الفصل 26: ليلة القمر الأحمر الدموي
الفصل26: ليلة القمر الأحمر الدموي.
انتظر الرجل ذو العين الواحدة لفترة طويلة قبل أن يتم استدعاؤه. وعندما استُدعي، دخل الخيمة باحترام. وبعد ساعة خرج منها بتعبير سعيد، ولا تزال تصرفاته محترمة أثناء مغادرته.
داخل الخيمة الأرجوانية، كان هناك رجلان مسنان بشعر أبيض شائب تمامًا، لكن أعينهما لا تزال تحمل الكثير من الحيوية والنشاط. وأمامهما كانت هناك زجاجة صغيرة فارغة ذات مظهر عادي.
أمسك أحد الشيخين، وكان يرتدي رداءً أبيض، بحبة بين أصابعه، ونظر إليها لبعض الوقت. ثم ببطء، ملأت نظراتِه المفاجأةُ وعدمُ اليقين.
غرق في التفكير العميق للحظة، وبعد ذلك قرب الحبة من أنفه واستنشق عبيرها، ثم أغلق عينيه بتركيز. وبعد لحظة طويلة فتح عينيه فجأة.
“إنه كما قال! هذه الحبة الطبية لها تأثيرات لا تُصدق! لقد أقمْتُ في قبيلة تيار الريح لسنوات طويلة، لكنني لم أرَ مثل هذا الشيء في حياتي أبدًا. ومن خلال مظهرها، لا يبدو أنها دواء صُنع منذ زمن بعيد؛ إذ ليس عليها أي أثر للقدم، مما يعني بوضوح أنه قد تم تصنيعها مؤخرًا!”
“ما هذا…؟”
تحدث الرجل العجوز الآخر ببطء: “إنه لأمر مؤسف؛ فقد مر وقت طويل منذ أن أجروا المبادلة، وليس من السهل التعامل مع الـ بيرسيركر الساقطين، وإلا لكنا قد عرفنا كيفية صنع هذه الحبة.”
“لا تكن متهورًا. فالشخص الذي يمكنه إنتاج مثل هذا العنصر هو إما بيرسيركر قوي جدًا في عالم تكثيف الدم… أو بيرسيركر ساقط في عالم الصحوة جاء من مكان آخر. أيها الأخ تشو، دعني آخذ هذا الشيء إلى القبيلة، فلعل كبار السن في قبيلة تيار الريح يتعرفون عليه.”
أثناء حديث الرجل العجوز ذي الرداء الأبيض، وضع الحبة الطبية بعناية في الزجاجة الصغيرة، ثم لوح بيده اليمنى فأختفت الزجاجة الصغيرة عن الأنظار.
“حسناً، افعل ذلك.” أومأ الرجل العجوز الذي أمامه برأسه.
“هذا العنصر مهم جدًا، لذا سأغادر أولاً. وإذا وردتني أي معلومات سأخبرك بها.”
وقف الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض، ثم ضم قبضته كتحية تجاه الرجل العجوز المسمى تشو، وغادر الخيمة الأرجوانية بسرعة. وفي اللحظة التي خرج فيها، أصبح محيط جسده مشوهًا، ثم تحول إلى ضباب أبيض صعد إلى السماء واختفى على الفور.
كان ضوء النهار قد قارب على الظهور. وعلى السهول الشاسعة، وعلى مسافة من الميدان، كانت تربض قبيلة كبيرة؛ كاد حجمها يعادل حجم مدينة كاملة. وكانت محاطة بـ ستة قبائل أخرى بحجم قبيلة الجبل المظلم، وفي الوسط تقع مدينة كبيرة مصنوعة من الحجر والطين!
بدت المدينة مهيبة وكأنها وحش عملاق جاثم على الأرض. وقد تجاوز عدد سكانها داخل حدودها عدة آلاف، وهو ما لم تكن قبيلة الجبل المظلم لتطمح إلى التغلب عليه بأي حال.
وكانت القبائل الست المحيطة تابعة للمدينة؛ إذ أُخضع بعضها بالقوة من قِبل قبيلة تيار الريح، بينما سعى البعض الآخر لطلب الحماية عندما حلّت بهم إحدى الكوارث، فأصبحوا جزءًا منها.
