مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 49نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 49

أعدت نظري للأمام وأمسكت باللجام محاولةً جزّ أسناني والانسجام مع إيقاع زيفير.

“هاه. أوف.”

لكن الأمر لم يكن سهلاً. فالسرعة تعادل سرعة عربة، لكن الراحة معدومة تماماً.

أدى اهتزاز جسدي العنيف صعوداً وهبوطاً وتشويش رؤيتي إلى إثارة غثياني.

“زيفـ، زيفير… أنا، أكـ… أكاد أموت…”

توسّلتُ بصوت يشبه همهمة النمل، لكن يبدو أن زيفير فهم قصدي.

فخفض سرعته فجأة وكأنه يضغط على المكابح.

‘أه, أيمكن أن يكون هذا هو التواصل الحقيقي؟’

كدت أبكي مجدداً. التقطت أنفاسي بصعوبة وفتحت عيني على وسعهما.

“عذراً يا زيفير. لم أكن أعلم أنك ترغب في الركض بهذه السرعة. كان يتوجب عليّ التدرب، التدريب أكثر…”

يا له من منظر مخزٍ لشخص يعجز حتى عن التمسك باللجام جيداً.

ألم أكن مالكاً مخزياً للغاية بالنسبة لحصان أصيل وعظيم مثل زيفير!

“أنا آسفة…”

شعرت بالأسف حقاً لأنني أدركت أنه كان يكبح سرعته من أجلي، رغم قدرته على العدو بشكل أسرع بكثير.

وبينما كنا نركض في المسار المستقيم لفترة، مر حصان بجانبنا بسرعة خاطفة.

كانا والتر وتشيشير!

رمقني تشيشير بنظرة مليئة بالقلق قبل أن يبتعد بخطواته.

“أحسنتَ يا والتر! فز يا تشيشير! يمكنكَ فعلها!”

وما إن انتهيت من تشجيعه المتهور حتى بدأت المرحلة الثانية (المسار B).

وأمام حَكَمين اثنين، ظهرت الحواجز الحمراء بوضوح.

“أوك! واااه!”

اجتاز زيفير الحواجز برشاقة ونظافة تامة.

كان المفترض أن نتعثر في بعضها، أو نسقطها، أو نتلقى خصماً في النقاط.

‘حسناً. أنا من لم أتدرب، أما زيفير فالمسار مألوف لديه حتى الإماتة.’

سأشعر بإحراج شديد لو حققت أي مركز متقدم. فلم أقدم أي جهد يُذكر.

فالركض كان مهمة زيفير، وبقائي آمنة على ظهره كان بفضل السحر المثبت على السرج فحسب.

“أنتَ بارع حقاً!”

لم يكن هناك أي تردُّد في حركة زيفير وهو يتجاوز الحواجز المرصوصة بتبادل اليمين واليسار.

كمية التدريبات القاسية التي تلقاها جعلت اجتياز كل عجز أمراً مطبوعاً في ذاكرته الجسدية.

‘الأمر محزن بعض الشيء…’

وما إن خطر برأسي هذا الخاطر حتى انتهت الحواجز.

المرحلة التالية كانت أطول مسار، وهو مسار منحني يتطلب صعود تلة صغيرة ثم النزول منها.

ومع الارتفاع التدريجي للمستوى، ظهرت بحيرة مخفية بين التلال. وكان سطح الماء يتلألأ ببريق ساحر تحت أشعة شمس الصباح.

“واااو.”

أطلقت صرخة انبهار.

لكن الاستمتاع بالمشهد الخلاب لم يستمر طويلاً.

على وقع حوافر خيلٍ مقتربة، التفتّ للخلف لأرى ديمون يلحق بي ملتصقاً بظهري مباشرة.

“اركض بسرعة! زد سرعتك!”

كان ديمون يصرخ بحنق على حصانه.

رغم بذله لقصارى جهده على ما يبدو، كان أبطأ بكثير من زيفير الذي كان يتحرك باسترخاء من أجلي فقط.

“أيها الاحمق! أترغب في الخسارة أمام ذلك الأعرج أيضاً؟ ماذا تفعل بهذه السرعة في مسار يخلو من الحواجز!”

“ماذا قلت؟”

استمعوا لكلمات هذا الوغد.

التفتُّ حولنا.

ولم يكن هناك أحد يراقبنا، لتبدو اللحظة مثالية لارتكاب جريمة كاملة.

“حالتكَ مزرية! ألم تكن تتفاخر بكرامة النبلاء وما شابه، فإذا بك لا تطلق سوى القمامة من فمكَ حين تشتد الأمور؟”

“……؟”

اتسعت عينا ديمون اللذي كان يجري بمحاذاتي.

ثم استدار نحوي بتعبير يكاد يرفض تصديق أذنيه.

“ها! إلام تنظر أيها الوغد سيئ الأخلاق!”

