الفصل 86
بِعينينِ مغرورقتينِ بالدموعِ، ركضَتْ ليليثُ نحو أبيها.
كانَ إينوكُ واقِفاً فاحتضنَ ليليثَ التي ركضَتْ نحوَه، وحرَّكَ شفتيهِ قائلاً:
“أميرتي، أميرتي…”
“أَبييي!”
“نعمْ، أميرتي…”
الوجهُ اللطيفُ الذي لم يرَهُ طوالَ تلكَ الفترةِ.
أرادَ إينوكُ ملأ رؤيته بها دونَ أن يرفعَ عينيهِ عنها، لكنْ لسببٍ ما، كانتْ ليليثُ تحرِّكُ جسمَها الصغيرَ باضطرابٍ وهي مشغولةٌ بفحصِ أبيها.
“ابقي ثابتةً قليلاً. لكي أرى وجهَكِ.”
“أبي، ألمْ تُصبْ بسوءٍ في أيِّ مكانٍ؟!”
“هممْ؟ أينَ قدْ يُصابُ أبوكِ بسوءٍ؟”
“هلْ أنتَ بخيرٍ؟”
“أنا بخيرٍ، طبعاً.”
“آهْ، أُووااانغ…!!!”
اتسعتْ عينا إينوكَ بَدَهشةٍ.
وبدأتْ ليليثُ تبكي بحرقةٍ تكادُ تُسمعُ العالمَ كلَّه، ربَّما لأنَّها تأكدتْ من سلامةِ أبيها.
“لا، أيتها الأميرةُ. لماذا؟!”
التفتَ إينوكُ المدهشُ حوله عندَ ذلكَ الحينِ.
كانتْ عائلتُه التي خرجتْ لاستقبالِ ابنتهِ نيابةً عنه تنظرُ إلى الأبِ وابنتِهِ بنظراتِ امتناعٍ.
وجدَ إينوكُ بينهم زوجَ أختهِ، أليكسي أنترَاس.
تَحادثَ اثنانِ بحركةِ الشِّفاهِ.
‘ما هذا. هل أخبرتَ الطفلةَ؟’
‘هذا لأنَّ صهري تأخرَ في الوصولِ!’
هذا صحيحٌ. كمْ كانتْ ستفزعُ الطفلةُ إذا لم تجد الأبَ الذي كانَ من المفترضِ أن يكونَ في استقبالها منذ الصباحِ الباكرِ.
إذا سألتْ الطفلةُ عن سببِ غيابِ أبيها فقيلَ لها إنَّه ذهبَ لقتلِ الوحوشِ، فستفزعُ طبعاً.
ولئلا تقلقَ هكذا، جعلَ خروجَه للإخضاع سرّاً، لكنَّ…
“أُوهَاا، أُوورأاانْغ!!!”
“لا، يا أميرةُ. ولكنْ، لحظةً واحدةً.”
وعندما رأى ابنتَه تندبُ وتنحبُ بهستريةٍ على قلقها عليه، شعرَ إينوكُ بالإحراجِ.
“أبوكِ…”
“كُهْ، وواااانغ!”
“هاه.”
إينوك روبنشتاين.
هو―
في الرابعة عشرة، أصبحَ سيدَ السيفِ.
وفي السادسة عشرة، بعد تعيينه رسميّاً، صارَ قائدَ الفرسانِ.
متى كانتِ المرةُ الأخيرةُ التي تلقى فيها ‘قلقاً على إصابتهِ’؟
كانتِ الذكرى بعيدةً جِدّاً.
إذا كانَ هناكَ شيءٌ واحدٌ يمكنُ تأكيدُه في ميدانِ معركةٍ يحتدمُ فيه الحياةُ والموتُ كلَّ ثانيةٍ، أليسَ هو سلامتهُ هو؟
كانَ ذلكَ ما يقرُّ به إينوكُ، وكلُّ من يعرفُ إينوكَ أيضاً.
ولذلكَ شعرَ إينوكُ بالغرابةِ.
“هيكُ. كُهْ.”
لوجود هذا الكيانِ الصغيرِ الذي يخافُ أن يكونَ قد أصابه مكروهٌ، كان شعورًا لم يختبرهُ من قبل.
