مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 92نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 92

استمرَّ إينوكُ في الضحكِ.

“هاهاهاها.”

“….”

“هاهاها….”

“….”

ثمَّ ضمَّ شفتيهِ وخدشَ رأسَهُ بسخريةٍ لِيَسألَ:

“لماذا. ألا يعجبُكَ الأمرُ؟”

“يجبُ أن تتفوهَ بكلامٍ معقولٍ.”

” وما غيرَ المعقولِ فيهِ؟”

“لقد فقدتَ عقلَكَ حقّاً. هذه هي المرةُ الثالثةُ التي أراهُ فيها اليومَ، بل―”

أطلقَ أكسيونَ عبوساً وهو يشيرُ نحو البابِ الذي خرجَ منهُ تشيشيرُ وأضافَ:

“بلِ الرابعةُ. رأيتُهُ أربعَ مراتٍ.”

“اجعلْهُ ابنك بالتبني وستراه أكثر.”

“واهْ. لا يمكنُ منقاشتك.”

فتحَ أكسيونُ فمهُ من شدةِ الذهولِ وهو يرى عناد إينوكَ.

تنهَّدَ إينوكُ بعمقٍ.

“ألا تشفق على الطفلِ؟”

“وما شأني أنا بذلكَ؟”

“هاهْ. الأبُ الذي ظلَّ يضربهُ ويجوعه ويقترفُ بحقِّهِ كلَّ أفعالِ السوءِ، عادَ الآنَ ليقولَ إنه سيستعيدُ الطفلَ مجدداً…”

“….”

“ولم يفعلْ ذلكَ لأنه أصلحَ حالَهُ حقّاً، بل لكي يستغلَّ رتبةَ الطفلِ لا غيرَ.”

أجلْ. كانَ الأمرُ محزناً.

شعرَ بالغضبِ حين تذكرَ الماركيزَ أونيكس الذي أرسلَ ضميرَهُ إلى الجحيمِ.

ولكنْ، إلى هذا الحدِّ فقطْ.

لم يكنْ أكسيونَ يدرى لِمَ يتوجبُ عليه خوضُ نقاشٍ كهذا مع إينوكَ.

“أنت لن تتزوجَ أصلاً. ومن الطبيعيِّ ألا يكونَ لديكَ وريث.”

“وما عساني أفعلُ حيالَ ذلكَ.”

“ألن تختفي عائلة ليبر بمجردِ موتكَ؟”

“أجلْ. وما المانعُ؟ أيتعينُ عليَّ التفكيرُ حتى في زوالِ عائلتي بعد موتي؟”

ما إن يموت المرءُ انتهى كلُّ شيءٍ، أليسَ كذلكَ؟

حدَّقَ إينوكُ مطولاً في عينيِّ أكسيونَ الحازمتينِ ثمَّ عادَ ليتنهَّدَ من جديدٍ.

“نائبُ قائدِنا العزيزُ…. حين تكبرُ وتتقاعدُ وتشيخُ وتمرضُ، فمن يا ترى سيبقى إلى جانبِكَ؟”

“….”

“وأنت بلا أبناءٍ. ستموتُ وحيداً بائسًا ومتروكاً….”

“أيها الوغد.”

أغمضَ أكسيونَ عينيهِ ببطءٍ وطحنَ أسنانَهُ.

وسواءً أكانَ يعنيهِ الأمرُ أم لا، استمرَّ إينوكُ في كلامِهِ:

“تخيلُكَ وأنت تعيشُ حياةً موحشةً طوالَ عمركَ لينتهيَ بكَ الحالُ مدفوناً في مقبرةٍ خاويةٍ، تكادُ دموعي تنهمر يا صديقي.”

“هاه.”

“لا، انتظرْ. هل ستجدُ شخصاً يحفرُ لكَ قبراً من الأساسِ؟”

نهضَ أكسيونَ فجأةً.

