الفصل 65
أجل، أمي.
لقد كان ذلك لقائي الأول بأمي.
‘هـ، هكذا فجأة؟’
شعرتُ بارتباكٍ شديد وعجزتُ عن معرفةٍ ما يجب قوله.
دق، دقات قلبي تتسارع بقوة- دوم، دوم، دوم، دوم.
‘ماذا سأقول؟ ما هي الكلمة الأولى؟ مرحبا؟ أم أعرّفها بنفسي؟ أم أتظاهر بعدم معرفتها؟’
وبينما كنت أقف متجمدةً دون حركة، فتحت فمي بعد فترة طويلة―
“عذراً.”
باختصار. خطفت أمي الكرة التي كانت في يدي.
ثم استدارت بسرعة واختفت وكأنها تهرب.
“…؟ عذراً، انتظري لحظة!”
رغم محاولتي العفوية لمد يدي، كانت قد ابتعدت مسافات طويلة.
‘مـ، ما هذا؟ ألا تنوي تبادل أطراف الحديث معي حتى؟’
تسمرت مكاني وبقيت أرمشُ بعينيّ بدهشة.
التفتت برأسي بخفة لأرى زميلاتي في الغرفة ينظرن إليّ بعلامات الحيرة والتعجب.
“أحم، أحم.”
أطلق تنحنحاً خفيفاً وأنزلت يدي التي مددتها في الهواء ببطء.
شعور بالحرج، ومزيج من الصدمة والارتباك…
كان شعوراً غريباً وغير مألوف.
***
‘ما هذا.’
حين لمح تشيشير ليليث في ساحة المعهد، توقف في مكانه لا إرادياً وبقي يراقبها بصمت.
تعبير وجهها الشاحب والمرتبك وهي تنظر إلى تلك المرأة الغريبة لم يكن يشبه ليليث المعتادة إطلاقاً.
وبدا الارتباك واضحاً على الطرف الآخر أيضاً.
“عذراً، انتظري لحظة!”
حاولت ليليث إيقاف المرأة.
ولسبب ما، سارعت المرأة بالهرب والابتعاد وكأنها تواجه شبحاً مرعباً.
‘أتعرفها؟’
وأمام تلك الهيئة المذهولة لـ ليليث وهي تقف وحيدة، لم يجد تشيشير في نفسه القدرة على تحريك قدميه.
فقد بدا وجهها محملاً بالمرارة والحيرة والضياع.
تساءل إن كان هناك ما يدعو للقلق.
ومن تكون تلك المرأة.
كان وجهها يبعث فيه رغبةً صادقة في سؤالها عما إذا كانت بخير أم لا.
ولم يكن ذلك الوجه المعتاد لـ ليليث الساطعة والمشرقة، بل كان وجهاً يراه للمرة الأولى.
***
حصة التعليم النظري في صف ‘الهجوم’.
كان من المفترض أن أحضر الدروس برفقة بقية الطلاب ابتداءً من فترة ما بعد الظهر أنا وتشيشير.
‘تبدو مملة للغاية.’
فكرتُ وأنا أقلب صفحات كتاب الصيغ السحرية بكسل.
لم يكن التعليم النظري يحمل أي جديد.
اقتصر الأمر على رسم صيغ الهجوم السحرية وحفظها عن ظهر قلب.
وبالطبع، لا ينطبق هذا عليّ لكوني لست بحاجة لتجسيد أي صيغة في ذهني.
‘هاه، رغم عدم حاجتي، يجب أن أتظاهر بالحفظ حتى لا أنكشف…’
أخذت أرسم الصيغ المنقولة في كتابي على دفتر الملاحظات.
واحتوت مناهج المعهد على صيغ تتراوح بين الفئة B والفئة F.
وكلما ارتفعت الفئة، كلما ازدادت الصيغة تعقيداً وصعوبة في التجسيد. وبالتأكيد، يرتفع معها حجم الضرر وقوة الهجوم.
‘واو، تتطلب صيغة الفئة B أسبوعاً كاملاً لحفظها وحدها؟’
شردت بذهول قبل أن أقنع نفسي سريعاً:
‘السحر لا يتحقق بالصدفة، لذا…!’
‘سأحفظها حتى وإن لم أكن بحاجة إليها! بلا تفكير وتشتيت، ركزي يا ليليث!’
صفعت وجنتي بخفة بيدي.
حين أبقى شاردة، يعود طيف لقائي بأمي للظهور مجدداً ويجعل أفكاري مشوشة ومعقدة.
‘ما مغزى تلك النظرة في عيني أمي؟’
كنت أتوقع مسبقاً أنها قد تتجنب لقائي.
