الفصل 93
***
عرفَ تشيشير أن الماركيز سيعود قريبًا.
لذا فقد أعدَّ الكلمات التي سينطق بها فور لقائه به:
“أبي.”
تهلل وجهُ الماركيز لهذا النداء الودود.
“أتراني كابنٍ حقاً؟”
“أيُّ سؤال هذا؟ بالطبع أنت قطعةٌ مني. ابني العزيز.”
“إذن هلا أسديتَ إليَّ طلباً واحداً. للمرة الأولى… والأخيرة.”
كان تشيشير يتمنى ذلك.
مستحضراً في ذهنه كلماتِ ليليث التي تفوهت بها يوماً.
『”لأنها أمي. رغم أنها لم تقم بتربيتي، إلا أنها… الشخص الذي أنجبني.”』
أجل.
ومع ذلك، فهو والده.
حتى وإن لم يتولَّ تربيته، إلا أنه رغم كل شيء…
ألم يكن ممكناً تلبية طلب واحد نابع من أعماق القلب؟
“أنا سعيد بعيشي هنا الآن. سواء عندما كنت أعيش مع أمي، أو عندما أقمت في منزل أبي… لم أشعر قط ولو لمرة واحدة بأنني سعيد…”
“……”
“أرغب في الاستمرار بالعيش هنا. ألا يمكن ذلك؟”
أردف تشيشير بنظرات ملؤها الرجاء:
“إن تركتني وشأني وحسب. واعتبرتني ابناً لم يكن له وجود قط من الأساس.”
“……”
“حتى نهاية عمري، فلن أنساك يا أبي. وسأعيش وفي قلبي مشاعر الامتنان لأنكَ أنجبتني.”
لم يردَّ الماركيز، بل اكتفى بمطالعته بنظرات جامدة.
وبعد فترة طويلة، انفتح فمه بصوتٍ كحد السيف:
“من الذي جعلك تولد كدوس؟ ومن تظن أنه منحك تلك الدماء في عروقك؟”
“……”
“ليس دوق روبنشتاين الذي التقطك وجعل منك دميةً لابنته، ولا أمك الحقيرة التي بلا قدرات.”
“……”
“بل أنا. أنا وحدي.”
لعت عينا الماركيز ببريق من الجنون.
“هل رفعتُ يدي عليك ولو لمرة واحدة؟ لقد أبقيتكَ حياً ولم أقتلك على الأقل لكونك ابناً لي. ألم أقم حتى بإطعامك وإيوائك؟”
“……”
“ألا ترغب في العيش هناك لأن أخاك الأكبر في البيت؟ إن كنت تكره رؤية وجه ذلك الوغد فسأقوم بطرده فوراً. وإن كنت تريد الانتقام لما عانيته طوال تلك المدة فافعل ما تشاء.”
انفتح فم تشيشير تدريجياً.
أخوه غير الشقيق جوناثان…
خيل إليه أن الماركيز يرى فيه الابن الحقيقي حقاً، على عكسه هو، الابن غير الشرعي الحقير.
لكن الماركيز كان يتلفظ بكلمة طرد جوناثان* دون أدنى تردد.
“لأنك لست مقرباً مني فأنت تشعر بالغرابة. والوقت كفيل بحل هذه المشكلة. تعال معي إلى مكان جميل لنتحدث ونقضي بعض الوقت معاً.”
أمسك الماركيز بذراع تشيشير بتعبير تبدل إلى الدفء في لمح البصر.
طاك―!
فضَّ تشيشير يده عنه.
“لن أذهب.”
وكأنه كان يتوقع مثل هذا الموقف، أخرج الماركيز شيئاً ما من داخل ردائه.
ورقة تحمل ختماً إمبراطوريًا رسمياً.
“هذه رخصة تتيح لي رؤيتك مرة كل يومين، ولمدة ثلاث ساعات في كل مرة. وبما أن الدوق يعرقل رؤيتك، فلم أجد سوي اللجوء إلى القصر الإمبراطوريّ بنفسي للحصول عليها.”
ارتخى كتفا تشيشير بضعف.
