الفصل 51
تلك العملات الفضيات الأربع لم تكن سوى المصروف الذي يتلقاه تشيشير مرة كل أسبوع، والذي دأب على جمعه بانتظام.
أكان ذلك في اليوم الرابع على قدومه لهذا المنزل؟
تذكر تشيشير ذلك اليوم الذي حصل فيه على مصروفه للمرة الأولى.
***
“أبي، مصروف الجيب! أعطنا إياه، فتشيشير يعيش في منزلنا الآن، لذا يجب أن يحصلَ على مصروفٍ أيضاً!”
بخلاف بقية فتيات النبلاء، اعتادت ليليث أخذ مصروفٍ شخصيّ من والدها وتصرفه كيفما شاءت.
لم يكن تشيشير يفهم سبب ذلك في البداية…
لكنه أدرك لاحقاً أن ذلك مجرد عادة قديمة اعتادت عليها منذ أيام عيشهما في القرية الريفية.
“أه، المصروف. يجب أن أعطي المصروف طبعاً. لكن يا أميرتي، في السابق كان أبوكِ فقيراً لدرجة تعجزه عن شراء هدية عيد ميلاد لكِ، ولم أكن أعطيكِ سوى قطعةٍ نحاسية واحدة في الأسبوع…”
لم يكن إينوك راغباً في ذلك بالطبع.
“أما الآن فالمال وفير في منزل والدكِ، لذا لا داعي لأخذ المصروف. إن احتجتِ لأي شيء فأخبريني، وإن طرأت حاجة ماسة للمال فحدثي العم الخادم. وأنتَ أيضاً يا تشيشير.”
“لا، بل أعطني المصروف. أريد الاستمرار في أخذ المصروف من أبي.”
“لماذا؟”
“أف، يا أبي. فكر في الأمر. أنا ما زلت صغيرَة، وإن امتلكت كل ما أرغب به وصرفت المال ببذخ هكذا منذ الآن، ألن أعتاد على سوء الطباع؟ أليس كذلك؟”
“ما الذي تتفوهين به؟ ألم تقولي إنك جئتِ إلى العاصمة لتعيشي كأميرة؟ ألا يجب أن تمتلكي كل ما ترغبين به وتصرفي المال ببذخ؟”
“لا، لا، أبداً. سأعتاد على الطباع السيئة.”
“إذن، يا أميرتي؟ سلوك أميرتنا سأتكفل به أنا وأهتم به بنفسي…”
“هاااه، يا سيد جيمس، أريد أخذ المصروف وانتهى الأمر. أعطني المصروف! المصروف!”
رغم عجز إينوك عن تفهم إصرار ليليث العجيب، وافق في النهاية على منحها قطعةً فضية واحدة أسبوعياً كمصروف شخصي.
وحين خرج مع ليليث من غرفة إينوك وبحوزته تلك الفضية، أدرك تشيشير الحقيقة.
‘بسببي إذن.’
كانت دوافع ليليث وراء ابتسامتها واضحة وبسيطة تماماً.
فلم يكن تشيشير سوى شخص يعيش متطفلاً في هذا المنزل. وكيف له أن يجرؤ على طلب المال؟
طبعاً، أخبره إينوك أن يطلب ما يحتاجه دون تردد في أي وقت…
لكن الحرج كان سيد الموقف بالطبع. فمن المستحيل أن يطلب المال هكذا بلسانه.
‘مم، فضية واحدة في الأسبوع تكفي على ما أظن؟’
ومنذ ذلك اليوم، كانت ليليث تأخذ تشيشير معها مُرغماً نحو غرفة إينوك في يوم المصروف.
وهكذا تجمع لديه أربعة قطعٍ فضية.
ما يعادل 40 ألف تير.
***
أعاد تشيشير الفضيات الأربع إلى كيسها وبدأ يفكر بعمق.
أربعون ألف تير.
مبلغ يكفي تماماً لشراء دمية أو ما شابه مما قد يعجب ليليث من متجر التحف.
لكن.
‘تمتلك الكثير من الدمى بالفعل.’
تذكر تشيشير السرير وغرفة المعيشة وطاولة التزيين في غرفة ليليث الممتلئة بالدمى بمختلف أنواعها وأشكالها، فهز رأسه رافضاً.
عيد الميلاد…
بما أنها هدية تخلد مناسبة خاصة، فقد رغب في منحها شيئاً ترغب فيه حقاً.
