الفصل 45: إذن، هل أنت هو سو مينغ؟
الفص45: إذن، هل أنت هو سو مينغ؟
في وسط المذبح الخماسي، كان هناك رجل في منتصف العمر يرتدي رداءً أرجوانيًا. رفع رأسه وهو ينظر إليهم والابتسامة تعلو وجهه.
كانت هناك مسافة تفصل بين سو مينغ والرجل في منتصف العمر، ولكن لسبب غير معروف، في اللحظة التي سمع فيها سو مينغ صوته ونظر إليه، رأى صورة الرجل تظهر أمام عينيه كما لو أنه ينظر إليه عن قرب.
أذهل هذا المشهد الغريب سو مينغ، وفي الوقت نفسه، عندما وصلت ضحكة الرجل إلى أذنيه، بدأ
الـ "تشي" داخل جسده يتحرك كما لو أنه فقد السيطرة عليه؛ إذ شعر أن نظرة واحدة فقط من هذا الرجل كفيلة بانتفاض الدم في جسده بأكمله وينفجر ليموت على الفور.
لم يكن سو مينغ الوحيد الذي شعر بهذه الطريقة، فقد شعر لي تشين و وولا وحتى بي لينغ بالشيء نفسه. ارتجف لي تشين بينما امتلأت عيناه بالذهول وعدم التصديق.
وولا هي الأخرى كانت ترتجف؛ فقد كان الأمر كما لو أنها تستطيع أن ترى بوضوح في عيني الرجل ذي منتصف العمر نوعًا من القوة المذهلة التي تجعلها ترغب في الانحناء والركوع له.
حتى والد بي لينغ، رئيس حراس قبيلة الجبل المظلم، ارتجف قليلاً، وببطء خفض رأسه أمام الرجل الذي كان يسير نحوهم في الجو قادمًا من المذبح أدناه.
وإلى جانب رئيس الحراس، كان شان هين، رئيس الصيادين، يتنفس بسرعة، وفي عينيه بريق من الانبهار والترقب، وهي نظرة نادرة للغاية بالنسبة له؛ إذ إنه عادةً شخص هادئ ومتحفظ.
‘عالم الصحوة!’
صرخ سو مينغ في سرّه؛ ففي تلك اللحظة تشكلت هاتان الكلمتان في عقله!
“أولئك الذين يصلون إلى عالم الصحوة بإمكانهم المشي في السماء، وبإمكانهم إظهار علامة البيرسيركر الخاصة بهم وتنشيط دم البيرسيركر. ومع الـ "تشي"، وبمجرد فكرة، يمكنهم اختراق السماء!”
كانت هذه الكلمات المكتوبة في لفافة جلد الوحش التي تصف عالم الصحوة.
حدق سو مينغ بتعبير منذهل في الرجل ذي الرداء الأرجواني وهو يمشي باتجاههم في الهواء. بدا أنه في الأربعينيات من عمره ويميل إلى النحافة، ومع ذلك كان يبدو وسيمًا للغاية. لم تكن هناك علامات كثيرة تدل على أنه عضو بارز في قبيلة البيرسيركر، والعلامة الوحيدة التي ألمحت إلى ذلك هي زوج الأقراط العظمية التي كان يرتديها.
لم يشاهد سو مينغ أبدًا قماشًا جميلاً مثل ذلك الذي صُنع منه رداؤه الأرجواني؛ فلا يمكن مقارنته بالكتان الخشن الذي يرتديه الشيخ بأي حال من الأحوال، ناهيك عن جلود الوحوش.
وأثناء سيره نحوهم، بدأت قبيلة تيار الريح تتضبضب وتتشوه خلفه، حتى بدا للحظة أن كل شيء في العالم قد اختفى ولم يتبقَّ سوى هذا الرجل.
والأكثر من ذلك، أن الرياح توقفت عن الصفير، وتجمدت الغيوم في السماء!
