الفصل 52
***
قبل يومين من عيد ميلادي، تلقيتُ رسالة تحمل اسمي على عنوان المرسل إليه.
[إشعار بالانضمام إلى معهد تدريب أصحاب القدرات في إمبراطورية بافيليون – ليليث روبنشتاين
بصفتكِ صاحبة قدرة من رعايا الإمبراطورية العظيمة واستجابةً لنداء بريميرا، فقد تم اختيارك للانضمام إلى معهد التدريب.
يرجى استكمال إجراءات الالتحاق في موعد أقصاه يوم التجمع 21 مايو من عام 1779 الإمبراطورية.
وفي حال عدم الالتحاق دون عذر مشروع حتى بعد مرور 3 أيام من تاريخ استلام الإشعار، يُعتبر ذلك انتهاكاً للقوانين العسكرية…]
أهكذا كان شعور شباب كوريا حين يتلقون إشعارات التجنيد الإجباري؟
أخذ أبي يقرأ الإشعار بصمت وهو يحتضنني، ثم أطلق تنهيدة طويلة ومثقلة.
“ما سر هذه التنهيدة؟ سأذهبُ وأعود سريعاً.”
“لابد أن تشيشير قد تلقى إشعاراً مماثلاً أيضاً. فقد طلبت مطابقة موعد انضمامه عند تسجيله.”
أوه، تجنيد ثنائي. يبدو خياراً جيداً.
“ليليث.”
“نعم.”
“ما رأيكِ بتأجيله لسنتين؟ رغم أن إشعارات الانضمام تبدأ بالوصول من سن السابعة، إلا أن الالتحاق الإلزامي يبدأ من التاسعة.”
“ياااه، مستحيل! سأذهب في أقرب وقت!”
تدلى كتفا أبي بيأس.
يا لها من فكرة مجنونة حقاً.
فجسدي يجب أن يستهلك طاقته وقوته الحيوية ليتقدم بالعمر في أسرع وقت.
وإن لم أفعل، فسأبقى على هذه الحال طوال سنتين دون أي نمو يُذكر…
‘إنها كارثة محققة، كارثة كبرى. ستنكشف حقيقتي للجميع في كل مكان.’
ارتعشت ذعراً، وبرودٌ يسري في عيني.
“حسناً… بما أن ابنتنا ذكية، فأسبوع واحد يكفيها لتتجاوز الأمر.”
“بالتأكيد. ثق بي ولا تقلق.”
“هاااه. لم يتبق سوى أسبوع…”
بدا وجه أبي وكأنه في جنازة.
‘لكن المشكلة الحقيقية ليست في موعد تجنيدي.’
المشكلة تكمن في أبي نفسه.
فقد مضت عدة أيام على تلقيه الرسالة دون أي رد فعل يذكر منه.
‘أيعقل أن يكون… قرأها وتجاهلها؟ أو لم يقرأها أصلاً؟ أهو إينوك روبنشتاين بذاته؟’
كنت أعتقد جازمةً أن الرسالة ستستفز مشاعر الثورة الدفينة في أعماق بطل القصة.
لكن، وخلافاً للقصة الأصلية حيث ابنته بأمان، هل فكر في لعب دور كلب الإمبراطور الوفي من أجل ابنته رغم عدم رضاه― واكتفى بذلك؟
أمسكت رأسي بفزع عارم.
‘لا، كلا. أنا أثق بأبي.’
فهو بطل الرواية العادل إينوك روبنشتاين، المحمّل بكلمات مفتاحية مثل: #العدالة #الثورة!
“ولكن يا أميرتي.”
“نعم.”
“أنا متوجه إلى مكان ما لفترة قصيرة.”
“هاه؟ إلى أين؟”
“لشراء هدية عيد ميلاد أميرتي؟”
“هاه؟ أين ستذهب لشراء الهدية؟”
“أمم، المسافة بعيدة بعض الشيء. كنت أفكر في ركوب بوابة الانتقال من الكنيسة والتوجه إلى المنطقة الوسطى.”
“واااو، رائع!”
تنفست الصعداء بارتياح.
‘إذن لم يتجاهلها بعد كل شيء. بما أنها المنطقة الوسطى، فهو ينوِي التوجه للقاء جوزيف لوتمان تماماً كما طلبتُ.’
هذه هي المتعة الحقيقية لسير الأحداث تماماً كما في الرواية الأصلية!
“أعتقد أنه سيكون صعباً العودة في غضون يوم واحد. لكني سأعود قبل عيد ميلادكِ بالتأكيد.”
“ماذا؟ ستذهب الآن وتعود في عيد ميلادي؟ ولم يتبق على عيد ميلادي سوى 3 أيام فقط؟”
“نعم.”
أيخطط لإحضار جوزيف لوتمان خلال ثلاثة أيام فقط؟
بقيت مدهوشةً أرمش بعينيّ بعدم استيعاب.