رفعَ إينوكُ بصرَهُ ليطالعهُ.

“كفا هراءًا.”

“أكسيون.”

طقْ، طقْ.

نقرَ أكسيونَ بأصابعِهِ فوق وثائقِ انضمامِ الجنودِ الصغارِ التي تركها على الطاولةِ.

“لقد أنجزتُ المهامَّ التي ألقاها على عاتقي قائدُنا المتراخي في عملِهِ. تفقدها وتأكدْ منها.”

“فكرْ بالأمرِ بجديةٍ حقّاً. فإجراءاتُ التبني تتمُّ في يومٍ واحدٍ بمجردِ تقديمِ الأوراقِ.”

“لا تنادِني إلا لعملٍ رسميٍّ. والآن، وداعًا.”

“تبّاً، هاه!”

استدارَ أكسيونَ وغادرَ المكانَ دونَ أن يلتفتَ ورائه.

وقفَ إينوكُ متردداً محاولاً اللحاقَ به، ثمَّ عادَ ليسقطَ بجسدِهِ على المقعدِ بإحباطٍ.

“يا إلهي.”

أمالَ إينوكُ رأسَهُ إلى الخلفِ ومررَ يديهِ على وجهِهِ الشاحبِ ممتعضاً، مستحضراً طيفَ تشيشيرِ في ذهنِهِ.

أيُّ شخصٍ إلا أنتَ يا عمي.

لقد خمنَ ضمناً المغزى الحقيقيَّ من وراءِ تلك الكلماتِ.

“يا لهُ من مأزقٍ.”

ضحك إينوكُ بيأسٍ وهو يدلكُ جبينَهُ برفقٍ.

“…أنا أكادُ أجنُّ حقّاً.”

***

“هواااه.”

ألن تنخسفَ هذه الأرضُ وتجرفنا قريباً؟

جلستُ في زاويةٍ من ساحةِ التدريبِ أعبثُ بالترابِ بغصنَ شجرةٍ صغيرٍ وأنا أتنهد.

عليَّ الكفُّ عن التنهدِ.

‘حقّاً، ولكن…!’

كنتُ أكادُ أختنقُ ضيقاً فما عساني أفعلُ.

كان تشيشيرُ متشبثًا بقرارهِ.

فحتى لو آلتْ به الأمورُ للعودةِ إلى عائلةِ الماركيزِ مجدداً، فقد أكدَّ بوضوحٍ تامٍّ أنه لا يملكُ أدنى نيةٍ ليصبحَ ابناً لأبي.

‘كيف آلت الأمورُ إلى هذا المنعطفِ بحقِّ الخالق؟’

لو سارتِ الأمورُ وفقاً للروايةِ الأصليةِ لما احتجتُ للترددِ في أيِّ شيءٍ…

‘الشخصُ الوحيدُ الذي تغيرَ هو أنا. أنا وحدي فحسبْ؟’

ومع ذلكَ، فهذا لا يعني أنَّ السببَ يكمنُ فيَّ.

فقد ألقيتُ تساؤلاً أحمقَ سألتُ فيه نفسي: “أترَى تشيشيرُ يحملُ مشاعرَ نحوي؟”، لكني تلقيتُ رداً أغلقَ البابَ تماماً أمامَ هذه الظنونِ.

وبينما كنتُ غارقةً في التفكيرِ حول كيفيةِ معالجةِ هذه الأزمةِ، شعرتُ بظلٍّ كبيرٍ يمتدُّ فوقي فجأةً.

كان أكسيون.

ألقى نظرةً فاحصةً حول أرجاء ساحةِ التدريبِ ثم سألني:

“ما الذي تفعلينه هنا؟”

“أفكرُ فحسبْ…”

“لمَ؟ أبسببِ تشيشير؟”

“نعمْ. لأنَّ والدَ تشيشير يحاولُ أخذَهُ بعيداً. وهو سيءٌ للغايةِ…”

“….”