ولم يعد بوسعه فعل أي شيء حيال الماركيز الذي أحضر وثيقةً رسمية.
التفت بخفة إلى الوراء.
من بعيد، كانت ليليث تراقب، تراقبه بصمت.
“هيا بنا. لنذهب إلى مكان جميل وننتناول طعاماً معاً.”
في النهاية، كبح تشيشير رغبته في البكاء واتخذ خطوات متثاقلة تأبى التقدم.
وفي تلك اللحظة.
“إلى أين ذاهب الآن؟”
أقبل أكسيون. فحاول الماركيز منعه بإبراز تصريح الزيارة مجدداً بخبث.
“آه، سمو دوق ليبر، أعتذر عن مقاطعة التدريب، لكن…”
“هاه؟ إلى أين عساكما ذاهبين؟”
لكن دون أن يبدي أي اهتمام، أحاط أكسيون كتف تشيشير بذراعه وابتسم بسخرية:
“يا بني.”
……؟
شك تشيشير في أذنيه.
ولم يكن الماركيز أفضل حالاً منه.
“ما الذي تفوهتَ به للتو؟”
“أهوه، ألم يعلم الماركيز بعد؟ يبدو أن الأخبار تتأخر عندكَ. لقد قررت اتخاذ هذا الصبي ابناً لي.”
“ماذا تقول؟”
اتسع فم الماركيز على مصراعيه من الصدمة.
“ألا يتوقع المرء أمراً كهذا؟ فهو أشهر شخصية في العاصمة حالياً. دوس ظهر بعد طول غياب، بل إنه لا يملك عائلة ولا لقباً حتى.”
“حقاً، أيها!”
“كم عدد النبلاء الذين يسيل لعابهم طمعاً فيه. ولأن دوق روبنشتاين كان وصيه لم يستطع أحد مد يده علانية…”
وأردف أكسيون بمكر:
“…لكنني شخص مقرب منه. وحين طلبت تبنّيه، وافق بنفسه بكل طيب خاطر.”
“أيعقل أن يكون هذا معقولاً؟ فأنا والده الحقيقي!”
“أوه، ألديكَ دليل؟”
“نعم، أملكه بالتأكيد! لقد تقدمت بطلبٍ لإدارة الشؤون المدنية الإمبراطورية، وهو قيد المراجعة الآن!”
“إذن، متى ستصدر النتيجة؟”
“هـ، هذا…”
ابتسم أكسيون وأضاف:
“أما أنا فسأذهب لتقديم أوراق التبني اليوم.”
ولا يحتاج التبني سوى لموافقة الطرفين ليتم تمرير الأوراق خلال يوم واحد فقط.
فار الدم من وجه الماركيز.
“لـ، لماذا تفعل ذلك بمفردك… دون حتى الاستماع لرأي الصبي!”
“رأيه؟”
هزَّ أكسيون كتفيه ونظر مطولاً إلى تشيشير الواقف أسفله.
“ألم توافق على أن تصبح ابني أم لا؟”
شعر تشيشير بالذهول التام.
أيُّ طريقة يفترض به أن يساير بها هذا الموقف المباغت…؟
“آه.”
وبينما كان يحرك شفتيه ببلاهة، لمح ليليث.
كانت تقف مستندة برأسها، وقد بدت متأثرة بشدة وهي تشدُّ طرف ثوب أكسيون بإثارة بالغة بعد أن استرقت السمع للحوار برمته.
كانت عيناها الواسعتان المليئتان بالدموع تلمعان ببريق ساطع.
“نعم…”
وعلى الرغم من استمرار حيرته، إلا أنه أدرك أمراً واحداً بيقين تام.
الإجابة التي يجب عليه قولها الآن.
“هذا صحيح، يا أبي.”
أومأ تشيشير برأسه.
“مـ، ماذا قلتَ؟ أبي؟!”
صرخ الماركيز بنبرة حادة.
وانفجر أكسيون ضاحكاً بسخرية وهو يرى الماركيز شاحباً كالجثة.
“هـ، هذه، هذه…”
وبعد أن ظل الماركيز يتخبط في مكانه طويلاً، ابلع ريقه بصعوبة وسارع بالانصراف بخطى وثابة.
