الفصل 439: صدمة سو مينغ
الفصل 439: صدمة سو مينغ
لم يطرأ تغير يُذكر على وجه سو مينغ، الذي ظل مختبئًا تحت قبعة القش. لكنه ركّز انتباهه على الرجل العجوز وأخذ يتفحصه. بدا أنه شامان متوسط المستوى أيضًا، إلا أن سو مينغ لاحظ أنه عندما أضاءت مصفوفة الانتقال وخرج الرجل في منتصف العمر حاملًا قارورته أولًا، أبطأ الرجل العجوز خطواته بصورة غريزية قليلًا، مما أتاح له تجاوزه وجعل الرجل في منتصف العمر يسير خلفه.
عندما وقعت عيون سو مينغ على هذا التفصيل البسيط، تمكن من استنتاج بعض الأمور.
كانت علامات الصدمة لا تزال واضحة على وجه الرجل في منتصف العمر. وعندما نظر الرجل العجوز نحو سو مينغ، تقدم بضع خطوات سريعة وتوقف على بُعد عشرة أقدام منه.
“أنا زو داو مينغ. سيدي، تفضل من هذا الطريق!” وجّه الرجل العجوز كامل انتباهه نحو سو مينغ، وتعامل معه بمنتهى التهذيب. بل إنه ضم قبضته إلى كفه وانحنى له.
أومأ سو مينغ برأسه إيماءة خفيفة، ثم تقدم بخطوات هادئة. وسار الرجل العجوز خلفه. وعندما مر الاثنان بالمكان الذي كان يقف فيه الرجل في منتصف العمر، خفض الرجل رأسه على الفور وانحنى باحترام.
لم يكترث سو مينغ بالرجل، بل اتجه مباشرة نحو مصفوفة الانتقال برفقة الرجل العجوز. وما إن أضاءت المصفوفة حتى اختفيا.
لم يطلق الرجل في منتصف العمر تنهيدة ارتياح إلا بعد مغادرة سو مينغ. وعادت إلى ذهنه ذكرى حمله القارورة الصغيرة إلى الطابق الأول. كان مدير الطابق الأول مستاءً في البداية من الأمر، لكنه ما إن أخذ القارورة الصغيرة وشمها حتى تغير تعبيره بصورة هائلة، ثم أسرع إلى الطابق الثاني. وبحلول هذه اللحظة، لم يعد الرجل يعرف أيّ مدير طابق أصبحت القارورة الصغيرة بحوزته.
ومع ذلك، كان من الواضح أن تلك القارورة الصغيرة لم تكن غرضًا عاديًا على الإطلاق، لكن الرجل لم يستطع ببساطة أن يفهم ما الذي جعلها استثنائية إلى هذا الحد.
تسببت الأضواء المنبعثة من مصفوفة الانتقال في تشوش رؤية سو مينغ قليلًا. وانساب عطر طبي خفيف إلى أنفه. كانت تلك الرائحة غريبة للغاية، لكنها اختفت عندما حاول استنشاقها بعمق ليتعرف عليها بدقة.
وبعيدًا عن تلك الرائحة الطبية، كان أول ما رآه سو مينغ رجلًا يجلس خلف مكتب مصنوع من الخشب الأرجواني، يقع أمامه مباشرة. كان الرجل يرتدي رداءً أبيض طويلًا، وكان وجهه نقيًا كقطعة من اليشم. امتلك وسامة استثنائية، ورغم أنه كان متقدمًا في العمر قليلًا، فإن لحيته الخفيفة جعلت مظهره أكثر جاذبية.
كان جالسًا خلف المكتب ورأسه منخفض، ممسكًا بقارورة سو مينغ في يده. وظهر تجعّد خفيف بين حاجبيه، كما لو كان عابسًا. وكان يشم القارورة بين الحين والآخر، ثم يغمض عينيه قليلًا.
“المعلم الكبير يو، لقد أحضرته إلى هنا.” بعدما انحنى الرجل العجوز الواقف بجوار سو مينغ باحترام للرجل ذو الرداء الأبيض، تراجع بضع خطوات نحو مصفوفة الانتقال. ربما لم يمنحه ذلك الرجل أدنى قدر من الاهتمام، لكنه لم يمانع. أضاءت المصفوفة مجددًا، واختفى الرجل العجوز.