انساب شعر الرجل الطويل خلف ظهره، وابتسم وهو يقترب منهم ببطء. كانت ابتسامته كنسيم الربيع، مما أدى إلى تهدئة الـ "تشي" والدم داخل جسد سو مينغ وبقية رفاقه تدريجيًا، ولكن مع اقتراب هذا الرجل، غمرهم شعور بالاختناق؛ إذ بدا الأمر كما لو أنهم أصبحوا خائفين للغاية من أخذ نفس عميق.
بدت عيناه وكأنهما تحويان السماء بأكملها، فعندما ينظر إليهما الآخرون تشتت عقولهم، وكان الأمر كما لو أن كل أسرارهم ستنكشف أمامه، وكأنهم يقفون أمامه عراة تمامًا.
بدا أن الثعبان هو الآخر قد تجمد في الجو في تلك اللحظة، ولم يتحرك قيد أنملة وكأنه شعر بهالة الرجل المرعبة. وقف الشيخ ببطء وانتصب قوامُه، وعلى وجهه نظرة غير قابلة للقراءة في عينيه عندما ظهر الرجل، وقد أُخفيت تعابيره بعناية.
“تحياتي يا شيخ قبيلة تيار الريح.” اتسم وجه الشيخ بالوقار والحكمة وهو يقف وينحني أمام الرجل في منتصف العمر.
“مو سانغ، لا داعي لمثل هذا بيننا.” كان صوت الرجل لطيفًا، لكنه لم يمنع الشيخ من إكمال انحناءته. وعندما أتم الشيخ الانحناء، لوّح الرجل بيده اليمنى في الهواء وكأنه يرفعه برفق باستخدام الـ "تشي".
ولكن بدلاً من أن ينهض، ارتجف جسد الشيخ وانحنى مرة أخرى تحت ضغط القوة! وبعد ذلك تلاشت القوة الضاغطة عن جسد الشيخ، وعندما تبددت، وقف الشيخ مستقيمًا.
نظر الرجل ذو الرداء الأرجواني إلى الشيخ بعمق، وابتسم وهو يهز رأسه مشيرًا إليه.
“طباعك لم تتغير منذ أن كنت صغيرًا. لقد مرت سنوات طويلة، فلماذا قررت المجيء لرؤيتي الآن؟”
“لقد فكرت في طلبك الذي تقدمتَ به منذ كل تلك السنوات، وتوصلتُ إلى قرار.” تحدث الشيخ ببطء، بهدوءه المعتاد.
عندما سمع الرجل ذو الرداء الأرجواني كلامه، تغيرت ملامحه وأصبح شديد التركيز.
كان سو مينغ وبقية رفاقه قد وقفوا بالفعل جانباً باحترام. وكان سو مينغ الأقرب إلى الشيخ، فتمكن من الشعور بالاضطراب في صدر الشيخ وهو ينظر إلى صديقه القديم، كما استطاع أن يفهم السبب الذي جعل الشيخ يرفض القدوم إلى قبيلة تيار الريح طوال تلك المدة.
وبينما كان ينظر إلى وجه الشيخ المسن والهرم، نظر إلى الرجل ذي الرداء الأرجواني بتوتر، وكانت دقات قلبه تتسارع في صدره. تذكر سو مينغ ما قاله له الشيخ قبل مدة:“لم يكن شيخ قبيلة تيار الريح منافسًا لي قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وعندما بلغ الرابعة والثلاثين، كان بالكاد يستطيع مجاراتي. في ذلك الوقت، كان اسمي مدويًا في جميع القبائل المجاورة!”
شعر سو مينغ باعتصار في قلبه، وبينما كان على وشك تحويل نظراته بعيدًا، ابتسم الرجل ذو الرداء الأرجواني ونظر إليه. بنظرة واحدة فقط، دوّى زئير عظيم في رأس سو مينغ، واستطاع أن يجزم بوضوح أن الرجل قد اخترق ببصره التنكر الذي أعدّه له الشيخ.
وحالما بدأ جسد سو مينغ يرتجف وكاد أن ينهار، أبعد الرجل بنظره بعيدًا ونظر نحو بي لينغ، ولي تشين، وولا، ورئيس الصيادين شان هين، ورئيس حراس قبيلة الجبل المظلم.
“تحياتي يا شيخ قبيلة تيار الريح.” انحنى شان هين أولاً، وسرعان ما حذا البقية حذوه.