ربما كان متجهاً للتحقق من الأمر في الإدارة أولاً.
بدا كطير احترق ذيله.
“عـ، عمي!”
راحت ليليث تقفز بقدميها من شدة الحماس.
“ما هذا الكلام؟ هل، هل قلتَ ذلك فقط لطرد ماركيز العجوز؟”
حدق أكسيون مطولاً في ليليث التي كانت عيناها تتلألأ بحماس، ثم استدار نحو تشيشير.
“يا بني، استعد.”
“…نعم؟”
“يجب أن نذهب، فنحن ذاهبون أيضاً.”
***
أيُّ أمر غريب هذا الذي يحدث بحق الخالق؟
كنت أستقل عربة عائلتنا متجهة نحو إدارة الشؤون المدنية الإمبراطورية، برفقة تشيشير، أكسيون، وأبي بالطبع.
“ما الذي أفعله بحق الخالق…”
كان أكسيون جالساً يحدق في النافذة بشرود وكأن روحه قد فارقت جسده.
“……”
أما تشيشير الجالس بجانبه، فلم يكن يبدو واعياً بدوره لغرابة هذا الوضع المرتبك.
“أهاهاها! هيا أسرعا، أسرعا!”
كان أبي وحده من انشق فمه حتى أذنيه سعادةً.
كان الموقف بحاجة ماسة للترتيب، لكن لم يكن لدينا متسع من الوقت.
“اسرعا، أسرعا!”
ما إن توقفت العربة حتى سارع أبي بحملي والنزول بها فجأة.
وبالفعل… لقد انطلقنا راكضين!
إدارة الشؤون العامة الإمبراطورية.
“يا إلهي! أ، أبي! تمهل قليلاً…!”
“أهاهاها!”
كان أبي يحملني من تحت إبطيَّ معلقةً في الهواء، ويجري بي مستعرضاً إياي في الفضاء.
التفت جميع موظفي الشؤون العامة والزوار بدهشة لرؤيتنا.
‘يا للعار! ما هذا بحق!’
الوقت الذي استغرقه الوصول إلى إدارة الشؤون المدنية كان عشرين دقيقة بالضبط.
توقف أبي فجأةً بصوت صرير عالٍ واحتل أحد الشبابيك الخدمية.
“لقد جئنا لتقديم طلب تبنّي.”
أنزلني أبي وأشار إلى تشيشير وأكسيون مخاطباً موظف الإدارة بلهجة سريعة:
“اسم الصبي تشيشير. أنا وصيه، وهذا هو رب الأسرة الذي سيتبنى الصبي.”
في تلك اللحظة، لفت انتباهي بالصدفة ماركيز أونيكس الواقف عند النافذة المجاورة لنا مباشرة.
اتسع فماه صدمة حين رآنا وسارع بتعجيل الموظف:
“أيها الوغد! أسرع قليلاً!”
“نـ، نعم…”
بدا الموظف الذي أنهكه ضغط العمل ويخفي هالات سوداء تحت نظاراته، وهو يقرأ ببطء ورقة كان يحملها.
“لقد ذكرتم أنكم ستقدمون مستندات إضافية لاستمارة إثبات الأبوة المقدمة سابقاً… دعني أرى… سبب إخفاء الصبي وعدم تربيته… كونه ابناً غير شرعي ووجود آثار عنف تجعل إظهاره أمراً عسيراً…”
“لا! لماذا تقرأ ذلك بصوت مرتفع هكذا؟!”
صرخ الماركيز بوجه محمر غضباً.
‘آه. لقد اضطر أخيراً لقول الحقيقة كي يعجلوا بالمراجعة.’
بغض النظر عن صوره وسمعته التي تمرغت بالوحل، فلتبرير موقفه الآن أولويات ملحة، لذا ففعلته مقبولة.
“السيد إينوك روبنشتاين؟”
في تلك اللحظة.