ألهذا السبب؟
أخوفاً من أن أحاول التقرب منها ومخاطبتها؟
رغم ذلك، وحين تجمعنا الصدفة وجهاً لوجه، تهرب وتختفي دون تبادل كلمة واحدة؟
أكانت غاضبة مني؟
أفعلتُ شيئاً خاطئاً؟
عشرات علامات الاستفهام كانت تتقاتل في رأسي.
“…ليث.”
“……”
“ليليث.”
“آه، نعم!”
أفزعني صوت تشيشير فجأة واستعدت وعيي.
“لماذا أنتِ شاردة هكذا منذ قليل؟”
“…أأنا كذلك؟”
أشار تشيشير بذقنه نحو دفتر ملاحظاتي.
ظننت أنني كنتُ أرسم صيغاً سحرية، لكن الرسمة على الصفحة كانت لشخص آخر تماماً.
رسمة لامرأة بشعر ذيل حصان.
يبدو أن أصابعي اللاواعية رسمت أمي دون أن أدري.
“أجل، كنت شاردة. لستُ أدري لماذا… “
“……”
ظننت أن الأمر لن يؤثر فيّ كثيراً، لكن صدمة لقاء أمي كانت أعظم بكثير مما توقعت.
‘كلا، وكيف لي ألا أتأثر؟ إنها أمي. أمي التي أراها للمرة الأولى في حياتي.’
أطلقت تنهيدة عميقة وثقيلة كادت تشق صدري.
“أتعرفين تلك المرأة من قبل؟”
“هاه؟”
“حين ساعدتِ ذلك الصبي في الخارج منذ قليل.”
“آه، أكنتَ تشاهد؟”
“أجل. وبدت تعابيركِ غريبة بعض الشيء أمام تلك الباحثة. أأنتِ على معرفة بها؟”
“أوه.”
فكرتُ لبرهة ثم أجبته ببساطة:
“إنها أمي.”
اتسعت عينا تشيشير دهشة.
“ماذا؟ تلك المرأة هي والدتكِ؟”
“نعم. التقيت بها للمرة الأولى اليوم أيضاً.”
رغم أنني سبق أن حدثت تشيشير عن أمي، إلا أنني لم أذكر هويتها أبدا…
ولعل هذا ما سبب له تلك الصدمة والذهول.
“أتلتقيان للمرة الأولى اليوم؟ إذن لماذا انصرفت والدتكِ دون أن تتفوّه بكلمة واحدة؟”
“من يدري؟ …آه! كان الطفل يبكي، ربما ارتبكت فحسب؟”
“……”
“وعلى كل حال، لن نعيش معاً على أي حال. لذا… على الأرجح لم ترغب في لفت الانتباه أو التظاهر بمعرفتي.”
حدق بي تشيشير مطولاً بنظراتٍ ثابتة.
وأثارت تلك النظرات في نفسي شعوراً بالارتباك ودفئاً غريباً.
“أه، لا أعلم حقاً.”
أسقطتُ جسدي المتعب والمثقل وكأنه قطنة مبتلة فوق المقعد.
***
‘لن نلتقي مجدداً على الأرجح.’
…هذا ما فكرت به قبل ساعات قليلة فقط.
“أيتها الأخت!”
…لكن الواقع خالف توقعاتي في وجبة العشاء.
اقترب مني كايل بابتسامة بريئة ومدّ يده الصغيرة. استقرت حلوى سكرية صغيرة في راحة يده بحجم ورقة شجر خريفية.
“أتعطيني إياها؟”
“نعم! كليها يا أختي!”
يبدو أنه تذكر موقفي حين استعدت له كرته في وقت سابق.
تناولت الحلوى بحذر من كفه الصغير.
“شكراً لك.”
“عفواً، أختي!”
وبعد أن أجاب بصوت حماسي ومرتفع، استدار كايل وركض مبتعداً بخطوات سريعة.
‘أخي…’
تابعت بعيني ظهر كايل وهو يتحرك بخطوات طفولية متقطعة.
لم أشعر بشيء في البداية حين لم أكن أعلم شيئاً.
لكن معرفتي بكونه يحمل نصف دمي تجعلني أشعر بشعور غريب حقاً.
“……”
وبينما كنت أرمق الحلوى التي منحني إياها بعينين شاردتين، وقع نظري صدفة على علبة العصير الموضوعة فوق صينية طعامي.
التقطتها بسرعة وركضت خلف كايل.
“أهيم؟”
“اسمع، شكراً لكَ على الحلوى. سأتناولها بكل سرور! و… تفضل! خذ هذه هدية مني!”
رمش كايل بعينيه الواسعتين وهو يتأمل العصير الذي مددته إليه، ثم ابتسم باتساع وأخذه مني:
“شكراً لكِ، أختي!”
“نعم، هيهي.”
“…كايل!”