“مـ، ماذا قلتِ للتو…؟”

“عبقري الفروسية مجرد هراء! لا تملك حتى ذرة مهارة، وفُزت العام الماضي بفضل مساعدة زيفير وحده، أليس كذلك؟ والآن وقد فقدت زيفير، هل أنت خائفٌ إلى هذا الحد؟ والمركز الأول أصبح ضربًا من المحال، أليس كذلك؟”

رحت أحرك ذقني بسخرية مستفزة لأُغيظه. فاحمر وجهه غضباً وحنقاً.

“أـ، أترغبين في الموت؟! أيتها القزمة اللعينة!”

“أجل، ماذا ستفعل~؟ تتخلف عن شخص يمتطي الخيل لأول مرة~؟”

“اصمتي! أقول اصمتي!”

“أجل، لن أصمت~؟”

انتعش صدري رؤية وجه ديمون الذي اشتعل غضباً واحمرّ تماماً.

وبينما كنا نركض بمحاذاة بعضنا، اتسعت الفجوة بيننا بسرعة.

“أآآآك!”

سمعت صرخة غضب ديمون الصادرة من الخلف.

“اركض! أيها الغبي! اركض! قلت اركض!”

صهيل!

ترددت أصوات صهيل الخيل مصحوبة بضربات قوية. استعاد حصانه سرعته المندفعة ولحق بي مجدداً.

“سترين، لن أترككِ!”

ما الأمر؟ بدا ديمون غاضباً لدرجة فقدان صوابه وسيطرته.

اقترب مني بمسافة قريبة، ومد يده في الهواء لعدة مرات قبل أن يمسك بفخذي بقوة وعنف.

وفي تلك اللحظة.

تطايرت شراراتٌ وشعرت بشيء غير طبيعي.

‘تباً.’

أدركتُ الحقيقة فوراً.

لقد ألغى ديمون سحر الحماية ضد السقوط الذي كان يثبتني على السرج.

وفي نفس اللحظة، تحررت مؤخرتي الملتصقة بالسرج لترتفع للأعلى، وأصبحت ركبتاي مرتخيتين.

“كيااااا!”

وبعد أن اطمأننت تماماً لعدم إمكانية السقوط مهما حدث، أطلقتُ صرخة فزع مدوية.

فوجئ زيفير بدوره وخفض سرعته فجأة. لكن التوقف المفاجئ أعطى نتيجة عكسية، إذ اندفع جسدي للأمام وانزلقت قدماي تماماً.

“آه، أيااا!”

فقدت السيطرة على اللجام وحلق جسدي في الهواء بفعل الاندفاع.

‘أهذا حقيقي…؟’

وفي تلك اللحظة، تباطأت الرؤية وكأنها تصوير بطيء.

سماء مبهرة.

بحيرة متلألئة.

طبيعة خضراء على التلال.

ارتطام―!

“أووه.”

سقطت مستندةً على ذراعي اليمنى ودرت عدة دورات على الأرض.

خدشت بعض الصخور الحادة وجنتي بخفة.

“آه، آه.”

أطلق جسدي صرخاتِ ألم متفرقة، لكني لم أفقد وعيي تماماً.

حرَّكتُ أطرافي فوراً للتأكد، وبدا أن عظامي سلمت من الكسر.

“يا له من… وغد سيء الأخلاق فعلاً…”

أمسكت بذراعي اليمنى التي تتألم بشدة ورمقت حصان ديمون المبتعد وزيفير بذهول.

مهما بلغ غضبه، كيف يجرؤ على ارتكاب مخالفة سافرة هكذا؟

بل اترك المخالفة جانباً.

فهذا تصرف يستوجب الاستبعاد المباشر وربما يشعل صراعاً محتدماً بين العائلات.

“أيها الوغد… لقد انتهى أمر الفوز بالنسبة لي الآن…”

نهضت بتثاقل.

كان عليّ العودة من حيث أتيت وإبلاغ الحكام بما جرى.

صهيل.

حينها، سمعت صوت حوافر تقترب فالتفتُّ للوراء―

“زـ، زيفير؟”

―كان زيفير قد عاد.

‘أحقاً يمكن أن يحدث هذا؟’

أيمكن لحصان سباق لا ينظر سوى للأمام أن يتوقف بمفرده حين يغيب صاحبه ويعود أدراجَه مقترباً؟

عالم الفروسية غريب ومربك…

“زيفير، كيف عدت أصلاً؟ يالك من حصان وفيّ ورائع.”

قلت ذلك وأنا أربت على زيفير.

“فلنرجع ونخبر الحكام بأن ديمون ارتكب مخالفة. إنه غبي حقاً، لماذا يرتكب فعلاً مكشوفاً لهذه الدرجة؟”

لم أستطع تفهم الأمر حقاً.

