذت تومض في ذهنه مصحوبة بأصوات عالية كالرعد.

نهض وبدأ يحدق بثبات في الكلمات. تسارعت أنفاسه، وهاجت عاصفة هائلة في قلبه. ففي اللحظة التي رأى فيها تلك الكلمات، اجتاحه شعور مألوف بصورة لا تُصدق، وكأنه… هو من نقش تلك الكلمات الأربعة على الحرشفة!

وبينما كان عقل سو مينغ وروحه يرتجفان من الصدمة، تردد فجأةً مرة أخرى ذلك الصوت القديم الذي دوّى في الهواء سابقًا، بين السماء والأرض.

“أرواح المحاربين الخالدة… عودوا…”

عندما تردد الصوت في الهواء، ظهرت فورًا قوة امتصاص هائلة على الحرشفة تحت قدمي سو مينغ. لم تكن لديه أي وسيلة لمقاومة قوة الامتصاص تلك. بدا وكأن مصدر قوته الهائلة هو هذا التمثال، وإذا كان قادرًا على منحه القوة، فهو قادر أيضًا على سلبها منه متى شاء.

مع اندفاع قوة الامتصاص، بدأ جسد سو مينغ يتلاشى في لحظة. وانتشرت كميات هائلة من الضباب الأبيض بجنون من جسده، وسرعان ما امتصتها الحرشفة تحت قدميه.

غمر شعور بالضعف عقل سو مينغ وروحه بالكامل. تشوشت رؤيته، لكن في اللحظة التي بدأت فيها رؤيته تتلاشى ووهنت قواه، دوّى زئير مدوٍّ في رأسه، وكأن صاعقة برق مرت للتو فوق رأسه، مما جعله يتذكر كل شيء في تلك اللحظة!

تذكر ماهية هذا المكان، وتذكر سبب مجيئه إلى هنا، وتذكر هويته، وتذكر الأفعى الصغيرة، وتذكر تنين الشعلة، وتذكر كل ما حدث.

كما تذكر لعنة تنين الشعلة وكلماته.

“إذا سقطت وفقدت نفسك، فسألتهم الأفعى وأبعث نفسي من جديد بنجاح. أما إذا استيقظت، فسأسمح لبني جنسي بالتهامي طواعيةً، وسأبارك حياتها الجديدة!”

“لن أسقط وأفقد نفسي، لن أفعل! أنا لست روحًا من أرواح المحاربين الخالدة، أنا… سو مينغ!”

رفع سو مينغ رأسه وزأر. كانت ساقاه قد اختفتا بالفعل، وكان جزء كبير من جسده يتحول بسرعة إلى شيء غير مرئي. وفي اللحظة التي أوشك فيها على أن يُمتص بالكامل داخل حرشفة أفعى التنين، خفض رأسه بسرعة، واستخدم ما تبقى من سبابته اليمنى، مستجمعًا كل قوته المتبقية، ليكتب سلسلة من الكلمات على الحرشفة!

“هذا هو عالم الخلود الأبدي لتنين الشعلة…” كُتبت هذه الكلمات أسفل عبارة “أنا سو مينغ”، وتم كتابتها على عجل في اللحظة التي اختفى فيها جسده.

في اللحظة التي انتهى فيها من كتابة تلك الكلمات، وبعد أن كتب نصف كلمة "عالم" فحسب، تحولت يده اليمنى إلى ضباب، وكذلك جسده بأكمله. وفي تلك اللحظة، تحول إلى ضباب أبيض بالكامل وامتصته الحرشفة.

مات سو مينغ واختفى.

ومع موته، عاد الهدوء إلى الجبل. واصل تمثال أفعى التنين البقاء على الجبل كأنه جسم ميت، ساكنًا بلا حراك.

لكن لو أن أحدًا سار فوق مئات الآلاف من الحراشف التي تغطي جسدها وأمعن النظر، لاكتشف أن أكثر من مئة ألف حرشفة كانت مغطاة… بالخط نفسه…

“أنا سو مينغ…”

“أنا سو مينغ…”

“أنا سو مينغ. هذا هو تنين الشعلة…”

“عالم الخلود الأبدي…”

“أنا سو مينغ، يجب أن أستيقظ، لا يمكنني السقوط وفقدان نفسي…”

“أنا سو مينغ. الأفعى الصغيرة في خطر، ولن أتمكن من إنقاذها إلا إذا استيقظت…”

“أنا سو مينغ من قبيلة البيرسيركر…”

“أنا سو مينغ. السماء والأرض، الجليد والنار…”

“أنا سو مينغ. لا تلتهم الأرواح الخالدة. إياك أن تلتهمها مهما حدث…”

“إذا التهمت ولو واحدة منها، فلن أتمكن من…”

غطت كلمات كهذه أكثر من مئة ألف حرشفة، ولم تحمل معظمها سوى الكلمات الأربعة: "أنا سو مينغ". ولم تحمل سوى بعض الحراشف سطرين من الكلمات. ولو دقق أحدهم النظر في كل حرشفة من تلك الحراشف، لاكتشف أن وقت نقش السطرين يختلف من حرشفة إلى أخرى، وكان الأمر نفسه ينطبق على جميع الحراشف التي حملت سطرين…

