الفصل 43: التعاليم
الفصل 43: التعاليم.
في اليوم الثالث لعودة سو مينغ إلى القبيلة، تجمعت مجموعة من الناس بقيادة الشيخ في وسط القبيلة؛ وهو المكان ذاته الذي استخدموه في حفل صحوة البيرسيركر. كان الشيخ لا يزال يرتدي ثيابًا مصنوعة من قماش الخيش، وشعره الأبيض ما زال مزينًا بعدد كبير من الضفائر الصغيرة. بدا في حالة معنوية عالية وهو ينظر إلى بي لينغ، ولي تشين، وسو مينغ، وفتاة أخرى في مثل عمر سو مينغ.
كان اسم الفتاة "وو لا"، وهي إحدى الذين خضعوا لطقس الصحوة وحصلوا على جسد البيرسيركر. وقد مرت بضعة أشهر منذ ذلك الحين، لتصل الآن إلى ذروة المستوى الثاني من عالم تكثيف الدم؛ حيث بدا أن ظهور الوريد الدموي الحادي عشر وتصبح ممارسة بيرسيركر من المستوى الثالث في عالم تكثيف الدم ليس سوى مسألة وقت.
وقف شخصان إلى جانب الشيخ؛ أحدهما رئيس الحرس، والذي تصادف أنه والد بي لينغ. كان جسده القوي يجعله يبدو كبرج حديدي، غير أن نظراته الثاقبة كانت تخفي قدرًا من اللطف.
أما الشخص الآخر فكان رئيس الصيادين الصارم والمهيب "شان هين"، الذي بدا أكثر ضراوة وهو يرتدي جلود الوحوش. لم يكن أبدًا من النوع اللطيف، غير أن معظم ممارسي البيرسيركر في القبيلة كانوا يكنون له احترامًا جمًا. فضلاً عن ذلك، كان فريق الصيد الخاص به مُكلَفًا بمهمة حماية القبيلة وتوفير الغذاء، ولهذا كانت مكانته رفيعة للغاية داخل القبيلة.
“إن قبيلتنا صغيرة ولا يمكننا مقارنتها بقبيلة تيار الريح، ولهذا السبب يتعين علينا تقديم القرابين لهم مرة كل بضع سنوات إظهارًا لاعترافنا بهم كقادة لنا. عادةً لا أذهب بنفسي، لكن يتحتم عليّ الذهاب هذا العام. وإلى جانبنا، فإن قبيلة التنين المظلم وقبيلة الجبل الأسود وغيرهما من القبائل الصغيرة الموجودة في هذه المنطقة ستجتمع جميعها في قبيلة تيار الريح.”
“وعلى هذا النحو، ستكون هذه الرحلة اختبارًا لكم جميعًا؛ فمهمتكم هي أن تبرزوا بين أقرانكم وألا تجلبوا الخزي لقبيلتنا، والأمر متروك لكم جميعًا لتحقيق ذلك.”
“ولم يقع الاختيار عليكم لاصطحابكم إلا لأنكم قادة المستقبل في قبيلة الجبل المظلم، وستكون هذه الرحلة بمثابة تجربة ستساعدكم في المستقبل.”
تابع الشيخ ببطء: “من بينكم جميعًا، سبق لبي لينغ أن رافقنا إلى قبيلة تيار الريح مرتين، وهو يعلم بعض تفاصيل هذه الرحلة، لذا يسعكم سؤاله إن رغبتم في ذلك.” تحدث الشيخ ببطء بنبرة صوت مهيبة.
أومأ بي لينغ إيجابًا لطلب الشيخ بصوت منخفض، ثم وقعت نظراته على لي تشين، والفتاة المسماة وو لا، وأخيرًا على سو مينغ الواقف إلى جواره، وعقد حاجبيه بعبوس.
“أيها الشيخ، هل ستكون هذه الرحلة كسابقتها؟ هل سيكون ثمة… اختبار؟” تردد بي لينغ للحظة وهو يسأل الشيخ باحترام. وعندما أومأ الشيخ برأسه، أومض بريق حاد في عيني بي لينغ وأشار نحو سو مينغ قائلاً:“أيها الشيخ، أرى أن سو مينغ لا ينبغي له الانضمام إلينا، فهو ليس من ممارسي البيرسيركر، وحتى لو رافقنا، فلن يقدم أي فائدة أو عون لنا. يُفضل أن نترك مقعده لفرد آخر من القبيلة.”