“كنا الوحيدين اللذين دخلا المسار C معاً، وقد ألغي السحر عن سرجي، وأنا لا أستطيع استخدام السحر بعد لأفكه بنفسي. لذا، حتى وإن لم يره أحد…”

وبينما كنت أثرثر بالحديث، شعرتُ برقبتي تُجذب بقوة للخلف.

“أه؟”

كان زيفير يعض طوق قميصي من الخلف.

وكأنه يتحدث بعينيه:

[لنستمر في الركض.]

―هكذا.

“أـ، أأنت جاد؟ لا أستطيع…”

فقدت القدرة على إعادة تفعيل سحر منع السقوط.

ولمتابعة الركض، كان عليّ الاعتماد كلياً على قوتي الجسدية وحدها.

“لا، هذا مخيف. أنا لا أستطيع…”

حين هززت رأسي نفياً، التقت عيناي الزرقاوان بعيني زيفير مباشرة.

وفي لحظة قصيرة، قرأت نظراته.

رغبته الجارفة في الركض.

إرادته الصارمة في الفوز.

ظننت أنه كَره الركض بسبب التدريبات القاسية والانتهاكات الطويلة…

‘لكنك لست كذلك. أنت ترغب في الركض حقاً.’

على عكسي، الفاقدة لأي روحٍ تنافسية.

“…حـ، حسناً.”

لنحاول إذن. مهما كان المآل.

أخذت نفساً عميقاً، وصعدت على ظهر زيفير الذي أنحنى قليلاً لتسهيل صعودي.

“لن أفلتكَ أبداً. وعليك… ألا تدعني أقع، أليس كذلك؟”

صهيل،

[ثقي بي.]

شعرت أنّ صهيل الحصان يعبر عن ذلك.

“لننطلق إذن!”

استأنف زيفير ركضه مجدداً.

كان السحر المنزوع عن السرج يجعل جلوسي محفوفاً بالمخاطر، فاضطررت لبذل كل طاقةٍ في فخذي، على عكس المرة السابقة.

‘واو، أهذه هي الفروسية الحقيقية حقاً؟’

شعور باليقظة والانعتاق.

يشبه تماماً ذلك الشعور حين تمكنتُ من ركوب الدراجة للمرة الأولى في حياتي.

‘لو استمررت بالاعتماد على السحر، لما تطورت مهاراتي أبداً!’

وهكذا تعلمت أثناء الركض.

كيف أتناغم مع أنفاس الحصان.

وكيف أترك جسدي مسترخياً دون إجهاد زائد.

“…ما الذي تفعله بحق الخالق !”

دخلنا المسار D حيث تبدأ الحواجز مجدداً، ولمحت ديمون هناك.

ولسبب ما، كان حصان ديمون متوقفاً أمام الحاجز وينفخ بغضب واهتياج.

‘صحيح، بامتلاك مالك مثله، يحق لحصانه أن يُضرب عن العمل.’

أطلقت نقرة خفيفة بلساني.

“أه؟”

حينها، توقف زيفير المندفع بسلاسة بجانب ديمون واتخذ وضعية أنيقة وساكنة.

‘لماذا توقف؟’

فكرت قليلاً قبل أن أدرك السبب.

‘آه، أأنت تريد مني استفزازه مرة أخرى؟’

ابتسمت بخفة، ومددت ذقني نحو ديمون وقلتُ بصوت عالٍ:

“أين عبقري الفروسية إذن~؟ أتعجز عن الفوز حتى باستخدام المخالفات~؟”

“أـ، أأأأنتِ!”

وما إن انتهيت من كلامي حتى انطلق زيفير مجدداً لاجتياز الحاجز بثقة.

آه، هذا هو التواصل والتناغم الحقيقي.

كم كان شعوراً مذهلاً.

“كياهاها! زيفير، أنتَ الأفضل!”

اجتزنا مسار الحواجز بسلاسة تامة لننطلق نحو المسار المستقيم الأخير.

هذه اللحظة من السرعة الفائقة.

الهواء المنعش الذي يملأ رئتي حتى العمق.

‘هل أنا عبقرية فروسية حقيقية؟’

لم أعد أشعر بأي ألم في جسدي المتأثر بالسقوط.

ولاحظت خط النهاية من بعيد محاطاً بالحشود الغفيرة التي تملأ منصة الاحتفال.

خط النهاية…

‘هـ، ها؟ خط النهاية؟’

رغم تقدم تشيشير بفارق هائل، إلا أن شريط خط النهاية الأحمر لم يكن قد قُطع بعد.

‘أين تشيشير؟ آه، هناك!’

ظهروا بعد قليل.

كان والتر متوقفاً ويدور نحونا، وما إن تلاقت نظراتي بنظرات تشيشير حتى ابتسم لي بخفة.

وسط حالة الارتباك والذهول.

استمر زيفير في الركض بكلِّ طاقته،

“واااااه!”

عبرنا خط النهاية هكذا تماماً.

وانفجرت هتافات الجماهير العارمة كالرعد.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.