“أيتها الأميرةُ؟ أبوكِ بخيرٍ حقّاً. ليسَ هناكَ شيءٌ على الإطلاقِ. هلْ قلقتِ عليَّ؟”
“كُهْ. أُوونْ…. أبِي ذهبَ لإمساكِ الوحشِ، الإمساكِ بالوحشِ، ولكنَّهُ لمْ يأتِ…”
“أنا آسفٌ. أنا آسفٌ، أيتها الأميرةُ. أبوكِ لمْ يتأخرْ لأنَّه أصيبَ وهو يمسكُ بالوحشِ.”
طمأنَ إينوكُ ليليثَ التي استنفدتْ قواها من البكاءَ.
“إذاً، إذاً لماذا تأخرْتَ…”
“نعمْ، تعطلَت بوابةُ الانتقالِ الآنيِّ فتأخرْتُ. أميرتي العزيزةُ، أبوكِ قالَ إنه سيأتي لإحضاركِ لكنَّه لم يفِ بوعدهِ، أنا آسفٌ.”
“كُهْ. لا عليكَ. إذنْ لا بأسَ. طالما أنَّ أَبِي لمْ يُصبْ بسوء.”
“أه.”
كانَ إينوكُ على وشكِ أن يبكي. بلْ، بكى قليلاً.
“ليليثُ، مضت فترةٍ طويلةٍ! واو، هل تخرّجتِ في غضونِ شهرٍ حقّاً؟ لقدْ كبرتِ كثيراً في الوقتِ الذي لمْ أركِ فيهِ؟”
“لا، ولماذا تذرفين الدموعَ والمخاطَ هكذا…”
“وااااء! العم فيليب! العم أكسيونُ!”
لوَّحتْ ليليثُ بيديها لفيليبَ وأكسيونَ اللذينِ عبرا تاليّاً.
عندما رأَى الطفلةَ تقومُ بالتحيةِ بسرورٍ حتى وهي تستنشقُ أنفها، شعرَ إينوكُ بالدَّهشةِ من جديدٍ.
“هاه.”
طفلةٌ صغيرةٌ، ضعيفةٌ تكادُ تنكسرُ إذا تمَّ لمسُها بخطأٍ، ولا تستطيعُ الكلامَ حتى.
تلكَ الطفلةُ التي كانَ يبدو أنَّه يجوزُ تسميتها بكيانٍ صغير أكثر من بشر…
“أبي ما هذا! أتبكي؟ أتتألّم في مكانٍ ما؟”
“لا. أبوكِ لا يبكي.”
“كذبٌ!”
متى كبرتْ هكذا.
تتكلمُ أيضاً، تبكي وتضحكُ، وذهبتْ إلى معهدِ التدريبِ بشجاعةٍ دونَ أبيها.
“أبي! أوهيهيه.”
“نعمْ.”
“أنا، لقد عدتُ!”
اختبأتْ ليليثُ التي ابتسمتْ بخجلٍ وهي تبلعُ أنفها في أحضانِ إينوكَ.
وقالتْ:
‘…اشْتَقْتُ إليكَ.’
شعرَ الأبُ بغصةٍ وهو يضمُّ جسمَ ابنتِهِ الصغيرَ بقوةٍ.
“نعمْ، أبوكِ أيضاً.”
***
من المعهد إلى العاصمةِ، والانتظارُ أوّلاً في المعبد لرؤيةِ أبي بسرعةٍ، والعودةُ إلى البيتِ بعد مقابلةِ أبي….
خلالَ تلكَ الساعاتِ التي تجاوزتْ نصفَ اليومِ.
‘هلْ لا أحدَ يسألُ حقّاً؟’
كنتُ منزعجة.
لمْ يسألني أحدٌ.
ماذا لمْ يسألوا عنه؟
‘لماذا بحقِّ الخالق لا يسأل أحدٌ عنّي…؟’
تحديداً، رتبتي.
باعتباري عدتُ بعد التخرجِ من معهدِ التدريبِ، ظننتُ أنها ستكونُ القضيةَ الأكثرَ اهتماماً للعائلةِ.
سألتُ ما إذا كانَ زوجُ عمتي قد تحدثَ مسبقاً لكنَّه قال―
“لمْ يكنْ هناكَ وقتٌ للتحدثِ.”
―هكذا.
وبالمقابلِ، جفلَ الجميعُ عندما سمعوا رتبةَ تشيشير.