خفق قلب لي تشين في صدره، وكان متوترًا للغاية حتى شحب وجهه. وكان الأمر ذاته بالنسبة لوولا، وحتى بي لينغ لم يعد يتصرف ببرود بل أظهر الاحترام والتوقير.
“أتذكرك، أنت بي لينغ، أليس كذلك؟” أشار الرجل إلى بي لينغ.
انذهل بي لينغ للحظة، ثم امتلأت عيناه بالفرح وتحدث بسرعة بصوت مرتجف:“أيها اللورد… أنا… أنا بي لينغ!”
ابتسم الرجل ذو الرداء الأرجواني وهو يكتفي بالإيماء برأسه. نظر إلى الشيخ وكان على وشك التحدث، عندما تغيرت ملامحه ونظر نحو الأفق البعيد. وكان الشيخ لا يزال واقفًا بصمت جانباً، ومع ذلك بدا هو الآخر أنه لاحظ شيئًا فتطلع نحو الاتجاه نفسه.
بدا وكأن إعصارًا يزأر في الأفق البعيد، ونزل نحوهم بسرعة مخلوق عملاق يشبه خطًا أسود. ومع اقتراب الخط الأسود منهم، اتضح أنه في الحقيقة تنين ضخم يبلغ طوله مئات الأقدام.
كان التنين يبدو شرسًا ومخيفًا على بُعد مئات الأقدام، ويحيط به ضباب أسود وهو يتقدم للأمام، وعليه يقف ستة أشخاص!
عندما نظر سو مينغ إلى التنين المقترب، رأى قامة تكتسي بالبياض تقف بين الأشخاص الستة، فابتسم.
كان الشخص الواقف في المقدمة امرأة عجوز ذات شعر فضي يكسوها رداء أسود. وعلى الرغم من ظهور علامات الكبر عليها، إلا أنه كان من الواضح أنها كانت فائقة الجمال في شبابها. ومع ذلك، كانت تعابير وجهها باردة للغاية لدرجة تجعل المرء يشعر بالتجمد بمجرد النظر إليها.
استطاع سو مينغ أن يلاحظ أن نظرة الشيخ قد تغيرت عندما تطلع إلى المرأة العجوز القادمة من قبيلة التنين المظلم.
وخلف المرأة العجوز، وقف رجل ضخم البنية كالبرج الحديدي. كان طويل القامة بشكل لا يصدق، وذو وجه بارد وهالة قوية جدًا جعلته يبدو وكأنه يتفوق قليلاً على شان هين ورئيس الحراس.
وبجانب المرأة العجوز، وقفت فتاة ترتدي الثياب البيضاء. كانت عينا الفتاة جميلتين، وتحملان لمحة من الحزن الذي لا يتبدد، ولكن عندما رأت سو مينغ، اختفى حزنها على الفور ولَاحَت مكانَه علامات الدهشة والفرح.
بل إنها غمزت لسو مينغ!
وكان هناك وجه مألوف آخر بين الأشخاص الثلاثة المتبقين، إنه سي كونغ؛ فقد كان يقف على ظهر التنين ينظر بغيظ وكراهية واضحة في عينيه نحو سو مينغ.
أما الشخصان الآخران، فكانا فتى وفتاة في مثل عمر سو مينغ تقريبًا، ومن مظهرهما كانا شقيقين يلتزمان الصمت. كانت الفتاة هي الأكبر، وبدت ممتلئة القوام ولكنها ذات مظهر جميل.
وبمجرد اقتراب التنين، انحنت المرأة العجوز وبقية مَن معها على ظهر التنين احترامًا للرجل ذي الرداء الأرجواني، وكانت وجوههم ملؤها التوقير. حتى التنين الذي يقلهم ارتعد وكأنه خائف من ذلك الرجل.
ظل الرجل ذو الرداء الأرجواني يبتسم، وأومأ برأسه تقديراً لتحية قبيلة التنين المظلم. ثم أقبل شخص نحوهم بسرعة خاطفة قادمًا من قبيلة تيار الريح، وكان يحيط بقدميه ضباب أرجواني. وحالما ظهر في الجو، انحنى إجلالاً للرجل ذي الرداء الأرجواني.