جوزيف لوتمان.
لإعطاء نبذة بسيطة عنه…
1. المستشار السياسي لبطل الرواية إينوك روبنشتاين.
2. الشخصية التي كان يمتلكها إينوك روبنشتاين بجانبه منذ بداية الرواية الأصلية.
3. يتمتع بمهارات سياسية مذهلة جعلت اسمه يلمع في العاصمة حين كان شاباً، قبل أن يختفي أثره إثر حادثة غامضة ويعيش في فساد.
4. في أحد مشاهد حواره مع إينوك روبنشتاين، توجد جملة: “ألا تذكر يا صاحب السمو كم عانيتَ لأجل إحضاري طوال ثلاثة أشهر كاملة؟”.
وبما أن الرواية لم توضح أين التقى أبي بجوزيف ولا كيف نجح في استمالته…
فقد توجب عليّ استنتاج لقائهما بناءً على بضعة أسطر من قصته وتلك المحادثة القصيرة.
‘من المؤكد أن جوزيف لم يوافق على مساعدة أبي بسهولة منذ البداية.’
وحين تذكر استمراره لثلاثة أشهر، كان إينوك روبنشتاين يرد بابتسامة: “آه، تذكرت ذلك.” وهو ما يوضح صعوبة المهمة.
‘أوف، يا له من واثق بقدرته على كسب ولاء جوزيف خلال ثلاثة أيام فقط.’
وبما أنني أعرف جزءاً من أسباب تخليه عن كل شيء واختفائه…
‘ستكون مساعدتي مفيدة جداً بالتأكيد.’
أومأت برأسي وقلت:
“سأذهب معكَ.”
“هاه؟”
“سأذهب معك أيضاً. سأختار الهدية التي أرغب بها بنفسي.”
“لا، هذا لا يجوز. سأعود سريعاً. في الحقيقة، لدي صديق… كيف أقول، في تلك المنطقة. لذا سأستغل الفرصة لرؤيته والاطمئنان عليه…”
“وأين لدى أبي أصدقاء أساساً؟”
“أتقصدين أن أباكِ ليس لديه أصدقاء؟”
“أااااه، لا أريد! اصطحبني معك! لا أود البقاء وحدي! لا أريد البقاء دون أبي!”
“أرجوك يا أميرتي…”
“حين أدخل معهد التدريب قريبا فلن أرى أبي طوال الوقت! وهذا أمر بغيض للغاية أيضاً!”
“يا إلهي، وأنا كذلك. أنا أكره الابتعاد عن أميرتي أيضاً. لكن…”
“آآآه!”
تعلقت برقبة أبي وأملت رأسي للخلف متصنعة البكاء بصخب ودون دموع، ممارسةً شتى أساليب الدلال والرفض.
“لا يمكن… حقاً لا يمكن.”
“آآآه!”
“هااه، ابنتنا العزيزة.”
احتضنني أبي وحاول التخفيف عني وهو يتمتم بيأس:
“ماذا نفعل لتعلقكِ الشديد بي هكذا؟ يبدو أنني سأضطر لاصطحاب أميرتي طوال حياتي، لا محالة.”
“خذني معك! سأذهب أنا أيضاً!”
حدق بي أبي بوجه محتار وعاجز عن الرفض.
***
وكالعادة، كان النصر حليفي.
أبلغ أبي أهل القصر أنه سيسافر لشراء هدية عيد ميلادي، ثم اصطحبني معه وتوجهنا نحو الكنيسة.
استغرق الوصول إلى المنطقة الوسطى عبر بوابة الانتقال ساعة واحدة بالضبط.
‘السحر هو الأعظم حقاً.’
تذكرت يوم وصولي للعاصمة خلال نصف يوم، وشعرت مجدداً بعظمة السحر وقوته.
“الأجواء رائعة أليس كذلك؟ تذكرني بالماضي قليلاً، ألا ترى ذلك؟”
“بالتأكيد.”
كانت فالتيراك بالمنطقة الوسطى أكبر بقليل من قريتي زينون، لكنها تشترك معها في الكثير من الخصائص.
بسطاء يعيشون بين مبانٍ دافئة ومألوفة. أصوات ضحكات هادئة ومريحة. مشاهد هادئة وريفية.
وبما أنها بلدة تخلو من النبلاء باستثناء اللورد، فالجميع يعيشون براحة واطمئنان.
“إنها رائعة حقاً…”
“بالتأكيد…”
لم يتعرف علينا أحد وسط تنكر السيد جيمس وارتدائنا لملابس العامة.
يا لها من حرية حقيقية نفتقدها منذ مدة.
سأل أبي بعض المارة وتوجه بخطواته نحو الأزقة الخلفية في قلب الشارع التجاري.
وهناك، كانت توجد أكبر صالة قمار في فالتيراك.
“واو، هذا ليس مكاناً مناسباً لإحضار طفلة إليه حقاً.”