ابتسمت الموظفة ذات الشعر المصفف بعناية في نافذتنا بلطف وقدمت لنا أربع وثائق:
“لدينا هنا نموذج واحد لموافقة الوصي، ونموذج لبيانات الطفل المراد إدراجه، ونموذج لبيانات رب الأسرة المتبني، وأخيراً شهادة إثبات واقعة الإدراج. أرجو تعبئة هذه الوثائق الأربع وتقديمها.”
“أحين يتم تقديمها يتم الاعتماد فوراً؟”
“نعم. يتم إقرار الإدراج مباشرة بعد إثبات هوية ولي الأمر ودون الحاجة لإجراءات إضافية.”
“يا للروعة، شكراً لجهودكم. سرعة إنجاز العمل هذه مريحة حقاً.”
تناول أبي القلم في الحال.
وعندما رأى الماركيز ذلك بذهول، مد يده بسرعة ليتدخل―
“هيهي.”
―فرفع أبي الأوراق في الهواء بابتسامة خبيثة.
“أنتَ، أيها الـ…”
ظل الماركيز يلهث بغضب فجدد مطالبته للموظف المسؤول:
“متى تنتهي مراجعة طلبي اللعين ذاك؟!”
“أه، انتظر قليلاً… لقد أودعت أوراقك الجديدة لدى قسم المراجعة للتو…”
“كم من الأيام سأنتظر هنا!”
“صرخاتك لن تجعل المراجعة تتم بشكل أسرع.”
“تباً لك!”
كنت أتبادل النظرات بحماس بين النافذتين محاولة كبح ضحكاتي.
لم تستغرق تعبئة أوراقنا سوى أقل من خمس دقائق.
لكن.
“يا الهي.”
قالت الموظفة وهي تراجع الأوراق بابتسامة اعتذار:
“ما العمل إذن، سيد أكسيون ليبر؟ بدلاً من التوقيع هنا، يتوجب عليك ختم المستند بالختم الرسمي.”
تم رد وثيقتين تحملان توقيع أكسيون.
“أعلم تماماً أنك شخصية معروفة، ولكن بما أن عملية الإدراج تخلو من إجراءات اعتماد منفصلة، فإننا نتطلب حصراً ختماً رسمياً موثقاً لضمان توثيق الهوية.”
توقف أبي بملامح مذهولة.
كنا قد قدمنا للتو هاربين من منزلنا مباشرة.
من الذي يحمل معه ختماً رسمياً في تنقلاته العادية؟
فكل ما كان يرتديه أكسيون هو قميص تدريب أسود وبأكمام قصيرة مبللٌ بالعرق.
“تباً.”
على عكس أبي الذي فقد هدوءه في ومضة، تبدل وجه الماركيز المتربص بجانبنا إلى الارتياح والسرور.
وبدأت أشعر بالقلق العميق بدوري.
‘مـ، ماذا لو تمت معالجة أوراق الماركيز أولاً؟’
كان الموقف على حافة الهاوية.
التفت أبي بسرعة بعد أن اتخذ قراراً حاسماً:
“سأذهب إلى قصركَ لجلب الختم…”
لكن أكسيون مد ذراعه بحزم مانعاً إياه من الذهاب.
تصلبت ملامح أبي فوراً.
“أيها الوغد، لا تتراجع وتقل إنك غيرت رأيك بعد وصولنا إلى هنا.”
“……”
راقبتُ الموقف بتوتر بالغ.
إن لم أكن مخطئةٌ، فلا بد وأن صفقة ما قد عُقدت مسبقاً بينهما.
‘أنا لا أكره العم، لكن هل أجبره أبي على تبني تشيشير رغماً عنه؟’
بدا أكسيون غير راغب في الأمر إطلاقاً على أي حال.
وحتى تشيشير…
تابع تشيشير الموقف بتوتر ثم حول عينيه نحوي حين التقت نظراتنا فحول وجهه بعيداً.
“لا حاجة للذهاب إلى المنزل.”
“ماذا؟”
أخذ أكسيون تنهيدة عميقة وأدخل أصابعه في الجيب الأمامي لقميص التدريب الذي كان يرتديه.
وما أخرجه كان…
‘ختم رسمي؟!’
اتسعت عينا أبي حين رأى ذلك.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.