الفصل 42: سداد الديون
الفصل 42: سداد الديون.
بعد فترة قصيرة، عاد سو مينغ بسرعة إلى موقع الاشتباك، ووقف إلى جانب سي كونغ الفاقد للوعي ثم طاف حوله لبعض الوقت. رفع رأسه ونظر نحو السماء والقمر؛ كان ضوء القمر يبدو لطيفًا وناعمًا وهو يتألق على الأرض.
‘ليس من المناسب لي أن أسرق وعاء البيرسيركر الثمين بهذه الطريقة، فليس لدي تفسير مناسب لذلك، فضلاً عن أنه يمكن لقبيلة التنين المظلم استعادته في أي وقت. علاوة على ذلك، قد أُتَّهَم حتى بانتزاع الكنز… هل أقتله أم لا؟’
خيم الصمت على سو مينغ للحظة، فنظر إلى سي كونغ واتخذ قراره.
أخرج بعض الأعشاب من صدر ثوبه وسحقها حتى جرى سائلها، ثم مسح به على شفتي سي كونغ. بعد ذلك، جلس إلى جواره وأخذ يربت على رأسه برفق وإيقاع منتظم بيده اليسرى، وكأنه يحاول إيقاظه بصفعات خفيفة.
وبعد فترة وجيزة، ارتعش جسد سي كونغ بالكامل وفتح عينيه فجأة. كانت رؤيته لا تزال ضبابية ومغوشة، ومع ذلك، استطاع لمح وجه سو مينغ المبتسم في نطاق رؤيته الباهت.
ذُهِل سي كونغ للحظة، ثم اتسعت عيناه بينما لا تزال الحيرة والارتباك يعتليهم، وبقي عقله مشوشًا خاليًا. شعر بأنه رأى شيئًا قبل أن يفقد وعيه، لكنه كان غامضًا في ذهنه لدرجة أنه لم يستطع تحديده، فبدأت الحيرة تتملكه.
وعندما همَّ بالحركة، حرّك سو مينغ الرمح الأسود في يده اليمنى ووجّه سنانه على مسافة ثلاث بوصات فقط من حنجرة سي كونغ؛ فلو تقدم سو مينغ إلى الأمام قليلا، لثُقِبَت حنجرة سي كونغ ولتردّى قتيلًا في لحظة.
“لا تتحرك.”
وفي عيني سي كونغ، بدا البريق الذهبي على سنان الرمح وكأنه شعاع ضوء على وشك أن يفتك بحياته، مما جعله يرتجف قليلاً، وحدّق في سو مينغ وعيناه تظهران الخوف والصدمة.
“ماذا… ماذا تريد أن تفعل؟! أنا ابن زعيم قبيلة التنين المظلم! إذا قتلتني فلن تدعك قبيلتي تفلت بفعلتك! أعلم أنك من قبيلة الجبل المظلم، ولو قتلتني، فلن تحميك حتى قبيلة الجبل المظلم!”
لم يستطع سي كونغ بعدُ فهم كيف خسر؛ فقد تذكر فقط أن الفتى أمامه لوى يده، ثم أُغمي عليه وسط ألم عارم. وكلما عجز عن فهم كيفية هزيمته، بدا له هذا الفتى المبتسم أكثر غموضًا وهيبة. تحول هذا الإحساس إلى رعب، ومع توجيه الرمح نحو حنجرته، تراجع إلى الخلف غريزيًا بدافع الخوف.
لكن بينما كان يتراجع إلى الخلف، تذوق شيئًا مريرًا على لسانه. مرر لسانه على شفتيه ليزداد طعم المرارة، مما جعل وجهه يشحب بالكامل. تملكه حدس شؤم، وارتسم الرعب على ملامحه، فرفع يديه ومسح فمه، ليرى سائلاً بني اللون على يده.
“أنت! ماذا أطعمتني؟!”
“لا شيء… أنها مجرد أعشاب طبيعية، إلا أنها مسمومة بعض الشيء.” قال سو مينغ مبتسماً وكانت ابتسامته مكتنفة بالغموض.
امتلأت عينا سي كونغ باليأس فور سماعه هذه الكلمات، وارتجف جسده بالكامل لشعوره باشتداد طعم المرارة في فمه، حتى إنه شعر بوخز في لسانه.
“لن تجرؤ على قتلي!” رفع سي كونغ رأسه ونظر إلى سو مينغ بشراسة.
“لك أن تصدق ما تشاء… وإن لم تصدقني، فليس في وسعي شيء آخر لإقناعك، غير أن الترياق بحوزتي. إذن، أنت ابن زعيم قبيلة التنين المظلم؟ ما اسمك؟”
كان سو مينغ يشعر ببعض الذنب، لكنه ضبط ملامح وجهه كي لا يعرف أحد ما يدور في ذهنه، وابتسم وهو يخاطب سي كونغ.