‘الأميرة لارا…’
كانت مجموعة الأميرة لارا الشهيرة تحظى بشعبية طاغية في شتى أنحاء الإمبراطورية، وكانت أسعارها باهظة نوعاً ما.
فالفستان والتاج أعدهما التوأمان، أما الحذاء فكان بحوزة ليليث مسبقاً بعد أن حصل عليه إينوك خلال مهرجان يوم الطفل.
وما بقي هو.
‘…عصا سحرية؟ أم أنَّ شيئاً مشابهًا موجود بحوزتها؟’
قطب تشيشير جبينه وهو يستحضر صورة الأميرة لارا في كتاب القصص ثم أطلق تنهيدة قصيرة.
وفي النهاية، نهض واقفاً.
“لأخرج وأتفقد الأمر بنفسي أولاً.”
***
بالطبع، لم تكن المتاجر الفاخرة في الحي التجاري المخصص للنبلاء في متناول يده إطلاقاً.
لذا انتهى به المطاف في حي العامة.
وبعد خروجه من عشرين متجراً للتحف واللوازم المختلفة، أصبح في يد تشيشير.
“هاه.”
محفظة نقود وردية مزينة برأس أرنب صغير.
كلفته هذه المحفظة وحدها عشرة آلاف تير.
“لماذا هي باهظة هكذا؟ رغم أن كل المجوهرات عليها مزيفة وليست حقيقية.”
أما عصا الأميرة لارا السحرية، فتتطلب دفع سبع فضيات حتى في أرخص المتاجر المتواضعة.
وفي النهاية، بدت محفظة النقود المصنوعة على شكل أرنب والتي تنازل واشتراها متواضعة للغاية.
『”طلبت من ورشة الخياطة تطريزه بآلاف الأحجار الكريمة.”』
『”وصنعنا التاج خصيصاً أيضاً، طلبنا تصنيع واحد فريد يضم 200 ماسة و5 ياقوتات فاخرة.”』
حين تذكر الهدايا الفاخرة والباذخة التي أعدها التوأمان، شعر بقبضة في قلبه.
مهما حاول، ستبدو هدية محفظة النقود بسعر الفضية الواحدة مثيرة للخجل مقارنة بهدايا النبلاء في عيد ميلاد طفلة أرستقراطية.
‘هل أبحث عن عمل يكسبني مالاً إضافياً؟ لابد أن هناك مكاناً يوفر أجراً يومياً.’
وبينما كان يتلفت بحيرة، وقعت عيناه على كشك صغير متواضع.
متجر متواضع أقام منضدة صغيرة لعرض بضائعه أمام محله.
كانت عصا الأميرة لارا السحرية والسيف السحري للبطل لويس (بطل قصة <مغامرات الأميرة لارا>) معلقين على الواجهة.
وأسفلهما، تكدست صناديق سحب البيض المفاجئ بشكل عشوائي، وكان واضحاً أنها وسيلة رخيصة لاستنزاف مصروف أطفال الشوارع.
احتمالية الحصول على عصا الأميرة السحرية وسط ذلك الكم الهائل من الصناديق البلاستيكية كانت شبه منعدمة.
فالنصف سيكون خائباً بلا شك، والنصف الآخر مجرد خردة رخيصة وعديمة الفائدة…
‘لكن لا مانع من التجربة.’
ما تبقى لديه هو ثلاث فضيات.
ثلاثون ألف تير.
مبلغ يكفي للمحاولة ستين مرة على الأقل.
“أترغب في تجربة السحب؟”
خرج صاحب المتجر وسأله بابتسامة.
“آه، نعم.”
وضع تشيشير فضية واحدة بملامح حازمة وصارمة فوق المنضدة.
***
بعد عودة إينوك.
كان أكسيون ليبر، الذي استعاد منصبه كنائبٍ لقائد الفرسان المقدسين، يقوم بدوريته الاعتيادية في حي العامة.
رغم انتهاء المهرجان والقبض على تجار البشر الذين أرعبوا العاصمة، إلا أن شعوره بالاطمئنان لم يكن كاملاً بعد.
وكان المكان الذي عثر فيه أكسيون على تشيشير هو أمام أحد المتاجر المتواضعة.
‘أليس هذا هو الطفل الذي أخبرني إينوك أنه تولي رعايته؟’
رأى أكسيون تشيشير للمرة الأولى خلال فترة المهرجان.
وعلم لاحقاً من إينوك أن لديه قصة دفعت لتولّي رعايته…
فكّر حينها أن تربية طفلة واحدة كافية لتكون شاقة، فما بالك بإضافة متاعب أخرى؟
لكن تصرفات إينوك الغريبة لم تكن وليدة اليوم ولا الأمس.