رغم أن صالة القمار كانت تعمل بشكل قانوني، إلا أن أجواءها المحيطة بدت مظلمة ومخيفة كما هو معتاد في مثل هذه الأماكن.
أشخاص شاحبو الوجوه يدخنون السجائر بشراهة.
آخرون يبكون بحرقة ويتمسكون بأطراف ثياب الحراس عند المدخل…
“لقد جننتُ بحق.”
وقف أبي على مسافة بعيدة يراقب المشهد، ثم رمقني بنظرة مستسلمة وأطلق تنهيدة عميقة:
“أنا مجنون حقاً. جنون مطبق.”
تمتم بذلك ولامس جبهتي بخفة بإصبعه.
‘أه؟’
شعرت بعدها بانتعاش بارد يشبه تناول حلوى النعناع.
لقد كان سحراً خفياً من نوع ما.
“ما هذا؟”
“حتى لا تتأذى ابنتنا بدخان السجائر الكريه. لقد حرصت على ألا تشمي رائحته ولا تؤذيكِ أبداً.”
“آه، شكراً لكَ.”
أمسك أبي بيدي وتقدمنا نحو مدخل صالة القمار.
كان حارسان ضخمان يقفان عند المدخل.
وفي تلك اللحظة، راودني تساؤل مفاجئ:
‘مم، ألم يكن أبي بطلاً ذكياً، شديد الملاحظة ويملك مهارات عالية، فلماذا استغرق ثلاثة أشهر كاملة لإقناع جوزيف؟’
أكان جوزيف بهذه القسوة والصلابة في الرفض؟
……وسرعان ما عرفت الإجابة بنفسي.
“وجهك مألوف. أأنت زائر جديد؟ رسوم الدخول عملة ذهبية واحدة. ستتلقى تذكرة الدخول حين تدخل للداخل.”
أمام كلام الحارس، هز أبي رأسه بهدوء:
“لم آتِ للعب القمار، بل للبحث عن شخص ما. هل يمكنك التحقق إن كان المدعو جوزيف لوتمان متواجداً بين النزلاء هنا؟”
فتحت فمي مذهولةً من سذاجة وثقة أبي في سؤاله المباشر.
تبادل الحارسان نظرات حائرة، وكأنهما يقولان: “ما هذا الأحمق؟”.
***
وطبعاً، تم طردنا فوراً.
جلس أبي بعيداً يحك رأسه بخيبة أمل.
فجلست جواره متأملةً إياه بنظرات تشمّت وإحباط صامت.
‘الآن أدركت تماماً سبب استغراقه كل تلك المدة لإقناع جوزيف.’
أبي الطيب الذي لم يطأ مكاناً كهذا طوال حياته…
ولا يعلم شيئاً عن الألعاب ذات الطابع الاحتيالي ومثل هذه الأماكن…
في الرواية الأصلية، لابد أنه واجه صعوبة بالغة لمجرد رؤية وجه جوزيف الذي يعيش في صالة القمار 24 ساعة في اليوم طوال أيام السنة.
“لا مفر إذن. سأضطر لـ…”
“انتظر، انتظر.”
أمسكت بأبي لأمنعه.
“أترغب في فك التنكر؟ وتقول له: أنا الدوق، لذا افتح الباب لألتقي بصديقي؟”
“هذا ما يجب فعله. فلا سبيل للدخول دونه.”
“أف، ألم تدرك لِمَ تنكرتَ بهيئة السيد جيمس في البداية من الأساس؟”
توقف أبي عن الحركة وجلس متردداً:
“صحيح. مم، ذلك الصديق… أعتقد أنه، كيف أقول… إن عرف حقيقتي، فلن يتقبلني ولن يشعر بالارتياح في الحديث معي.”
“ألم تكن تقول إنه صديقكَ منذ قليل؟”
“كذب. في الواقع ليس صديقي. بل شخص أرغب في صداقته.”
“فهمت.”
“على أي حال، يجب أن أدخل بطريقة طبيعية قدر الإمكان…”
“للاندماج؟”
“نعم.”
“إذن لا تقل إنك دوق. يا أبي، أنت ساذجٌ بعض الشيء.”
“لكن لا توجد طريقة أخرى.”
“يا أبي، أبواب صالة القمار… تفتح دائماً لمن يرغب في القمار.”
جلست بوضعية القرفصاء ورفعت سبابتي أحركها بذكاء نحو أبي.
“كم تملك من المال؟ أرني.”
“المال؟”
فتح أبي كيس النقود المرتبط بحزامه ليظهر بداخله.
نحو عشرين قطعة ذهبية.
وبما أنه لم ينوِ القمار، فلم يحمل مبالغ ضخمة.
“أبي.”
رفعت حاجبي بمكر نحو أبي الذي كان يميل رأسه حيرة.
“أتجيد لعب البوكر قليلاً؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.