“دوسُ؟! واو. أنتَ حقّاً؟ أمرٌ عظيمٌ!”
“تهانينا! لكنَّني كنتُ أظنُّ أنَّ تشيشيرَ سيكونُ مميزاً. فخالي لمْ يعلمْهُ هكذا عبثاً، أليسَ كذلكَ؟”
“ياللدَّهشةِ. توجدُ حالاتٌ مثلُ هذه أيضاً. ستحظى باهتمامٍ هائلٍ مستقبلاً، أليسَ كذلكَ؟”
“أحسنْتَ الصنعَ. اعملْ بجدٍّ أكبرَ.”
فقدتُ الفرصةَ للكشفِ عن رتبتي وسطَ ذلكَ.
لأنِّي أدركتُ أنَّ العائلةَ ليستْ هي التي لا تهتمُّ برتبتي.
‘يظنونَ تمامًل أنها دوسُ لذلكَ لا حاجةَ للسؤالِ عنها تماماً….’
كانَ الأمرُ كذلكَ.
وكانَ ذلكَ صحيحاً بالنسبةِ لأبي أيضاً.
“موااح، أميرتي. من أمركِ بأن تكونَ جميلةً هكذا. همم؟”
قبلَ النومِ. قامَ أبي الذي جعلني أغسلُ وجهي بنفسهِ بمَسْحِ وجهي بالمنديلِ وقبَّلني قبلةً خفيفةً.
“هيا، لقدْ نظفّنا كلَّ ما على الوجهِ بشكلٍ مقبولٍ، فلنذهبْ للنومِ إذنْ!”
استلقيتُ جنبَ أبي على السريرِ مرتديَةً ثيابَ النومِ.
“قبلَ أن ننامَ، أميرتي، هلْ تخبرين أبيكِ عما إذا كنتِ قد كوَّنْتِ صداقاتٍ كثيرةً؟”
“أبي.”
“نعمْ.”
“لماذا لا تسألُ؟”
“همْ؟ ماذا؟”
“ما الرتبةُ التي حصلتُ عليها!”
“….”
رمشَ أبي بعينيهِ بهدوءٍ.
ثمَّ ضحك بصوتٍ عالٍ.
“أهاها، هلْ ينبغي السؤالُ عن ذلكَ؟ أميرتي عبقريةٌ لذلكَ لابدَّ أنها حصلتْ على الأفضلِ، أليسَ كذلكَ؟”
“الأفضل؟ دوسُ؟”
“نعمْ، كذلكَ. لأنَّ ابنتَنَا ذكيةٌ.”
“أهكذا إذنْ. تلكَ هي الأفضلُ إذنْ.”
عندما تظاهرتُ بالعبوسِ، استشعرَ أبي شيئاً غريباً فنهضَ فجأةً.
“أميرتي؟”
“نعمْ.”
“أينَ شارتُكِ؟”
“هلْ أريكَ إياهُ؟”
“نعمْ.”
“حسناً!”
نهضتُ بسرعةٍ وفتحتُ حقيبةَ الدبِّ التي تركتُها في أحدِ أركانِ الغرفةِ.
ثمَّ ارتديتُ شريطَ الرتبةِ الأخضرَ على ذراعي وأحضرتُ الشعارَ للأبي.
“تادا!”
“….”
بقيَ أبي الذي كانَ ينظرُ إلى ذلكَ بهدوءٍ يرمشُ بعينيهِ طويلاً ثمَّ أمالَ رأسَهُ فوراً.
“ملْكُ منْ هذا؟”
كما توقعتْ. الاستجابةُ المتوقعةُ.
“ملْكي!”
“…ماذا قلتِ؟”
“حقّاً. لا بدَّ أنَّني لمْ أكنْ عبقريةً. هلْ خاب أَمَلَكَ لأنَّه ليس مطابقاً لأبي؟”
“لا، ليسَ هكذا.”
نظرَ أبي طويلاً إلى شارة الرتبةِ الرابعةِ، أوكتافا، الذي يمسكه بيدهِ.
نحو خمسِ دقائقَ.
ومن ثمَّ بدأتْ يداه ترتجفانِ بعنفٍ.
بدأَ فمه ينفتحُ تدريجياً وبعد وقتٍ طويلٍ التقتْ عيناه بعينيَّ.