رمقني أكسيون بنظرةٍ هادئةٍ صامتةٍ دونَ أن ينطقَ بكلمةٍ.

عُدتُ لأطلقَ تنهيدةً جديدةً وأنا أطيلُ النظرَ نحو ساحةِ التدريبِ التي كان جنودُ عائلتنا منغمسينَ فيها بالتدريباتٍ.

“ولكنْ، لمَ أنتَ هنا يا عمي؟”

“أين تشيشير؟”

“لا أعلمُ. لقد اختفى إلى مكانٍ ما مرةً أخرى.”

“هاه.”

ما بالُ هذه التنهداتِ المتتاليةِ؟ رفعتُ بصري نحو أكسيون الجالسِ بالقرفصاءُ، فقالَ بنبرةٍ غريبةٍ:

“ليليث.”

“نعمْ.”

“…أتعرفينَ، هل بإمكانكِ حفرُ قبري لاحقاً في المستقبلِ؟”

“هاه؟”

أيُّ حديثٍ مفاجئٍ هذا.

حين عقدتُ حاجبَيهِ، استدركَ أكسيون كلامَهُ مرتبكاً:

“لا، أعني فحسبْ. أقصدُ أنه يمكنكِ حفرهُ أثناءَ حفرِ قبرِ والدِكِ.”

“هاه؟”

عجزتُ تماماً عن إدراكِ المغزى الحقيقيِّ من وراءِ سؤالهِ.

ولأنني فتاةٌ طيبةُ القلبِ رغمَ غرابةِ الأمرِ وبما أنه يبدو قلقاً لعدمِ وجودِ من يحفرُ له قبرَهُ، فقد أومأتُ برأسي:

“حسناً، لا بأسَ.”

“ستحفرينَهُ حقّاً؟”

“نعمْ، ممْ. إنه ليس بالأمرِ الصعبِ على أيِّ حالٍ. سأحفرهُ مع قبرِ أبي…”

“أجلْ. شكراً لكِ…”

ورغمَ أنني قطعتُ له وعداً، إلا أنَّ ملامحَهُ بدتْ وكأنها غيرُ مرتاحةٍ تماماً لسببٍ ما.

تبادلنا النظراتِ باتجاهِ الأمامِ وأطلقنا تنهيدةً مزدوجةً في ذاتِ اللحظةِ.

“هاااه.”

“هاااه.”

***

مرّ أسبوعٌ كاملٌ في لمحِ البصرِ.

تلقيتُ رسالةً من ريكو جعلتْ قلبي يهوي من شدةِ الصدمةِ.

[حصلَ ماركيز أونيكس على حقِّ الزيارةِ والمقابلةِ من مكتبِ إدارةِ الشؤونِ المدنيةِ.

وبما أنه يصعبُ عليهِ لقاءُ الطفلِ بالطريقةِ التي يرغبُ بها قبل صدورِ نتائجِ مراجعةِ طلبِ إثباتِ الأبوة، فظنَّ أنه من الأفضلِ التقدمُ بطلبِ حقِّ زيارةٍ مؤقتٍ.]

هذا يعني أنه باتباعِ هذا الحقِّ يمكنُ للماركيز أونيكس القدومُ إلى منزلنا في أيِّ وقتٍ لرؤيةِ تشيشير.

وحين تصدرُ نتيجةُ مراجعةِ الطلبِ، فسيتمكنُ قانونياً من اصطحابِ تشيشير متى شاءَ.

[وما يبعثُ على الارتياحِ بعضَ الشيءِ هو أنَّ مدةَ مراجعةِ طلبِ إثباتِ الأبوة سيستغرقُ وقتاً طويلاً على ما يبدو.

حوالي أسبوعينِ؟

لأنَّ الماركيزَ لم يوضحْ بوضوحٍ في طلبهِ الأسبابَ التي دفعتهُ لإخفاءِ الطفلِ وتربيتهِ بالخفاءِ.