وفي اللحظة التي نطق فيها بي لينغ بهذا، امتلأت عينا لي تشين بالاستياء الشديد، فخطا بضع خطوات إلى الأمام وصاح في وجه بي لينغ:“ألا يسعه الذهاب معنا لمجرد أنه ليس ممارس بيرسيركر؟! يا بي لينغ، ما هذا الهراء؟!”
أما الفتاة المسماة وو لا، فقد لزمت الصمت وهي تنظر إلى سو مينغ الذي ظل صامتًا. كان هناك ازدراء في نظراتها، لكنها لم تنضم إلى الجدال.
“أيها الشيخ، لا يُسمح لنا إلا باصطحاب أربعة من جيل الشباب في القبيلة كلما انضممنا إلى طقوس الصلاة. وفي الاختبارات السابقة، كنت الوحيد من قبيلة الجبل المظلم الذي صُنِّف بين أفضل 50 مقاتلًا شابًا. وقد ينضم إلينا لي تشين هذا العام، وربما يحظى بمركز أفضل، وحتى وو لا، على الرغم من أن تدريبها لم يصل لمستوى عالٍ بعد، إلا أنها أثارت تسعة إشراقات من تمثال سامي البيرسيركر أثناء صحوتها، وقد تنجح في دخول قائمة المئة الأوائل.”
“هذه النتيجة أفضل بكثير من الأعوام السابقة؛ فإن كان هناك شخص آخر يستطيع الوصول إلى قائمة المئة الأوائل، أفلن يكون ذلك أفضل؟ سو مينغ يضيع المقعد سدى.” تحدث بي لينغ بهدوء، رافضاً حتى النظر إلى لي تشين، الذي كان يحدق فيه بغضب.
قال الشيخ ببطء: “لن يخوض سو مينغ الاختبار، بل سأصحبه معنا لغرض آخر.”
أراد بي لينغ الاستمرار في الاعتراض، لكن رئيس الحرس القابع خلف الشيخ رمقه بنظرة صارمة، مما جعل بي لينغ يبتلع كلماته التي كاد ينطق بها؛ فقد كان يهاب والده منذ نعومة أظفاره.
“حسنًا، ليس لدينا الكثير من الوقت… دعونا نذهب.” رفع الشيخ يده اليمنى ولوّح بها نحو السماء الصافية، ليهدر الرعد فورًا في أرجاء الأرض، وتشرع الغيوم البيضاء في السماء في التحول إلى الظلام.
وفي الوقت ذاته، برزت علامة البيرسيركر المتشكلة من أوردة دموية عديدة بوضوح على وجه الشيخ، متجسدة في هيئة أفعى. وبمجرد ظهور علامة البيرسيركر، اضطربت السحب المظلمة في السماء وكأن زوج من الأيدي الغير مرئية تحركها، لتتجمع في طرفة عين وتتحول فجأة إلى ثعبان أسود ضخم وشرس بلغ طوله نحو مئة قدم!
صدم هذا المشهد كلا من لي تشين و وولا، فوقفا ينظران بدهشة، أما بي لينغ فكان بالكاد قادرًا على الحفاظ على رباطة جأشه، يجبر نفسه على إبداء الهدوء.
وقف سو مينغ إلى جواره متطلعًا إلى الثعبان الأسود الضخم، واستنشق نفسًا عميقًا بينما يرتسم الشغف في عينيه.
رمق رئيس الحرس القائم خلف الشيخ الثعبان العملاق بقدر من الإجلال، بينما لمعت في عيني شان هين نظرة متعصبة لفترة وجيزة وهو ينظر إلى الثعبان العملاق.