“أنت… أنا… اسمي سي كونغ! لا يمكنك قتلي، وإلا فلن تكتفي بجلب المشاكل لقبيلتك بل لن تجني شيئًا…”
ظلت عينا سي كونغ حادتين، لكنه كان يشعر بتوتر شديد؛ فلم يقتصر الأمر على وخز لسانه، بل وكان صدره ينبض من الألم أيضًا، أضف إلى ذلك عجزه عن قراءة أي شيء من تعابير وجه سو مينغ، مما زاد من رعبه.
“يا سي كونغ، ما رأيك أن نتحدث في أمر ما؟” رفع سو مينغ رأسه ونظر نحو القمر وهو يتحدث ببطء.
كان وجه سي كونغ شاحبًا، ولم يعد بمقدوره إخفاء الخوف المتعاظم في عينيه، فأومأ برأسه على الفور.
“يعجبني رمحك هذا… ما رأيك أن تبيعه لي؟ سأشتريه منك مقابل 5000 عملة حجرية.” لمعت عينا سو مينغ بنظرة ذات معنًى وهو ينظر إلى سي كونغ.
تردد سي كونغ للحظة وهو ينظر إلى الرمح بين يدي سو مينغ وطرفه المصوب إلى حنجرته، فكيف لا يوافق؟ كما أن طعم المرارة في فمه وسعيه وراء حياة سو مينغ أجبراه على الاعتقاد الجازم بأن سو مينغ قد أطعمه نوعًا من الأعشاب السامة لا محالة.
أراد أن يراهن على أن الشخص المقابل له لن يجرؤ على قتله، فهو في نهاية المطاف ذو مكانة مرموقة، وإذا هلك، فستندلع الحرب بين القبيلتين لا محالة.
بل إنه كان مستعدًا للمراهنة على أنه حتى لو انتزع الفتى الرمح الطويل منه، فسيبقى لديه الكثير من السبل لاستعادة هذه القطعة الأثرية الثمينة بمساعدة والده.
ومع ذلك، فإن طعم المرارة القاسي في فمه منعه من المخاطرة؛ فقد كان خائفًا للغاية… ماذا لو… ماذا لو…؟
ولا سيما أن رأسه كان يؤلمه بشدة بسبب الضربات التي وجهها له سو مينغ سابقًا. لم يتردد سي كونغ إلا لحظة وجيزة قبل أن يومئ برأسه موافقًا بسرعة.
ابتسم سو مينغ بابتهاج، ومزق قطعة كبيرة من قماش رداء سي كونغ. جعل هذا التصرف قلب سي كونغ يخفق بشدة في صدره، وشحب وجهه أكثر حتى بدا وكأنه خسر كل دمائه.
“بما أن هذه صفقة تجارية، فنحن بحاجة إلى وثيقة تثبت اتفاقنا. لنكتب ما يلي: ‘أنا سي كونغ أعاني من عجز مالي، وعليه فإنني أبيع هذا الرمح مقابل 5000 عملة حجرية…”
تردد سو مينغ فجأة في منتصف حديثه ثم هز رأسه.
“لا، هذا لا يصلح… اكتبها على هذا النحو: ‘أقسم أنا سي كونغ بمكانتي كـ أبن لزعيم قبيلة التنين المظلم، بأني نظرًا لظرف طارئ اقترضتُ 5000 عملة حجرية من قبيلة الجبل المظلم، ورهنتُ سلاح البيرسيركر لمدة 10 سنوات، وأتعهد بإعادة 10000 عملة حجرية بعد 10 سنوات لاسترداد الرمح. ولا يحق لي خلال هذه الفترة استعادة الرمح بأي طريقة أخرى، فإن أخلفتُ بوعدي فلْيعاقبني تمثال سامي البيرسيركر!”
وعندما أنهى سو مينغ كلامه، نظر إلى سي كونغ.
خيمت نظرة بائسة على وجه سي كونغ بعد استماعه لكلمات سو مينغ، ولا سيما الأسطر الأخيرة منها. وعندما أبدى بعض التردد، رأى سو مينغ يخرج عشبًا لم يره من قبل من صدر ثوبه، ثم سمع صوت سو مينغ إلى جوار أذنه:“هذا هو الترياق.”
حدق سي كونغ في العشب وصر على أسنانه غيظًا، ثم أدخل إصبعه في فمه وجرحه بأسنائه، وبدأ يكتب بالدم على قطعة القماش. وبعد فترة وجيزة، أكمل كتابة الوثيقة بأكملها على القماش.
انتزع سو مينغ قطعة القماش الخشنة وتفحصها، لتبدو الإثارة جلية في عينيه. نفخ عليها بعناية حتى جف الدم، ثم طواها ووضعها في صدر ثوبه وربت عليها بضع مرات، وابتسم وهو ينظر إلى سي كونغ قائلاً:“يا سي كونغ، تذكر هذا جيدًا… عليك سداد دينك، وسأنتظرك لمدة 10 سنوات لا غير!”
كانت عينا سو مينغ تتألقان بدهاء ومكر. وضع العشب على الأرض وانطلق ركضًا مبتعدًا، تاركًا سي كونغ يجلس بمرارة على الثلج.
التقط سي كونغ العشب بسرعة، وبعد لحظة قصيرة من التردد، كان يتملكه الخوف من تناوله، فنُهض بسرعة وركض عائدًا إلى قبيلته.