كانت تيار الريح قبيلة متوسطة الحجم، لكنها لا تزال تُعتبر ضعيفة مقارنةً بغيرها من القبائل المتوسطة. ففي النهاية، يقع الجبل المظلم في منطقة نائية إلى حد ما من هذا العالم. وبسبب ذلك تحديدًا، استطاعت قبيلة تيار الريح أن تحكم المنطقة بأكملها وتتلقى الجزية من العديد من القبائل الأصغر، كما أنها القبيلة الوحيدة في الجبل المظلم المؤهلة للتواصل مع أفراد قبيلة بيرسيركر المنتمين إلى الطبقة العليا.
عندما بدأت الشمس تضيء السماء، طار ضباب أبيض عبر الأفق، وتجمع خارج المدينة ثم تحول إلى الرجل العجوز ذي الرداء الأبيض.
بدا الرجل العجوز مهيبًا وهو يدخل المدينة فورًا. وفي طريقه، التقى بأعضاء آخرين من قبيلة تيار الريح، وكان كلٌ منهم يتوقف وينحني له باحترام.
وفي وسط المدينة، كان هناك مذبح شديد الظلمة. بُني المذبح على شكل خماسي وكان ارتفاعه يبلغ 100 قدم، وعليه نقش لطائر، يبدو وكأنه أثر صامد منذ العصور القديمة.
وقف الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض تحت المذبح باحترام، وبعد لحظة، انبعث صوت لطيف من أعلى المذبح:“شي هاي، ماذا تريد؟”
“يا شيخ، لقد كنتُ في ساحة التجارة ورأيت دواءً لم أره من قبل، وآثار هذه الحبة لا تُصدق…” أخذ الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض نفسًا عميقًا وتحدث بصوت منخفض.
تردد الصوت اللطيف ببطء من أعلى المذبح: “أوه؟ دعني أره.”
رفع الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض يده اليمنى، فظهر ضوء ساطع من راحة يده وتجسدت الزجاجة الصغيرة على الفور. ثم، وكأن هناك قوة غامضة تجذبها، طفت الزجاجة ببطء نحو الأعلى باتجاه المذبح.
ساد الهدوء أرجاء المكان، ولم تكن هناك سوى أصوات الرياح وهي تعبر. تسببت الرياح في رفرفة رداء الرجل العجوز، لكنه ظل واقفًا هناك كالتثمّال ينتظر بصمت.
وبعد لحظة، تحدث الصوت اللطيف مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع نبرة من المفاجأة!
“هناك حبة واحدة فقط؟”
أجاب الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض على الفور:“واحدة فقط.”
“لم أَرَى دواءً كهذا من قبل… ووصفة هذا الدواء شيء لا أفهمه… والواضح أنه قد صُنِع منذ وقت ليس ببعيد… من الذي أحضر هذا إلى الساحة؟” تحدث الصوت اللطيف بجدية.
قال الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض بنبرة منخفضة:“بيرسيركر ساقط.”
“اعثر عليه! استخدم كل ما لدينا من موارد واعثر عليه! اطلب منه الانضمام إلى قبيلة تيار الريح وسوف أعامله كضيف دائم هنا!” هتف الصوت اللطيف فور نطق الرجل العجوز بالكلمة الأخيرة.
أخذ الرجل العجوز ذو الرداء الأبيض نفسًا عميقًا وامتثل للأمر باحترام. لقد كان يعلم أن الدواء استثنائي، لكنه لم يتوقع أن يدعو الشيخُ ذلك الشخصَ إلى قبيلة تيار الريح كضيف دائم. فمكانة "الضيف الدائم" تُعامل باحترام بالغ؛ إذ يُعامل صاحبها بذات الأهمية تقريبًا التي يُعامل بها زعماء القبيلة الآخرون، باستثناء زعيم القبيلة والشيخ وعدد قليل من الكبار.
ومع انصراف الرجل العجوز ذي الرداء الأبيض، أصدر أوامره على الفور لقبيلة تيار الريح بأكملها لتنفيذ تعليمات الشيخ؛ لقد ألقى شبكة بحث واسعة عن البيرسيركر الساقط!
أما بالنسبة لـ سو مينغ، فقد اتخذ قراره للتو في منزله بقبيلة الجبل المظلم. وفي صباح اليوم التالي، غادر القبيلة بمفرده متوجهًا إلى الغابة، ثم ركض نحو جبل الشعلة السوداء.