ترك سو مينغ كل هذه الكلمات بنفسه! لم يمت مرتين فحسب، بل إن ذلك كان مجرد ما احتفظت به ذاكرته في تلك اللحظة. في الحقيقة، كان قد وصل إلى هذا الجبل وإلى هذا التمثال مرات عديدة بالفعل…

في كل مرة يصل فيها إلى هنا، وقبل اللحظة الأخيرة مباشرةً، عندما يتحول جسده إلى ضباب أبيض ويكون على وشك أن تمتصه الحراشف، كان يتذكر كل شيء. لم تكن لديه أي وسيلة لمقاومة ذلك، ولم يكن أمامه سوى استخدام هذه الطريقة الساذجة والحمقاء لإخبار تجسده التالي بماهية هذا المكان، وما مهمته، وما الذي يريد فعله، وبأنه يجب ألا يسقط ويفقد نفسه مهما حدث!

كانت هذه طريقة حمقاء حقًا، بل كانت طريقة حزينة ومثيرة للشفقة. ومع ذلك، أمكن أيضًا رؤية مدى صلابة سو مينغ وعزيمته من خلال الكلمات التي غطت أكثر من مئة ألف من حراشف أفعى التنين، فضلًا عن إصراره… وجنونه!

كان هذا هو… عالم الخلود الأبدي لتنين الشعلة!

لم تكن هناك أشعة شمس قوية في هذا العالم الشاسع. ورغم أن الضوء كان يملأ المكان إلى الأبد، فإنه لم يكن ساطعًا ولا خافتًا. كانت خيوط من الضباب الأبيض تتصاعد من الأرض البيضاء، وتتحول تدريجيًا إلى أشكال وهمية.

كان هناك شكل واحد امتلأت عيناه بلون رمادي شاحب وخالٍ من الحياة حين فتحهما. كان ذلك الشكل هو سو مينغ…

مر الزمن، وسار مع حشد الأرواح الخالدة نحو مصدر صوت البوق. وبالتدريج، وبعد أن مات عدة مرات، أصبح الأقوى بين جميع الأرواح الخالدة.

مع كل خطوة يخطوها، كان يلتهم الأرواح الأخرى باستمرار ليصبح أقوى، ويتحول إلى محارب شديد القوة. وكان يحصل على قوة هائلة، مثل إتقان مهارة الضغط إلى الأسفل والقبض على الهواء، أو جعل الأجسام الأخرى تتحرك بسرعة أكبر أو أبطأ، أو تجميد جسم في مكانه بينما يتحرك جسم آخر، أو اكتساب قدرات قتالية أخرى من هذا القبيل. وكان يستخدم هذه المهارات للتجول في العالم والاستمتاع بالشعور المريح الذي ينتابه بعد التهام الأرواح الخالدة وازدياد قوته.

كما مر بتلك المرحلة التي يمتلئ فيها بؤبؤا عينيه باللون الرمادي، قبل أن يتلاشى ذلك اللون وتعود شرارة الحياة إلى عينيه. وكان يتذكر اسمه، لكنه في النهاية يصبح لا مباليًا وهادئًا، ثم يصل مجددًا إلى المكان الذي يناديه فيه صوت البوق.

كان يصل إلى مكان على التمثال المحيط بالجبل، وفي اللحظة التي يختفي فيها جسده، كان يتذكر كل شيء، ثم يترك سلسلة من الكلمات لتجسده التالي الذي سيصل إلى هذا المكان؛ كلمات ترمز إلى رفضه الاستسلام، وإلى روح لا تستسلم لليأس أبدًا…

ربما لن يتمكن تجسده التالي من رؤية تلك الكلمات، لأن عدد الحراشف هناك كان هائلًا إلى حد لا يُصدق…

ومع ذلك، كان هذا أملًا. كان أمله الأخير، والسبيل الوحيد الذي استطاع التفكير فيه… لم يكن يريد السقوط وفقدان نفسه. لقد أراد المقاومة!

مر الزمن، ومع موت سو مينغ وولادته من جديد، ثم وصوله إلى التمثال مرة تلو الأخرى وتركه كلماته، أصبحت جميع الحراشف تقريبًا من بين مئات الآلاف التي تغطي جسد أفعى التنين مغطاة بكتاباته.

حمل معظمها سطرين منقوشين، وبعضها حمل ثلاثة أسطر، ولم يحمل أربعة أسطر سوى عدد قليل منها، أما الحراشف التي حملت خمسة أسطر، فلم يتجاوز عددها ثلاثين حرشفة…

“أنا سو مينغ…”

“هذا هو عالم الخلود الأبدي لتنين الشعلة…”

“الأفعى الصغيرة في خطر، ولن أتمكن من إنقاذها إلا إذا استيقظت…”

“افهم المفهوم الكامن وراء السماء والأرض، والجليد والنار، واعثر على النقيض الثنائي الذي يخصك. هذه هي الطريقة الوحيدة لمغادرة هذا المكان…”

“لا تلتهم الأرواح الخالدة. لا تلتهم ولو واحدة منها… إياك أن تلتهم ولو واحدة منها مهما حدث…”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة: بلا حدود

******

دييييييم

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.