“أوكتافا…، تقولينَ؟ أنتِ؟”
“نعمْ، أنا آسفةٌ. لأنَّها ليستْ رتبةً جيدةً.”
“لا! أوه، تبّاً!”
نهضَ أبي فجأةً.
ثمَّ ذُهلَ وأغلقَ فمه.
“أنا آسفٌ، أميرتي. لقدْ دهشَ أبوكِ كثيراً لدرجةِ أنه استخدمَ كلمةً سيئةً.”
“لا بأسَ.”
“هذا لا يُعقَلُ. هذا. هذا بالضبطِ. كيفَ حتى…”
قبضَ أبي على رأسهِ بقوةٍ بملامحَ مضطربةٍ.
وبعد لحظةٍ، تلاشتِ القوةُ من جسدهِ كلِّه، وسقطَ أبي جالسًا على السريرِ وأطلقَ ضحكةً جافةً.
“واو، لا. واو.”
يمكنُ للشخصِ أن يكونَ سعيداً هكذا حقّاً…
كانتْ تلكَ هي ملامحه.
‘هاه. إلى هذا الحدِّ. في الواقعِ، أنا بريميرا، وإذا علم أبي بذلك، فكم سينهار ويحزن.’
ولذلكَ كانَ ينبغي أحمل هذا السرّ وحدي.
“أميرتي.”
احتضنني أبي الذي غمرته السعادة.
“لقدْ أبليتِ بلاءً حسناً. أبليتِ بلاءً حسناً جِدّاً. أميرتي، شكراً لجهدِكِ. أهنئكِ على التخرجِ ونيلِ الرتبةِ.”
“هلْ أبليتُ بلاءً حسناً؟ قالوا إنَّ هذه الرتبة الرابعة…”
“آهْ، طبعاً! أبليتِ بلاءً حسناً! أميرتي هي الأفضلُ في العالمِ! ما الخطأُ إذا كانتْ الرتبةِ الرابعةِ؟ فبالنسبةِ لأبيكِ، أميرتي هي الرتبةُ الأولى!”
“أهيهيه.”
كانَ أبي لا يزالُ ينظرُ إلى شعاري ويعانقني ويقبلني، غارقًا في التأثرِ لفترةٍ طويلةٍ جِدّاً.
وحينها، في لحظةً واحدةً، اكتشفتُ أنَّ نظراتِ أبي تأخذُ طابعاً حادّاً.
‘يالْهْ منْ رجلٍ، هو يفكرُ في أفكارٍ مرعبةٍ.’
لمْ يعدْ هناكَ ما يُعتبرُ نقطةَ ضعفٍ بالنسبةِ لأبي الآنَ.
أنا من الرتبةِ الرابعةِ التي ليسَ عليها أيُّ التزامٍ قسريٍّ بالتجنيد الإجباريّ للقواتِ الإمبراطوريةِ النخبويةِ.
مهما بلغَ أمرُ الإمبراطورِ، لا يمكنه إجبارَ صاحبِ القدرةِ ذي الرتبةِ المنخفضةِ على التجنيد.
فذلكَ يشبهُ الوعدَ الضمنيَّ بين الإمبراطورِ وأصحابِ القدراتِ.
‘إذا بدأَ في وضعِ استثناءاتٍ كما يشاءُ، فسيشعرُ النبلاءُ بالسخطِ.’
وعلى أيةِ حالٍ، هناكَ كثيرونَ من النبلاءِ الآباءِ الذين يذرفون دموعَ الدمِ وهم يرسلون أبناءَهم إلى ساحة المعركةِ بسببِ نظامِ التجنيدِ الإجباريِّ.
تذكرتُ فجأةً الدوقَ شميدتَ الذي كانَ يبكي بعد رؤيةِ جيراردَ الذي تركَ التدريبَ.
ابناه الأكبران قدْ قتلا جميعاً في المعركةِ…
‘الإمبراطور السيئُ. نهايةٌ بائسةٌ في انتظاره.’
ما فائدةُ أن تكونَ بريميرا الذي لا يعجزُ عن شيءٍ؟
إذ كانَ عددُ أصحابِ القدراتِ أكثرَ بكثيرٍ.
إذا هجمَ الجميعُ بقلبٍ واحدٍ وروحٍ واحدةٍ، فلنْ يكونَ للإمبراطورِ حيلةٌ أيضاً.