اجتاز سو مينغ الغابة دون أي تردد. وبعد وصوله إلى المستوى الثاني من عالم تكثيف الدم، زادت سرعته وخفة حركته كثيرًا، حتى إن لي تشين كان يواجه صعوبة في مجاراته بأقصى سرعة. وأثناء سيره، زادت سرعته أكثر لمعرفته الوثيقة بالمكان، وبحلول الظهر وصل إلى سفح جبل الشعلة السوداء.
صعد الجبل وتوجه إلى الكهف الذي استخدمه لصقل الأعشاب، ثم وضع السلة على الأرض. كان هناك الكثير من الأعشاب التي أعدها كلها لغرض التكرير.
لم يكن شياو هونغ في الكهف، بل كان يلعب على الأرجح. ألقى سو مينغ نظرة خاطفة حول المكان، وبمجرد أن تأكد من عدم وجود أي شيء غير طبيعي، جلس متربعًا على الأرض، وركز على تداول الدم في جسده حتى أشرقت 10 عروق دموية على جسده، ووصل إلى أفضل حالة ممكنة.
بل كانت هناك علامات غامضة تدل على بداية ظهور الوريد الدموي الحادي عشر، مما سمح لـ سو مينغ بالاقتراب من المستوى الثالث من عالم تكثيف الدم.
‘لقد ساعدني الشيخ على الاستيقاظ حقًا، وقال لي إنني على وشك الوصول إلى المستوى الثالث… لم يمر وقت طويل منذ ذلك الحين، لكنني أشعر أن هناك ما يكفي من الدم في داخلي الآن… فن البيرسيركر القديم رائع حقًا.’
فتح سو مينغ عينيه، واستحضر في ذهنه منظر المادة السوداء التي خرجت من جسده.
‘يمكنني أيضًا أن أبدأ بإنشاء المزيد من الحبوب في الوقت الراهن، وأركز على اختراق المستوى الثالث من تكثيف الدم!’
استغرق سو مينغ لحظة واحدة لاتخاذ قراره، ثم أخرج حجر السماء الذي نهبه في ذلك اليوم من حضنه. ألقى نظرة على العشب وابتلع حبة غبار متناثر، قبل أن ينتف ورقة من العشب ويبتلعها هي الأخرى.
** م.م: حجر السماء هو نبات حصل عليه من الشخصين من قبيلة الجبل الأسود الذي قتلهما، على الرغم من أن إسمه حجر السماء ولكنه نبات.**
أغلق عينيه وبدأ التأمل مجددًا. وبعد لحظة، أصبح جسده مغطى بالعرق ومحاطًا بالضوء الأحمر الدموي، وظهرت على الوريد الدموي الحادي عشر علامات التجلي اخيراً.
وبعد بضع ساعات، انبعث صوت مكتوم في جميع أنحاء جسده، وتجلى الوريد الدموي الحادي عشر تمامًا؛ فاندلع حضورٌ أقوى بكثير من الـ "تشي" فورًا من جسده.
فتح سو مينغ عينيه اللتين أشرقتا ببراعة.
‘المستوى الثالث من عالم تكثيف الدم!’
وقف ووجهه يفيض بالإثارة. وبعد أن حرك جسده لإزالة الخدر في أطرافه، أخرج الأعشاب وبدأ عملية صقل روح الجبل وفقًا للأساليب المحفورة في ذاكرته.
لم يعد سو مينغ جاهلًا كما كان قبل بضعة أشهر، بل أصبح على دراية تامة بعملية صقل الأعشاب، وأكثر إتقانًا للسيطرة على النار في الكهف. ومع ارتفاع درجة الحرارة، خلع ملابسه العلوية ووقف بجانب المرجل الحجري عاري الصدر. وفي بعض الأحيان، كان يقرب أحد الأعشاب من أنفه، بينما يسحق الأعشاب في أحيان أخرى ويرميها داخل المرجل.
مر الوقت، وبدأت السماء تضلم تدريجيًا، بينما خيم الصمت على الغابة والجبال، حتى إن أصوات الطيور والوحوش أصبحت خافتة.