في تلك اللحظة، لم يبقى في هذا الطابق من الجناح سوى سو مينغ والرجل ذو الرداء الأبيض.
ظل سو مينغ هادئًا. لم يستطع تحديد مستوى زراعة ذلك الرجل بدقة. وعندما امتد إحساسه الروحي نحوه، ارتد بفعل قوة لطيفة، لكنها لم تكن قوة حية، بل بدت جامدة إلى حد بعيد. ومن الواضح أن الرجل لم يكن يمتلك قوة تتفوق على قوة سو مينغ بفارق كبير، وإنما كان بحوزته كنز يجعل فحصه باستخدام الإحساس الروحي أمرًا صعبًا.
لو أراد سو مينغ حقًا التحقق من قوة الرجل، لاضطر إلى اختراق تلك القوة بقوته. ورغم ثقته بقدرته على تحطيم القوة التي صدّت إحساسه الروحي، فإنه لم يرى أي حاجة إلى فعل ذلك.
لم يتحدث الرجل ذو الرداء الأبيض، وكذلك لم يتحدث سو مينغ. ألقى سو مينغ نظرة على الطابق من حوله. كان المكان غرفة لا يمكن مقارنتها إطلاقًا بحجم الطابق الأرضي، إذ لم تتجاوز مساحتها نحو ثلث مساحته. وكانت هناك عشرات الأغراض الوهمية المتوهجة تطفو في الهواء، مما جعل الطابق مضاءً بإشراق ساطع.
انتشرت ألواح حجرية سوداء على الأرض، كما برزت من الجدران المحيطة بهما بعض المنحوتات. لم تكن تلك المنحوتات لطيور، بل كانت تمثل عددًا لا حصر له من النباتات والزهور التي بدت وكأنها حية. وكان من المؤسف أنها تفتقر إلى الألوان، وإلا لربما شعر المرء بالحيرة بشأن المكان الذي يوجد فيه عند إلقاء النظرة الأولى على الغرفة.
كانت هناك نافذة خلف الرجل ذو الرداء الأبيض الجالس إلى الطاولة الخشبية الطويلة المصنوعة من الخشب الأرجواني، وأمام سو مينغ مباشرة. تسللت أشعة الشمس عبرها، مما أضفى على الغرفة مظهرًا أشبه بعالم خيالي.
وعندما كان سو مينغ على وشك صرف نظره عن النافذة، تركزت عيناه فجأة، وألقى نظرة فاحصة على السماء خارجها، ثم شعر بقلبه يرتجف.
ما رآه كان امتدادًا لا نهائيًا من السماء، دون أن يتمكن من رؤية الأرض.
‘هذا ليس الطابق الأول… لو كان كذلك، لتمكنت من رؤية الأرض. وبالنظر إلى الارتفاع، فلا بد أن هذا الطابق هو الثالث على الأقل.’
لم يعد سو مينغ ينظر إلى النافذة، بل وجّه نظره نحو وسط الطابق.
كانت هناك ثلاثة مباخر متساوية الحجم. بلغ ارتفاع كل واحدة منها نحو نصف طول الإنسان، وكان تطويق الواحدة منها بالكامل يتطلب رجلين. تصاعدت منها خيوط من الدخان الأخضر، تحولت إلى حلقات دخانية متعاقبة انتشرت في جميع الاتجاهات.
لم تكن المباخر ذات لون واحد، بل تميزت بتشكيلة متنوعة من الألوان. بدت جميلة للغاية، لكن سو مينغ لم يثبت نظره عليها سوى لحظة قبل أن يوجهه نحو الغرض الموضوع في مركز المباخر الثلاث.
كانت صخرة بيضاوية الشكل، ذات لون أحمر داكن وسطح غير أملس. بل بدت قبيحة للغاية. كما انتشرت عليها ثقوب كثيرة، وبالنظر إلى أشكالها، لم تبدو وكأنها تكونت طبيعيًا، بل حفرها أحدهم عمدًا.
كانت تلك الصخرة ضخمة، وتجاوز ارتفاعها ارتفاع المباخر. بلغ طولها أكثر من عشرين قدمًا، وكان حجمها يعادل حجم عدة مباخر من تلك المباخر. وُضعت في وسط الطابق، فبدت بارزة جدًا وسط محيطها.