وقف أكسيون بعيداً يراقب تشيشير بصمت.
“يا الهي، خائبة مجدداً؟”
“……”
“يا بني، لقد تبقت لكَ محاولة أخيرة.”
ابتسم صاحب المتجر بأسف.
أومأ تشيشير برأسه وسحق البيضة البلاستيكية بملامح جادة.
أخرج الورقة الصغيرة الموجودة داخل البيض المقسوم نصفين، وقرأها ثم أسقطها على المنضدة بلا مبالاة.
“خائبة مجدداً. ما رأيكَ يا بني؟”
استدار تشيشير مبتعداً دون أي تردد أو تذمر.
ثم توقف فجأة.
حين لمح أكسيون الواقف في الخلف، اتسعت عيناه بصدمة خفيفة.
“…مرحباً.”
“يا الهي، أيها الفارس المقدس! ما الذي أتى بك إلى هذا المكان البائس؟! لتكن بركات بريميرا معك!”
ارتبك صاحب المتجر بشدة.
سأله أكسيون بحدة:
“ما الذي كنت تفعله هنا؟ تجول طفل بمفرده في هذه الأماكن لا يزال أمراً خطيراً بعض الشيء.”
“أنا بخير تماماً. شكراً لقلقكَ.”
“انتظر.”
أمسك أكسيون بذراع تشيشير الذي كان يهمُّ بالمغادرة.
وبقي اثناهما يتبادلان النظرات بصمت.
‘لماذا أوقفته بحق الخالق؟’
لم يكن أكسيون يملك إجابة واضحة لنفسه، فقد شعر بحيرة حقيقية.
أو ربما…
كان يعلم السبب تماماً.
أشار أكسيون بذقنه نحو الألعاب المعروضة على المنضدة.
“أترغب في إحداها؟ أرفض إينوك شراءها لك؟”
“كلا. ليس الأمر هكذا.”
“كلا وحسب؟ ربما رغبتَ في الحصول عليها لكنكَ تخشى طلبها منه؟”
أومأ أكسيون برأسه لنفسه.
فإينوك يفتقر تماماً لحس اللباقة. فبينما يشتري هدايا لابنته، كيف يغفل عن هذا الصبي؟
“تعال إلى هنا.”
“عفواً؟”
سحب أكسيون تشيشير خلفه بقوة وأعاده إلى أمام المنضدة.
كان هناك سيف لعبة بلاستيكي يستهوي الأولاد عادة.
“أترغب في هذا؟ إنه سيف البطل لويس… أو أياً يكن.”
“إنه <السيف السحري للبطل لويس>، أيها الفارس المقدس!”
“أجل، هذا. أهو ما تريد؟”
حين سأله، هز تشيشير رأسه نافياً.
“إذن ما الأمر؟ ما الذي جعلكَ تكرر المحاولة طوال هذا الوقت… وأنفقت كل هذا المال هنا؟”
أشار أكسيون نحو قشور البيض البلاستيكي المتناثرة بغزارة على الأرض.
وبعد تردد بسيط وشيء من الحرج، قال تشيشير:
“…عصا الأميرة لارا.”
“……؟”
تصلب أكسيون لثوان قبل أن يلقي نظرة على <عصا الأميرة لارا> المقصودة.
عصا بلاستيكية وردية اللون ومزينة بأحجار مزيفة براقة.
‘ما هذا الذوق المريب لهذا الفتى…؟’
بدا أن ميوله واهتماماته لا تشبه أبناء جنسه من الأولاد العاديين.
“أـ، ألم يكن السيف بل العصا السحرية؟ لا عجب أن الحظ خذله وأنفق 30 ألف تير هنا دون نتيجة.”
ابتسم صاحب المتجر بحرج وأسف:
“كنت أشعر بالأسف تجاهه لتكرار خيبات الأمل، يا بني.”
“لا بأس، سأرحل الآن.”
“انتظر.”
أمسك أكسيون ياقة تشيشير من الخلف.
وأخرج قطعة ذهبية من جيبه ورمى بها فوق المنضدة بكل ثقة.
“مـ، مـا هذا؟!”
اتسعت عينا صاحب المتجر بذهول.
وصدم تشيشير بدوره.
“حتى تخرج.”
ألقى أكسيون بإحدى بيضات السحب نحو تشيشير بلامبالاة.
“افتحها.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.