فلو أنه صرحَ بالحقيقةِ كاملةً بأنه كان يخجلُ من إظهارهِ لكونِهِ ابناً غيرَ شرعيٍّ ولم يستطعْ عرضَ هيئتِهِ بسببِ تعرضِهِ للإيذاءِ الجسديِّ، لكانتْ عمليةُ المراجعةِ قد تمتْ بسرعةٍ مذهلةٍ….

ولكنْ، إن أدلى بمثلِ تلك الأقوالِ، فسيتحطمُ ما تبقى من سمعتهِ تماماً.]

أيُعَدُّ هذا أمراً جيداً حقاً؟

على أيةِ حالٍ، لقد بقيَ أمامي أسبوعانِ فحسبْ.

‘ليليث، تماسكي. علينا التفكيرُ في طريقةٍ ما. طريقةٍ لإنقاذِ تشيشير من أيدي ذلك الماركيزِ الحقيرِ.’

أخذتُ أقرضُ أنفي بتوترٍ.

هل من طريقةٍ أخرى غير جعلِ تشيشير ابناً بالتبني لأبي؟

‘لا، أبداً، لا توجد.’

لا توجدُ أيُّ طريقةٍ أخرى.

وحتى إن وُجدتْ، فهل سأتمكنُ من ابتكارِ حلٍّ خلالَ أسبوعينِ فقطْ؟

لذا قررتُ في الوقتِ الحاليِّ، أن أتبعَ تشيشير كظلهِ طوالَ الأسبوعِ محاولةً إقناعَهُ بلا مللٍ.

بالطبعِ، كان تشيشير متمسكاً برأيه.

“ألا تزالينَ تستمتعينَ بقضمِ أظافِركِ؟”

“آهْ، عمّي!”

بينما كنتُ أتابعُ تدريبَ تشيشير وأعضّ أظافري بقلق، اقتربَ مني أكسيون.

“ألم ينتهِ تشيشير من تدريبِهِ بعدُ؟!”

“ليس بعد.”

“هاه.”

جلسَ أكسيون بقربي بكسلٍ وارتخاءٍ بينما كنتُ أهزُّ ساقيَّ بعصبيةٍ وقلقٍ بالغٍ.

“أنتِ حقّاً صاحبةُ إصرارٍ عجيبٍ. الطفل يؤكدُ مراراً أنه لن يصبح ابن أبيكِ أبداً، فلماذا لا تستسلمينَ عن المحاولةِ؟”

“لا. لقد قيلَ قديماً إنَّ الشجرةَ لا تسقطُ من ضربةٍ واحدةٍ مهما كانت رقيقة.”

“توقفِي عن محاولةِ قطعِها إذنْ، فهي لن تسقطَ أبداً. الفتى يقولُ بالحرفِ إنه يرفضُ طالما أنّه والدك.”

“هاهْ؟”

تفاجأتُ بشدةٍ. لماذا يا ترى؟

هزَّ أكسيون كتفيهِ بلامبالاةٍ وقالَ:

“ألا تعرفينَ كم كان والدُكِ قاسياً معه؟ ألا يعودُ السببُ في ذلكَ إلى أنَّ الصبيَّ قد أصيبَ بصدمةٍ منهُ؟”

“آهْ!”

أكانَ الأمرُ هكذا حقّاً؟

بينما كنتُ أفتحُ فمي مذهولةً، بادلني أكسيون ابتسامةً عريضةً وساخرةً:

“ألم تكوني تعلمينَ بذلكَ؟ إنَّ شخصيةَ والدِكِ سيئةٌ وفظيعةٌ للغايةِ في الواقعِ.”

“لا، لَـ، ليسَ الأمرُ هكذا تماماً…”

“بل هكذا وأكثرُ. انظري إليَّ مثلاً، ألسْتُ أقفُ هنا لهذا السببِ بالذاتِ.”