ارتجفت.
‘إنها أمي.’
رغم سماعي لصوتها مرات معدودة، إلا أن صوت أمي بات مألوفاً ومطبوعاً في أذني، فتجمدتُ مكاني فوراً.
هرعت أمي بخطوات سريعة وحملت كايل بين ذراعيها بقلق.
“أمي! لقد أعطتني أختي هذا!”
“……”
على عكس ما حدث سابقاً، بدا كايل مبتهجاً وبدت تعابير وجه أمي أكثر شحوباً واضطراباً من ذي قبل.
‘ما سر هذا التصرف؟ لا داعي لكل هذا الخوف والتحفظ مني؟’
كانت عينا أمي تضطرب بشدة وهي تحدق بي.
“أترغبين في قول شيء ما؟”
“عفواً؟”
“أم… هل… أزعجكِ بشيء ما؟”
“……?”
ارتبكتُ ولوحت بيدي نافياً:
“لا أبداً! ليس الأمر هكذا. لقد أهداني حلوى، و… وأعطيته العصير شكراً له…”
“……”
“هـ… هل هناكَ مشكلة في ذلك؟”
أمام نظراتها الصامتة والنافذة، رسمت ابتسامة متوترة وتلعثمت.
“خذيه.”
“آه.”
“أهئ! عصيري!”
أعادت أمي علبة عصير كايل ووضعتها في يدي مجدداً.
ثم تفادت النظر في عيني وقالت بصوت خافت:
“عذراً… الطفل لا يزال صغيراً ولا يفقه شيئاً. إن عاود التحدث إليكِ… فاطلبي منه الانصراف فحسب. وإن كان لديكِ ما تقولينه… فتحدثي معي أنا، لا معه.”
“……”
أدركت الحقيقة في تلك اللحظة.
كانت أمي تخشى أن أتفوه بكلمات غير مناسبة لكايل وأتسبب له بالإزعاج.
“لن أسألكِ عما حدث في النهار. أرجو ألا يتكرر ذلك مجدداً. أرجوكِ.”
ما حدث في النهار؟
رفعت رأسي بسرعة، بعد أن كنت أنزلُ بصرِي بيأس.
بالتأكيد. يبدو أنها لا تزال تظن أنني انتزعت كرة كايل وعاملتُه بقسوة.
“في الواقع، في ذلك الوقت…”
لكن الفرصة لم تتح لي لتوضيح الأمر.
فقد أدارت ظهرها ومضت.
“انـ… انتظري قليلاً من فضلكِ!”
أرجوكِ كفي عن الهرب مني! وقبل أن أتحرك للحاق بها واستيعاب الأمر―
‘تشيشير؟’
ظهر تشيشير أمامي.
فقد أنهى طعامه للتو واعترض طريق أمي بوقفته الواثقة.
“عذراً.”
كانت نبرة تشيشير حادة بشكل غير معهود.
“ما الذي أخطأتْ فيه لتعامليها هكذا؟”
“هاه؟”
“سألتكِ، ما الخطأ الذي ارتكبتْه؟”
التفتت أمي مذعورة وهو يشير نحوي الواقفة خلفه.
“في النهار، سرق طفلٌ آخر كرة ابن السيدة فبكى، فقامت ليليث بإعادتها له.”
“……”
“وحالياً، يبدو أن الصبي اقترب من ليليث أولاً وبادرت بمشاركته مشروبها.”
تقدم تشيشير بخطوات واسعة، وانتزع العصير من يدي.
ثم ناوله لكايل مباشرة.
“عصيري!”
“هذا العصير وُزع للتو في وجبة العشاء. لا سموم فيه.”
أرعبني هجوم تشيشير المباشر والعدائي.
وارتبكت أمي بدورها.
“آه، هكذا إذن. أنا آسفة. يبدو أنني أسأت الفهم في الصباح. وأما بالنسبة للعصير، فلم أكن أقصد… أنا فقط…”
“لم تخطئ في شيء قط. ولم تكن تنوي إزعاجه أبداً.”
قاطع تشيشير حديثها، ثم أمسك بيدي بقوة.
ورمق أمي بنظرات مرعبة وحادة:
“لذا، كفِّي عن النظر إليها بنظرات مزعجة وكأنها مجرمة. وإياكِ وجعلها تشعر بالتوتر والقلق وهي لم تفعل شيئًا.”
“……”
“وإن كنتِ خائفة على ابنكِ لهذا الحد، فعلِّميه كيف يبتعد عن ليليث بنفسكِ بدلا من ذلك.”
فتحت فمي بذهولٍ من كلمات تشيشير الجريئة.
“لنذهب.”
سحبني تشيشير خلفه تاركاً أمي مشلولة اللسان وعاجزة عن النطق.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.