ولذلكَ نجحَ تمردُ أبي في الروايةِ الأصليةِ.
‘آهْ، صحيحٌ!’
بمجردِ ذكر التمردِ تَبَادَرَ إلى ذهني شيءٌ نسيتُه.
كيفَ يمكنني نسيانُ هذا الأمرِ المهمِّ؟ أمسكتُ برأسي ممَّا أصابني بالصدمةِ.
“أبي، أبي، أبي!”
“نعمْ؟”
“أنا، رأيتُ العم جوزيفَ!”
“أحقّاً؟”
لسببٍ ما، بدا أبي هادئاً، لكنِّي لمْ أستطيعْ الاهتمامَ برَدِّ فعلِ أبي بسببِ قلقي المفرط.
جوزيفُ الذي كانَ المستشارَ الذي لا يُعوضُ لأبي بلا شكٍّ في الروايةِ الأصليةِ.
فلوْ أنَّه اتّخذ مسارًا آخر لكانتْ مأساةً حقيقيةً تماماً!
“نعمْ. أبي، استمعْ. أعني. كان هناكَ صديقٌ تشاجرتُ معه في المعهدِ.”
“إيه. لماذا تشاجرتِ مع الصديقِ؟”
“كانَ صديقاً سيئاً للغايةِ! كانَ يظلمُ الأصدقاءَ العامةِ ويأمرهم بإحضارِ الطعام، أليسَ كذلكَ؟”
“أحقّاً؟ إذنْ لقدْ لقّنته درسًا جيدًا. ألمْ يقلْ شيئاً للأميرةِ؟”
“نعمْ، قال! على أيةِ حالٍ، كان طفلًا سيئًا للغايةِ، أليسَ كذلكَ؟ ترى هلْ تعلمَ ذلكَ من أبيه ولذلكَ كان هكذا؟”
“صحيحٌ. لمْ يتلقَّ تربيةً منزليةً صحيحةً. ما اسمهُ؟”
“بروس! بروس تشامبر!”
تصلبَ وجهُ أبي قليلاً عندما سمعَ اسمَ عائلةِ تشامبر.
واستمررتُ:
“ولكنْ، ولكنْ. يبدو أنَّ العم جوزيفَ سيصبحُ صديقاً لوالدِ ذلكَ الطفلِ!”
“….”
نظرَ إليَّ أبي بدقةٍ.
حاولتُ الشرحَ بقدرِ ما يمكنُ بدقةٍ، لكنَّ أبي ذكيٌّ لذلكَ فقدْ فهمَ، أليسَ كذلكَ؟
أنَّ المستشارَ الذي كانَ يحاولُ ضمّه يبدو وكأنه أمسك بخيطٍ لشخصٍ بعيدٍ، فليتحققْ من ذلكَ سريعاً، هذا ما أعنيه.
أرجوكِ!
“أبي! ماذا لوْ لمْ يصبح العم جوزيفْ صديقاً لأبي وصارَ صديقاً لرجلٍ آخرَ؟”
“أميرتي.”
ناداني أبي.
بنظرةٍ غريبةٍ لسببٍ ما، كانَ أبي يطيلُ النظرَ في عينيَّ.
شعرتُ أنَّ شيئاً ما لمْ يكنْ على ما يرامُ عند مشاهدةِ نظراتِ البطلِ الحادةِ.
“لا داعي للقلقِ فيما يخصُّ العم جوزيفَ. في الحقيقةِ، العم جوزيفَ قدْ بحثَ عن أبيكِ أوّلاً.”
“آهْ.”
“ولكنْ هناكَ شيءٌ واحدٌ يريدُ أبوكِ معرفتهُ، هلْ يمكنني سؤالُكِ؟”
لا، أرجوكِ لا تسألْ.
كانَ قلبي ينبضُ بعنفٍ.
“هلْ ربَّما منْ كَتَبَ الرسالةَ إلى أبيكِ هي الأميرةُ؟”
“همْ؟ رسالةٌ؟ أيُّ رسالةٍ…؟”
قالَ أبي الذي ابتسمَ بسخريةٍ، وهو يلوي قبضته بقوةٍ في الهواءِ:
“دوقُ إينوك روبنشتاين، استمعْ!”
يا ويلي.
“-هكذا، رسالةٌ تبدأُ بهذا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.