وبينما تحولت خيوط الدخان المتصاعدة من المباخر الثلاث إلى حلقات دخانية في الهواء وبدأت تنتشر، امتصت بعض تلك الحلقات الثقوب الصغيرة الموجودة في الصخرة. ثم تسرب الدخان لاحقًا من ثقوب أخرى. ولا بد أن تغيّرات فريدة من نوعها تحدث داخل الصخرة، إذ تحول الدخان المتسرب منها إلى فراشات دخانية بدت وكأنها ترقص في الهواء.
ورغم أنها كانت تختفي سريعًا، فإن فراشات دخانية جديدة كانت تظهر من جديد. واستمرت هذه الدورة في التكرار، حتى أمكن القول إن هذا المشهد لا يشبه أي شيء آخر في العالم.
تقدم سو مينغ بضع خطوات ووقف أمام الصخرة الكبيرة، متأملًا خيوط الدخان المحيطة بها وهي تتحول إلى أزواج من الفراشات التي ترقص معًا. وفجأة، انتشرت مجددًا الرائحة الطبية الخفيفة التي شمّها من قبل. كان مصدرها المنطقة الواقعة بين الصخرة والمباخر الثلاث. استطاع سو مينغ شمّها فورًا، لكنها اختفت مجددًا عندما حاول البحث عن مصدرها.
بينما كان يتأمل الصخرة، تلألأت عينا سو مينغ. ومدّ إحساسه الروحي نحوها، لكن في اللحظة التي لامسها فيها، امتصته قوة شفط هائلة على الفور. كان الأمر أشبه بحجر يغوص في المحيط. ولولا أنه سحب إحساسه الروحي في اللحظة التي لامس فيها الصخرة، لربما ابتُلعت كمية كبيرة منه.
تغير تعبير سو مينغ تحت قبعة القش. حدّق في الصخرة، وظهرت في عينيه لمحة من الدهشة.
في تلك اللحظة بالذات، وصلت إليه مجددًا الرائحة الطبية الخافتة والغامضة. وعلى الرغم من أنها ظلت خفيفة كما كانت، فإنها أصبحت أكثر كثافة قليلًا من ذي قبل. وما إن شمّها سو مينغ حتى أصيب بصدمة هائلة في أعماق قلبه، رغم أن تعبيره ظل طبيعيًا تحت قبعة القش.
والسبب أنه شعر في تلك اللحظة بتموّج خافت ينبعث من حقيبة التخزين الموجودة عند صدره. ربما لم يستمر ذلك التموج سوى لحظة واحدة، ثم عاد كل شيء إلى طبيعته في اللحظة التالية، لكن سو مينغ كان يعلم أنه لم يتوهم الأمر.
باستثناء نسخته المستنسخة وجثة السم، لم يكن هناك ما يبدو قادرًا على إصدار تموجات من حقيبة تخزينه. لكن الشيء الذي صدم سو مينغ لم يكن نسخته المستنسخة، ولا جثة السم… وبالطبع، لم يكن الثعبان الغريب أيضًا. بل كان مادة حصل عليها سو مينغ منذ زمن طويل لاستخدامها في صنع الدواء!
كان مخلوقًا أسود صغيرًا يشبه الإنسان، محصورًا داخل صخرة جبلية ضخمة كما لو كان مختومًا بداخلها! حصل سو مينغ على تلك الصخرة من المزاد الذي استضافته عشيرة البحر الغربي خارج عشيرة السماء المتجمدة. وكانت أحد المكونات الرئيسية اللازمة لصنع حبة الترحيب بالساميين.
جاءت تلك التموجات من الصخرة الجبلية، أو بالأحرى، من المخلوق الأسود الصغير الذي يشبه الإنسان، والذي بدا وكأنه ميت!
كان هذا الغرض قد أثار ضجة صغيرة في الماضي، لكن بعد ذلك، وبسبب معركة ضباب السماء، لم يجد سو مينغ الوقت ليسأل عن مصير الشخص المنتمي إلى قبيلة تجمع الاستنارة. وفي الواقع، كان قد نسي الأمر تمامًا.
وعندما شعر بالتموجات الصادرة عن الصخرة الجبلية، أصيب سو مينغ بالصدمة.
ربما لم يرى هذه الصخرة سوى مرة واحدة، لكنه من خلال مناقشاته مع وو ديو، لو عجز عن التعرف على أنها أحد الأحجار القرمزية المستخدمة في فعالية المقامرة بالكنوز، فعندئذ لم يعد سو مينغ.