ورغم أن الثعبان كان متشكلًا من السحب، إلا أن الحراشف الموجودة على جسده كانت واضحة للعيون كأنها حقيقية، وانبعثت من هيئته العاتية هالة مهيبة غمرت المكان. حرك الثعبان رأسه، وكانت عيناه المحمرتان تفيضان ببريق شرير، غير أن هذا البريق زال تدريجيًا ليحل محله نظرة لطيفة؛ فهبط من السماء وخفض رأسه جاثيًا بجوار الشيخ بخضوع.
رفع الشيخ قدمه وخطا فوق الثعبان واقفًا على رأسه، ثم نادى:“تعالوا.”
كان بي لينغ أول من قفز ليعتلي ظهر الثعبان العملاق، وما إن جلس متربعًا، حتى قفز لي تشين و وولا بدورهما على ظهر الثعبان. تردد سو مينغ للحظة قبل أن يقفز بدوره، وما إن همَّ بالتراجع بضع خطوات إلى الخلف ليتكئ إلى جوار لي تشين، حتى انساب صوت الشيخ إلى أذنيه:“سو مينغ، تعال إلى جواري!”
كان في صوت الشيخ نبرة حازمة جعلت سو مينغ يتقدم في قلق نحو الشيخ، وما إن جلس حتى وجد الشيخ يرمقه بنظرة حادة.
همس سو مينغ على الفور: “أيها الشيخ… لقد أخطأت… واقترفت أمرًا شنيعًا حقًا…”
تجاهله الشيخ، وانتظر بدلاً من ذلك اعتلاء رئيس الحرس وشان هين ظهر الثعبان الأسود، ثم لوّح بيده اليمنى لينطلق الثعبان الأسود فورًا نحو أفق السماء ويخترق السحاب.
تضاءلت القبيلة القابعة تحتهم بسرعة أمام أعينهم حتى أصبحت مجرد نقطة صغيرة مع استمرار صعود الثعبان الأسود في السماء، بينما كانت الرياح تعصف بعنف كصوت الرعد المتلاطم، فشحب وجه سو مينغ.
ولم يختلف الحال بالنسبة لـ لي تشين والآخرين، إلا أن رئيس الحرس ورئيس الصيادين وقفا في المنتصف وعلى ذيل الثعبان على التوالي لحمايتهم.
أما سو مينغ، فقد تسارعت أنفاسه تحت وطأة الرياح العاتية، ولكن سرعان ما أحاطت به طاقة رقيقة منبعثة من الشيخ، ساعدته على تحمل ضغط التحليق في السماء للمرة الأولى.
“إذن… الآن تعلم أنك أخطأت؟ هيا قل لي، ما هو الخطأ الذي ارتكبته؟ ألم يكن سي كونغ من قبيلة التنين المظلم هو من اقترض منك 5000 عملة حجرية ورهن رمحه لديك؟”
ورغم هبوب الرياح العنيفة حولهم، إلا أن صوت الشيخ اخترقها بوضوح ليصل إلى أذني سو مينغ؛ فبفضل طاقة "التشي" المغلفة لهما من الشيخ، لم يكن بمقدور أي شخص آخر على ظهر الثعبان الأسود سماع حديثهما.
“أم…” شعر سو مينغ بالحرج البالغ؛ فعندما عاد إلى القبيلة، هرع بحماس إلى الشيخ ليروي له بطولته، لكن الشيخ ما إن سمع القصة حتى أصبح وجهه مظلم ووبخ سو مينغ، بل إنه انتزع منه الرمح الطويل. جعل هذا سو مينغ يتنهد بكآبة متواصلة في بيته، عاجزًا عن استيعاب وجه خطئه.
“أيها الشيخ… أنا آسف… ما كان ينبغي لي أخذ وعاء البيرسيركر من سي كونغ، وما كان لي أن أكون جشعًا…” قال سو مينغ كلماته بتأنٍّ وهو يراقب تقلبات وجه الشيخ بقلق.
“وما كان يجب عليّ إكراهه على كتابة عهد الدم أيضًا… آه… أيها الشيخ، أنا آسف حقًا.” حدّق سو مينغ في الشيخ بعينين واسعتين.
“أوه؟ أهذه هي أخطاؤك فحسب؟ ألا يوجد شيء آخر؟ فكر جيدًا في أين أخطأت.” تحدث الشيخ ببطء وهو يرمق سو مينغ بنظرة متفحصة.
