الفصل 33: لي سو
الفصل33: لي سو.
“انظر إلى شعرك، إنه أبيض!” غطت باي لينغ فمها وضحكت. كان الضوء في عينيها ساطعًا جدًا مما جعل الشعور الغريب في صدر سو مينغ يزداد قوة.
“أنا لست الوحيد، فقد أصبح شعركِ أبيض أيضًا. أنتِ امرأة عجوز الآن!” أشار سو مينغ إلى باي لينغ وضحك.
ضحك الاثنان وتحدثا وشعرا بمزيد من الألفة مع بعضهم البعض. خلال تلك الليلة الثلجية، كان سو مينغ سعيدًا لكنه شعر أيضًا أن الوقت يمر بسرعة كبيرة، وقبل أن يدرك، بدأت السماء تضيء.
لم يكن ذلك بسبب الثلج، بل بسبب شروق الشمس.
كان الليل قد انتهى، وعندما أشرقت الشمس وأضاءت السماء، كانت الثلوج لا تزال تتساقط. نزل سو مينغ وباي لينغ من الشجرة، وبمجرد أن نَفَضا الثلج عن نفسيهما، ابتسما لبعضهما البعض.
لم يقل سو مينغ شيئًا، بل قرفص بدلاً من ذلك. أضاءت عينا باي لينغ لفترة وجيزة، وصعدت مرة أخرى على ظهره الهزيل، بينما ازدهر إحساس دافئ في صدرها.
هذه المرة، أصبح الشعور الغريب أكثر وضوحًا كلما اقترب من قبيلة التنين المظلم؛ فقد كان غير راغب في التخلي عن باي لينغ. ببطء، أصبح صامتًا وأصبحت خطواته أبطأ، وبدأ يدور في الغابة مرة أخرى.
تمسكت باي لينغ بظهر سو مينغ. وتمامًا كما حدث في اليوم السابق، شاهدت الكثير من الأماكن بشكل متكرر وعرفت أن سو مينغ كان يتجول في دوائر، ولكنها في هذه المرة لم تتحدث. وضعت رأسها على ظهر سو مينغ، مستمعة إلى دقات قلبه.
ومع ذلك، لا بد لكل شيء أن ينتهي في المطاف. كانت الشمس قد ارتفعت إلى أعلى نقطة في السماء ثم بدأت تغرب مجددًا. ظهرت معالم قبيلة التنين المظلم في مدى رؤية سو مينغ على الرغم من تساقط الثلوج.
عندما رأى القبيلة، وضع سو مينغ باي لينغ على الأرض والابتسامة تعلو وجهه:“أنتِ في دياركِ الآن.”
ألقت باي لينغ نظرة على قبيلتها ثم عاد بصرها إلى سو مينغ، وكان التعبير على وجهها الجميل غامضًا لا يُفسَّر. أومأت برأسها بصمت وسارت نحو سو مينغ، ثم مسحت الثلج عن جسده بيديها النظيفتين.
“شكرًا لك… آمل أن تعود إلى قبيلتكَ سالماً…” فتحت باي لينغ فمها مرة أخرى وكأنها على وشك قول شيء ما، ولكنها في النهاية لزمت الصمت. ابتسمت برقة وعادت أدراجها نحو قبيلتها.
وقف سو مينغ هناك يراقب باي لينغ وهي تختفي تدريجيًا عن ناظريه. وبينما كان ينظر إلى قوامها الصغير وهو يبتعد أمامه، أصبح عقله فارغاً.
ومع ازدياد المسافة بينهما، أصبح الثلج المتساقط حاجزًا غير مرئي؛ حجب بصره وغطى صورة الجسد المبتعد. كان الأمر شبيهاً بالسير عبر سهل جليدي؛ فإن لم يعد، فلن يشهد ذوبان الجليد. كان الأمر كذكرى؛ إن لم يتذكرها، فلن يكون قادرًا على تذكر صوت الشخص الذي تنهد في تلك الذاكرة.
بعد وقت طويل، هز سو مينغ رأسه، وألقى نظرة أخرى على قبيلة التنين المظلم ثم استدار. كان الثلج رفيقه عندما أتى، وظل الثلج رفيقه عندما غادر.
تساقط الثلج على جسده وشعره، لكن سو مينغ شعر بأنه يفتقد شيئًا ما.
‘هل أحبها..؟’
ركض سو مينغ في الغابة نحو قبيلة الجبل المظلم، وكان هناك عبوس بين حاجبيه وهو يركض؛ إذ لم يكن يرى في رأسه سوى باي لينغ.
‘الأمر مختلف عما أشعر به تجاه تشين شين…’
أخذ سو مينغ نفسًا عميقًا وهز رأسه بقوة، أراد التخلص من الشعور الغريب وغير المألوف في صدره، وبمجرد أن هدأ، ركض بسرعة أكبر.
عندما أظلمت السماء، تلألأت النجوم حول القمر، وظل الثلج يتساقط من السماء بلا نهاية. عاد سو مينغ أخيرًا إلى دياره، قبيلة الجبل المظلم.