وعندما أظلمت السماء، ارتفع القمر في الأفق، لكنه في تلك الليلة كان مختلفًا؛ إذ كان هناك ظل أحمر كأنما وُجد قمر أحمر دموي في السماء.
غطى المشهد الغريب الأرض بجوٍ مريب، وكان الأمر كذلك بصورة خاصة في المنطقة المحيطة بالجبال المظلمة. اختفت أصوات الطيور والوحوش تمامًا ولم يعد يُسمع لها أي همس، وكأنها لا تجرؤ على إصدار أي صوت.
أسرع ظل أحمر عبر الغابة عند سفح جبل الشعلة السوداء؛ كان ذلك القرد الصغير. وفي تلك اللحظة، كانت تبدو عليه علامات الجدية والحذر، فكان يرفع نظره نحو القمر الأحمر من حين لآخر، ووجهه ينبض بالتوتر.
وعندما تقدم ظل القمر الأحمر على الأرض إلى الأمام، تردد القرد؛ إذ لم يكن يعلم بعد أن سو مينغ قد عاد، لذا غيّر اتجاهه ولم يعد يركض نحو جبل الشعلة السوداء، بل أخفى نفسه في مكان ما داخل الغابة.
مع ازدياد عتمة السماء، أشرق القمر بظلٍ أكثر حمرة، وبحلول منتصف الليل بدا الجبل الأسود بأكمله وكأنه مصبوغ بالدم.
في تلك اللحظة، انطلقت صرخة ضعيفة من أعماق الجبل المظلم. أخذت الصرخة تتصاعد مع مرور الوقت حتى غطت الجبل بأكمله.
بدت الصرخة محملة باستياء لا حدود له، وتمتلك قدرة على هز الأرواح وملء قلوب من يسمعها بالرعب؛ حتى إن المرء لو استمع إليها لفترة طويلة لشعر بأن دمه يغلي من شدة الخوف.
ترددت الصرخة في السماء وكأنها تعكس القمر الأحمر الدموي، مما جعل الجبل المظلم يبدو محاطًا بوشاح من الغموض.
في تلك الليلة، كانت القبائل الثلاث المحيطة بالجبل المظلم على أهبة الاستعداد والحذر. عاد أفراد قبيلة الجبل المظلم العاديون إلى منازلهم تحت حماية البيرسيركر، وطُولبوا بعدم المغادرة إلا للضرورة القصوى، بينما تولى زعيم القبيلة بنفسه قيادة الـ بيرسيركر لحماية القبيلة.
وقف الشيخ في أعلى مكان بالقبيلة؛ منصة مصنوعة من الخشب العملاق، وفي يديه عصا من العظام السوداء. وبينما كان ينظر إلى المدى البعيد، كانت عيناه تظهران القلق.
كان يعلم أن سو مينغ قد غادر القبيلة في وقت سابق، لكنه لم يتوقع أن قمر الدم، الذي يظهر مرة كل ثلاث سنوات سيحدث في هذه الليلة تحديدًا؛ فقد كان ذلك قبل أشهر من موعد ظهوره المتوقع، مما جعل الظاهرة الغريبة تملأ قلبه بالمفاجأة والخوف.
“نار!”
بعد فترة طويلة تحدث الشيخ. وعلى الفور، قام أفراد القبيلة المحيطون بالمنصة الخشبية بإشعال المشاعل ووضعها أسفلها، لتشتعل النيران في المنصة. بدا الشيخ وهو يقف وسطها وكأنه محاصر في بحر من اللهب، لكنه ظل هادئًا وهو يرتل لغة غريبة.
لم تكن قبيلة الجبل المظلم هي الوحيدة التي فعلت ذلك؛ ففي الاتجاه الآخر، كان الشيء نفسه يحدث في قبيلة التنين المظلم. كان شيخ قبيلة التنين المظلم يرتدي رداءً فضفاضًا وشعره منسدل، ولا تظهر عليه أي علامات تحدد ما إذا كان رجلًا أم امرأة. وفي يده جمجمة وحش غريب ذي قرن واحد، رفعها عاليًا وأطلق صرخة حادة من بين شفتيه.
ومن بين أفراد قبيلة التنين المظلم، وقفت فتاة ذات جمال فائق، وكان وجهها شاحبًا وهي تنظر إلى القمر الأحمر الدموي في السماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة: بلا حدود
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.