وبعد مغادرته، ظهر ظل شخص غامض فجأة من العدم على السهل الثلجي الساكن. كانت امرأة عجوز وملامح وجهها تحمل الكآبة، وكانت تمسك بين يديها عصا عظمية ضخمة تعلوها جمجمة بشرية ينبعث منها وهج غريب.
‘أهذا هو الطفل من ذلك الوقت قبل كل تلك السنين؟… ما هو فن البيرسيركر الذي استخدمه؟ لا أستطيع تمييزه… لم أره من قبل.’
نظرت المرأة العجوز نحو الاتجاه الذي سلكه سو مينغ، وتألقت عيناها وكأنها تغرق في تفكير عميق. وبعد فترة طويلة، استدارت وسارت نحو قبيلة التنين المظلم حتى اختفت تدريجيًا.
بينما كان سو مينغ يركض في الغابة، كان ينظر أحيانًا إلى الرمح بين يديه ويقهقه ببراءة وشغف واضحين في عينيه. حتى "شياو هونغ"، الذي كان يجلس على كتفيه، أخذ ينظر إلى الرمح بفضول ويصدر صيحات متواصلة، فقد استشعر بدوره قوة عارمة كامنة في داخل الرمح.
‘هذا جزاؤك لأنك حاولت منعي من رؤية باي لينغ… وبالنظر إلى تصرفاته، فلا بد أنه واقع في حبها. وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أن الكثيرين يعلمون بأني أنقذت باي لينغ…’
تباطأت خطوات سو مينغ وهو يغرق في تفكيره.
‘يا ترى كم من التفاصيل كشفت لهم باي لينغ؟… إن كانت قد أخبرتهم بكل شيء، فإن الكهف الذي أستخدمه لتنقية الأعشاب لم يعد آمنًا…’
شعر سو مينغ بضيق مفاجئ، فعبس وفكر في الأمر مليًا، ثم واصل اختراق الغابة بصمت تحت غطاء الليل.
ومضت عينا شياو هونغ وهو يراقب سو مينغ الذي يبدو منزعجاً من شيء ما، لتخطر بباله فكرة؛ فاعتلت الفطنة ملامحه وابتسم ابتسامة عريضة، ثم قفز من على كتف سو مينغ واختفى داخل أعماق الغابة في طرفة عين.
“تذكر… لا تعد إلى جبل الشعلة السوداء! ولا ترجع إلى كهف النيران أيضًا!” نظر سو مينغ نحوه وصاح بسرعة.
كانت الغابة موطن شياو هونغ، لذا لم يساور سو مينغ أي قلق عليه من المخاطر. فضلاً عن ذلك، لم يكن بعيدًا عن القبيلة، وأثناء مسيره أجبر نفسه على طرد المخاوف التي تزعجه، وتحلى بالبهجة والارتياح في طريق عودته إلى قبيلته.
وعندما حل منتصف الليل وكان القمر يتألق في السماء، لمح سو مينغ ضوء نيران القبيلة من موقعه. وكان على وشك الخروج من الغابة عندما سمع أصوات حفيف تأتي من خلفه، فاستدار ليرى شياو هونغ يركض نحوه بحماس والفخر يغمر وجهه.
كانت بين يديه حزمة كبيرة من الفراء الأسود، وما إن لحق بسو مينغ حتى دس الحزمة في يديه على الفور. بدا سو مينغ في تلك اللحظة حائرًا مرتبكًا، بينما تراجع شياو هونغ بضع خطوات إلى الخلف وأخذ يشير إلى الحزمة ثم إلى فخذه، وقام ببعض الحركات الغريبة وكأنه يعلم سو مينغ طريقة استخدام الفراء…
ضرب على صدره بفخر وأصدر بضع صيحات متتالية، وكأنه يخبر سو مينغ بفوائد هذا الشيء…
نظر سو مينغ إلى شياو هونغ وانفجر بالضحك العالي. وعندما رأى شياو هونغ أن سو مينغ قد زال عبوسه، ابتسم ابتسامة عريضة إذ أدرك أن صديقه لم يعد منزعجًا.
“شياو هونغ…” قرفص سو مينغ ومد يده نحو شياو هونغ، فركض القرد الصغير نحوه على الفور.
نظر سو مينغ إلى شياو هونغ بنظرة تفيض حنانًا، وربت على فروه الناعم بهدوء، بينما غمر الدفء قلبه لتصرفات هذا القرد الصغير.
“عندما لا أكون بجوارك، تذكر ألا تعود إلى جبل الشعلة السوداء، ولا ترجع إلى كهف النيران أيضًا… اذهب إلى مكان آخر، وفور عودتي سأبحث عنك.”
“وأيضًا، لا تطرح الحبوب التي أعطيتك إياها جانبًا لمجرد أنها سيئة المذاق؛ عليك أن تتناول حبة واحدة كل يوم مع الأعشاب كما علمتك… تذكر هذا جيدًا.”
تحدث سو مينغ بهدوء وابتسم، ثم نظر إلى شياو هونغ وعاد إلى القبيلة ماشياً ببطء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.