‘يحتوي عدد قليل من هذه الأحجار القرمزية المستخدمة في فعالية المقامرة بالكنوز على أعشاب متحجرة بالكامل، أو متحجرة جزئيًا، أو… أعشاب لم تتحجر على الإطلاق. هذا… يشبه إلى حد مذهل المخلوق الأسود الصغير المحصور داخل صخرتي الجبلية! لكن أحدهما يحتوي على أعشاب، بينما يحتوي الآخر على مخلوق يشبه الإنسان!’
‘كما أن وو ديو ذكر سابقًا أن هذه الأحجار القرمزية لا تحتوي على الأعشاب وحدها، بل تضم أشياء أخرى كثيرة أيضًا!’
كانت أصوات مدوية تتعالى داخل رأس سو مينغ. لم يسبق له أن ربط بين هذين الغرضين من قبل، لكن التموجات الصادرة عن الصخرة الجبلية كشفت جانبًا من اللغز الذي كان يكتنف الأمر!
‘هل يُعقل أن الصخرة الجبلية التي تحتوي على هذا المخلوق الأسود الشبيه بالإنسان قد جاءت من هذا المكان أصلًا؟!’
كان سو مينغ مصدومًا وهو ينظر إلى الصخرة أمامه. وكان متأكدًا تمامًا من أن الرائحة لم تكن صادرة عن الدخان المتصاعد من المباخر.
ففي النهاية، كان دخان المباخر موجودًا باستمرار، ولم تكن له علاقة بالرائحة الطبية التي ظلت خافتة وغامضة.
وقف سو مينغ في مكانه للحظة، ثم تقدم بضع خطوات واقترب من الصخرة. أغمض عينيه، وبعد مرور وقت طويل، ظهرت الرائحة الطبية مجددًا. استنشق نفسًا عميقًا، ومع الشهيق، دخلت كمية كبيرة من تلك الرائحة الطبية عبر أنفه واندفعت مباشرة إلى ذهنه. وفي تلك اللحظة، وجّه إحساسه الروحي نحو حقيبة تخزينه ليراقب المخلوق الأسود الشبيه بالإنسان، المحصور داخل الصخرة الجبلية.
وفي تلك اللحظة بالذات، شعر سو مينغ بأن المخلوق الأسود الصغير الشبيه بالإنسان يرتجف قليلًا، وأحسّ بالتموجات بوضوح. ثم انتشرت المزيد من التموجات، ولولا أن المخلوق كان داخل حقيبة التخزين وأن سو مينغ أخفى وجوده بإحساسه الروحي، لتمكن الأشخاص المحيطون به من استشعار تلك التموجات بوضوح تام.
بعد ذلك بوقت قصير، رأى إحساس سو مينغ الروحي ضوءًا أسود يومض على الصخرة الجبلية داخل حقيبة التخزين، بينما كان المخلوق الأسود الصغير الشبيه بالإنسان يرتجف. ثم ظهرت، وسط كل ذلك، صورة خافتة وضبابية في مركز جبهته.
كانت الصورة لعشبة ذات سبع أوراق، تنتهي كل ورقة منها بطرف حاد يشبه رأس ثعبان سام. بل إن إحدى الأوراق التي تشبه رؤوس الثعابين السامة كانت تطلق أحيانًا فحيحًا، مع لسانها المشقوق المتدلي من فمها، حتى بدت وكأنها حية!
ومع ذلك، كانت تلك الورقة وحدها تتصرف بهذه الطريقة. أما الأوراق الأخرى فكانت باهتة، وكأنها خالية من الحياة، ولم تحتفظ سوى بشكل رأس الثعبان السام.
“سيدي، لقد أمضيت وقتًا طويلًا في تأمل هذا الحجر القرمزي. هل يُعقل أنك رأيته من قبل؟” وبينما كان قلب سو مينغ يعج بالصدمة، وصل إلى أذنيه صوت لطيف.
“سيدي، لقد أمضيت وقتًا طويلًا في تأمل القارورة الصغيرة أيضًا. هل يُعقل أنك شممت تلك الرائحة الطبية من قبل؟” سأل سو مينغ بهدوء، بعدما استدار وكبح الصدمة في قلبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.