“همهمْ.”

لقد كان أكسيون يداومُ الحضورَ إلى منزلنا طوالَ الأسبوعِ الماضي.

كان من المفترضِ طبقاً للقواعدِ العسكريةِ أن يقومَ القائدُ العامُّ لكلِّ فرقةٍ بالإشرافِ الشخصيِّ على التدريباتِ الفرديةِ للجنودِ الجددِ المنضمينَ حديثاً لفترةٍ زمنيةٍ معينةٍ….

‘أُفْ، لماذَا يصرُّ أبي دائماً على إلقاءِ مهامِّهِ على عاتقِ عمّي هكذا؟’

أجلْ، لقد كان يفترضُ بأبي أن يتولى بنفسهِ تدريبَ كلٍّ من تشيشير وجيرارد، المنضمينِ الجددِ في هذه الدفعةِ.

ولكنَّ أكسيون هو من كان يقومُ مقامهُ طوالَ الأسبوعِ الماضي متواجداً في ساحةِ التدريبِ وملتصقاً بتشيشير طوالَ الوقتِ لأسبابٍ تخصُّ العملَ.

“أنا آسفةٌ حقّاً….”

“شخصيةُ والدِكِ هي السيئةُ، فلماذا تعتذرينَ أنتِ؟”

“همهمْ. ومع ذلكَ، فقد لاحظتُ أنكَ وتشيشير أصبحتمَا قريبينِ للغايةِ مؤخراً…. ألا تعتقدُ أنَّ تشيشيرَ طفلٌ لطيفٌ حقّاً؟”

أسندتُ وجهي براحتي يديَّ وتأملتُ تشيشير الذي كان يلوحُ بسيفهِ بتركيزٍ تامٍّ.

“حسناً، لا بأسَ بهِ؟”

“هيهي.”

وما إن ضحكتُ هكذا حتى خفّتْ حماستي وعاودني الإحباطُ من جديدٍ.

“عمي، اسمعْ.”

“همم.”

“أنا حقّاً… لا أطيقُ فكرةَ افتراقي عن تشيشير…. ولكنَّ ما يقلقني أكثرُ هو أن يضطرَ للعودةِ إلى منزلِ ذلكَ الماركيزِ الشريرِ…”

“….”

“إن عادَ إلى هناكَ، فستعودُ كلُّ الذكرياتِ المؤلمةِ لتلاحقَهُ من جديدٍ. تشيشير عانى الأمرينِ هناك، كان يتعرضُ للضربِ والشتائمِ والإهانةِ طوالَ الوقتِ. لقد كان ذلك المكانُ جحيماً لا يطاقُ بالنسبةِ له…”

بدأتُ أشعرُ بغصةٍ خانقةٍ في حلقي، فرفعتُ أصابعي لأشدَّ بها وجهي لأمنعَ الدموعَ من الإنهمار.

“ألا يكفي أنكِ تفكرينَ بالأمرِ حتى بدأتِ بالبكاءَ؟”

“إهْ.”

مدَّ أكسيون إصبعَهُ برفقٍ ليمسحَ دمعةً تناثرتْ على مقربةٍ من عينيَّ.

لقد كانت لمسةً دافئةً إلى حدٍّ ما. ولكنَّهُ سرعانَ ما توقفَ فجأةً وشعرْتُ به يتصلبُ في مكانهِ.

‘……؟’

حين التفتُّ لأنظرَ إلى جانبي، وجدْتُ أكسيون يحدقُ بملامحَ متصلبةٍ وباردةٍ نحو تشيشير.

لا، بل لم يكنْ ينظرُ إلى تشيشير.

“واااه، لقد عادَ مجدداً!”

أكانَ شبحاً لا يموتُ؟ لقد ظهرَ ماركيز أونيكس مجدداً ليزعجَنا مجددًا.

وقفتُ بسرعةٍ.