كان ذلك الشخص رجلًا عجوزًا يرتدي رداءً أبيض، وهو شي هاي الذي أخذ حبوب سو مينغ في ذلك اليوم!
“شي هاي، اعتَنِ بضيوفنا جيدًا.” وما إن أنهى الرجل ذو الرداء الأرجواني كلامه وأبدى شي هاي امتثاله، حتى نظر الرجل إلى شيخ قبيلة الجبل المظلم مو سانغ وقال:“مو سانغ، هناك قبيلة قدمت لي بعض أوراق سحابة 'موروس ألبا' كجزية؛ وأنا أعلم أنك شغوف بها منذ زمن طويل، وقد كنت بانتظار قدومك حتى أتمكن من الاستمتاع بها معك.”
أومأ الشيخ برأسه واستدار ليحدد كلماته مع رئيس الحراس. بعد ذلك اتخذ بضع خطوات إلى الأمام، ولدهشة سو مينغ، سار الشيخ هو الآخر في الجو باتجاه الرجل ذي الرداء الأرجواني، ثم هبطا معًا نحو المدينة المصنوعة من الطين.
وبينما كان سو مينغ يراقب الرجل ذي الرداء الأرجواني، ظهرت لمحة خافتة من الحنين والتوق في عينيه:‘عالم الصحوة… أتساءل ما إذا كان بإمكاني أن أصبح قويًا إلى هذا الحد أيضًا!’
وبينما كان سو مينغ يتطلع إليه مستغرقًا في أفكاره، نظر شي هاي إليهم والابتسامة تعلو وجهه وقال:“باستثناء هؤلاء الشبان، فإن بقيتنا على دراية تامة ببعضنا البعض. لقد وصلتم مبكرًا، ولم تصل بقية القبائل بعد، لذا اسمحوا لي بأن أرشدكم في مدينة تيار الريح!” كان لدى شي هاي أمور أخرى تشغل باله، لكنه طرد تلك الأفكار من رأسه، وابتسم متحدثًا بأدب، ثم وجه الجميع للهبوط نحو المدينة المصنوعة من الطين.
خلال ذلك الوقت، تحرك لي تشين ليقف بجانب سو مينغ؛ إذ بدا أنه تذكر ما حدث في الساحة عندما رأى باي لينغ، وشعر ببعض الذنب حيال ذلك، فظن أنه إذا وقف بجانب سو مينغ، فقد يستطيع إلقاء اللوم عليه!
‘يا له من صديق عظيم!’
كان سو مينغ ينظر بين الحين والآخر إلى باي لينغ، وكانت الابتسامة ترتسم على وجه باي لينغ هي الأخرى وتلتقي بنظراته أحيانًا، وكلما تلاقت أعينهما، تسارعت نبضات قلب سو مينغ.
لم يمر وقت طويل حتى وصل أفراد كلا القبيلتين إلى مدينة تيار الريح وهبطوا في ساحة كبيرة. هناك تناثر جسد التنين وتحول إلى كمية كثيفة من الضباب الأسود التي اندمجت بسرعة في جسد المرأة العجوز القادمة من قبيلة التنين المظلم.
أما الثعبان، فقد تحول إلى سحب بيضاء وتلاشى في وسط السماء.
كان هناك بالفعل أفراد من قبيلة تيار الريح ينتظرون في الساحة الكبيرة، وبناءً على أوامر شي هاي، تقدم بعضهم لإرشادهم بلطف نحو المساكن المخصصة لإقامتهم في المدينة.
ومع ذلك، كان هذا اللطف ظاهريًا فقط؛ فخلف هذا الترحيب المهذب، كانت تكمن الغطرسة.
كان سو مينغ والبقية على وشك السير خلف شان هين ورئيس الحراس نحو مساكنهم، عندما انطلق صوت من جهة قبيلة التنين المظلم:“إذن… هل أنت هو سو مينغ؟”
توقف سو مينغ، وعندما التفت، رأى المرأة العجوز من قبيلة التنين المظلم تنظر إليه بغضب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.