كان قد ألقى نظرة خاطفة على القبيلة من بعيد بالأمس، واستطاع التكهن تقريبًا بأن القبيلة لم تصب بأذى. والآن بعد أن عاد، رأى أفراد قبيلته يقفون للحراسة ليلاً خارج البوابة الخشبية العملاقة.
كانت القبيلة هادئة للغاية، وكانت النيران في الساحة لا تزال مشتعلة كالمعتاد وتصدر أصوات طقطقة. دخل سو مينغ ونظر حوله، ثم وصل إلى خارج منزل الشيخ.
كان لا يزال هناك ضوء ينبعث من منزل الشيخ، وهي علامة واضحة على أنه لم ينم بعد.
“سو مينغ، أهذا أنت؟ تعال.” خرج صوت الشيخ من داخل المنزل مشوبًا بقليل من التعب.
رفع سو مينغ الغطاء الجلدي برفق ودخل، فرأى الشيخ يجلس متربعًا في المنتصف وشعره الأبيض فوضوي.
“أيها الشيخ…” ناداه سو مينغ بصوت منخفض، ثم جلس في إحدى الزوايا.
“القبيلة بخير، لا تقلق.” نظر الشيخ إلى سو مينغ والابتسامة تعلو وجهه، وأشار إلى سو مينغ بالجلوس إلى جانبه ثم ربت على رأسه، وأتسعت ابتسامته أكثر.
“لقد وصلت إلى المستوى الثالث؟ أحسنت!”
نظر سو مينغ إلى الشيخ وأخبره ببطء بكل ما رآه داخل الكهف، وتطرق إلى التفاصيل، خاصة فيما يتعلق بالجثة. وعندما تحدث عن ذلك، رأى وجه الشيخ يصبح جديًا.
“لماذا تبكين يا أيتها السماء الزرقاء؟… ما الذي يعنيه ذلك؟” عبس سو مينغ.
“الأساطير صحيحة…” نظر الشيخ إلى اللوحات الجلدية وكأن عينيه تستطيعان الرؤية من خلالها لتنظرا نحو الجبل المظلم.
“لا بد أن هذا سؤال استنكاري؛ ربما يعني "لماذا يجب أن أحزن مقارنة بالسماء الوحيدة التي لا تنتهي؟" أو ربما هناك معنى آخر…” تنهد الشيخ ثم تحدث ببطء بصوت مثقل بتجاربه في الحياة بعدما خطرت في باله فكرة:“أنا لا أفهم حقًا الكلمات المتعلقة بتبجيل النار؛ ربما رأيتها لأنها قدرك.” أبعد الشيخ نظره عن اللوحات ونظر إلى سو مينغ بلطف.
“سأذهب إلى قبيلة تيار الريح في غضون شهر. إن كنت تتجول في الخارج بحلول ذلك الوقت، فتذكر العودة.”
أومأ سو مينغ برأسه، ثم عندما تذكر شيئًا تحدث مرة أخرى:“شيء آخر يا شيخ؛ لقد أنقذت فردًا من قبيلة التنين المظلم في عش أجنحة القمر. اسمها باي لينغ، وهي حفيدة شيخة قبيلة التنين المظلم.”
“باي لينغ؟” فوجئ الشيخ للحظة وساد الصمت لفترة، ثم طلب من سو مينغ العودة والاستراحة. وبمجرد أن غادر سو مينغ، ظهرت لمحة من الحنين في عيني الشيخ.
‘لي سو… لقد أنقذ عزيزي الصغير حفيدتكِ عن طريق الخطأ… ربما سيسمح لكِ هذا بتقليل كرهكِ لي قليلاً…’
تنهد الشيخ وازدادت لمحة الحنين في عينيه عمقًا.
‘ظهر القمر الأحمر الدموي في وقت سابق… وهناك أيضًا ذلك الـ "تشي" القوي الذي ظهر فجأة من قبيلة الجبل الأسود خلال تلك الليلة… أستطيع أن أشعر بكارثة تختمر…’ أغلق الشيخ عينيه وهو يتمتم، وكان صوته مليئًا بالقلق.
غادر سو مينغ منزل الشيخ ومشى في أرجاء القبيلة. لم يعد إلى منزله، بل ذهب إلى منزل لي تشين. وعندما رأى أن لي تشين أصيب ولكنه لا يزال مستيقظًا، وضع المرهم على جروحه، وبمجرد أن فعل ذلك اختفت مخاوفه.
كان لي تشين سعيدًا أيضًا برؤية سو مينغ؛ ضرب صدره وتفاخر بمعركته ضد أجنحة القمر. غادر سو مينغ وهو يبتسم بعد أن تحدثا لفترة طويلة.
كان الوقت هو منتصف الليل بالفعل، لكن نظر سو مينغ سقط على منزل مضاء بألوان زاهية ليس بعيدًا. وحين فعل ذلك، ظهر التردد على وجهه.
كان منزل رئيس الحرس، وهو أيضًا منزل بي لينغ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.