ذهل سو مينغ وخدش رأسه لا شعوريًا، مفكراً بكلمات الشيخ بعناية؛ إذ بدا أن ثمة معنى آخر خلفها. فهل ارتكب أخطاء أخرى غير التي ذكرها؟
عبس سو مينغ وغرق في التفكير، وفجأة، أومض بريق خاطف بارد في عينيه، فرفع رأسه مسرعًا.
“أيها الشيخ، لقد فهمت! كان يجب عليّ قتله وإخفاء جثته قبل أن آخذ وعاء البيرسيركر!”
عندما سمع الشيخ عبارة سو مينغ، ضاقت عيناه بوضوح وحدّق في سو مينغ بدهشة، ولم يكن يبدو أنه ينظر إلى الفتى الجالس أمامه بل يتأمل في أمر أعمق لا يفهمه سو مينغ.
“أوه؟ ولماذا تظن أنك أخطأت في ذلك؟ ولِمَ كان عليك قتله؟” نظر الشيخ إلى سو مينغ وسأله بلطف.
“لأنه كان ينوي قتلي! أيها الشيخ، إنك لا تعلم عن هذا، لكنه كان يريد قتلي حقًا، ولو لم أتوخّ الحذر لما رأيتني مجددًا… غير أنني… لم أستطع أن أجرؤ على قتله، وفكرتُ أنني إن قتلته فستواجه القبيلة عواقب وخيمة…” أوضح سو مينغ بصوت منخفض بعد لحظة تردّد، وكان الرعب لا يزال يساور قلبه وهو يتذكر إحداث ذلك اليوم.
“أنت على حق… سو مينغ، عليك أن تطبع هذا في ذهنك؛ متى ما صادفتَ من يسعى إلى قتلك، فلتقضِ على الخطر!” أغمض الشيخ عينيه، وبعد فترة طويلة فتحهما ببطء وهو ينظر إلى سو مينغ بلطف.
“لكن ليس هذا هو الخطأ الذي أعنيه… فكّر فيما غاب عن ذهنك أيضًا؛ إن قتل الناس أمر سهل ولكن كيف تضمن سلامتك الشخصية بعد قتل أحدهم؟ إذا كنت في خطر، كيف تجد طريقًا للنجاة في موقف ميؤوس منه؟” نظر الشيخ إلى سو مينغ وسأل بهدوء.
حكّ سو مينغ رأسه؛ فرغم ما أبداه من قدرات وبصيرة استثنائية، إلا أنه يظل في النهاية فتًى مراهق. وبقي عقله مشوشًا بعض الشيء لكلمات الشيخ وأكثر ارتباكًا.
“فكر في الأمر جيدًا، ولا تعطيني الإجابة الآن… بمجرد أن تفهم ذلك، يمكنك أن تخبرني. يجب أن تتعلم التفكير والتأمل في أفعالك.” ثم أغمض الشيخ عينيه.
ولطالما تكرر هذا المشهد مرارًا أثناء نشأة سو مينغ، إذ اعتاد الشيخ على هذا النمط من المواعظ، وكانت لتعاليمه اليد الكبرى في صقل شخصية سو مينغ ونموه.
غرق سو مينغ في تفكير عميق محاولاً استرجاع كل ما جرى في ذلك اليوم، منذ لحظة أخذه الرمح الطويل لمطاردة سي كونغ وحتى النهاية…
لقد مر الوقت ببطء، وانقضت ساعة كاملة. وبينما كانوا لا يزالون على مسافة لا تتجاوز منتصف الطريق إلى قبيلة تيار الريح، هبت عاصفة هوائية عاتية من أفق بعيد، متسببة في اهتزاز الثعبان الأسود فجأة، ليتأرجح جميع من على ظهره مع حركته المضطربة. ومع ترنح جسد سو مينغ جراء هذه الحركة المفاجئة، خطرت في ذهنه فكرة كالبرق.
“أيها الشيخ… لقد فهمت الآن…”
وبينما تمتم سو مينغ بهذه الكلمات، شعر بعرق بارد يتصبب على ظهره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.