ولكنني توقفتُ فجأةً.

فلم أستطعِ التقدمَ نحوهم.

فلا شكَّ أنه أتى وهو يحملُ وثيقةَ حقِّ الزيارةِ برفقتِهِ.

وهذا يعني أنه لم يعد بإمكاني التدخلُ لإبعادهِ عنهُ بعد الآنَ، حتى لو حاولتُ اعتراضَ طريقهِ.

“ما العملُ الآنَ…”

كان الماركيزُ وتشيشير يقفانِ وجهاً لوجهٍ ويتبادلانِ أطرافَ الحديثِ لمسافةٍ طويلَةٍ.

ورغم أنني لم أستطعْ سماعَ تفاصيلِ الحوارِ، إلا أنَّ الوقتَ مرَّ طويلاً وثقيلاً.

كنتُ أضربُ الأرضَ بقدميَّ من شدةِ العجزِ والقلقِ.

وفي تلك اللحظةِ، أمسكِ الماركيزُ بذراعِ تشيشير بقوةٍ وخشونةٍ ظاهرةٍ.

“ما هذا الذي يفعلهُ!”

نفض تشيشير تلك اليدَ بعنفٍ ودفعهُ عنه.

إلا أنَّ الماركيزَ أخرجَ من طيَّاتِ معطفِهِ ورقةً واحدةً ومدَّها ليخترقَ بها بصرَ تشيشير مباشرةً.

‘أوهْ، أيها الحقيرُ اللعينُ!’

لابدَّ أنها وثيقةُ حقِّ الزيارةِ بلا شكٍّ.

وما إن وقعَتْ عينا تشيشير عليها حتى استدارَ برأسِهِ ببطءٍ وبنظراتٍ فاقدةٍ لأيِّ أملٍ نحوي.

تبادلنا النظراتِ المتباعدةِ عبر تلك المسافةِ الطويلةِ.

وما هي إلا لحظةٌ حتى ألقى تشيشير بالسيفِ الذي كان يحملهُ أرضاً بلا مبالاةٍ وبدأ يتحركُ بخطواتٍ بطيئةٍ خلفَ الماركيزِ.

“لا، لا يمكنكَ الذهابُ! انتظرْ!”

وحتى لو سموها وثيقةَ زيارةٍ، فلن تتجاوزَ المدةُ المسموحةُ بضعَ ساعاتٍ فقطْ.

ولكنَّ فكرةَ رؤيتهِ يذهبُ معهُ كانت تثيرُ في نفسي شعوراً مقززاً بالرفضِ المطلقِ….

ركضتُ بكلِّ ما أوتيتُ من قوةٍ باتجاهِ تشيشير.

“تشيشير!”

وفي تلك اللحظةِ.

تجاوزني أكسيون بخطواتٍ واسعةٍ وسريعةٍ خاطفةٍ متخطياً إياي.

‘……؟’

وهو يتقدمُ نحوهما صرخَ بصوتٍ عالٍ:

“الى أين تذهب هكذا؟”

استدارَ الماركيزُ وتشيشير بذاتِ اللحظةِ.

“آهْ، صاحبُ السموِّ الدوقُ ليبر. أنا أسفٌ لإزعاجِك أثناءَ فترةِ التدريبِ ولكن…”

حاولَ الماركيزُ الابتسام وهو يعيدُ إبرازَ وثيقةِ الزيارةِ، إلا أنه توقفَ فجأة.

فقد كان أكسيون قد لفَّ ذراعَهُ بقوةٍ حول كتفِ تشيشير بمودةٍ واضحةٍ، ثم قالَ بصوتٍ عالٍ مفعمٍ بالودِّ والسخريةِ الخفية:

“يا بني؟”

……؟

أنا، وتشيشير، وحتى الماركيزُ.

فتحتْ جميعُ العيونِ على مصراعيها من شدةِ الذهولِ والصدمةِ.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.