الفصل 48
يا له من شعور غامر ومؤثر.
شعرت بوخز خفيف في مقلتيّ.
وأمام عجزي عن إغلاق فمي مبهورة، ابتسم تشيشير بخفة حين رمق تعابير وجهي.
“زيفير…”
تحقق تشيشير من اللجام وبحذر ومن السرج بدقة تامة، ثم بدأ يقود زيفير ببطء.
“تمسكي جيداً. ببطء. لا تنحني، واجعلي جسدك مستقيماً.”
“أ، لن أقع، أليس كذلك؟”
“لا تقلقي. سأكون بجانبكِ.”
“حسناً.”
على عكس مخاوفى، كان الأمر يسيراً.
وكحصان أصيل يستحق اسمه، سار زيفير بخطوات بطيئة ومستقرة تماماً متناغمةٍ مع أنفاسي.
“آه. ياله من شعور مؤثر.”
امتزجت دموعي المتأثرة بصوت أنفي المختنق بينما أتحسس عُرف زيفير الناعم.
“زيفـ، زيفير… شكراً جزيلاً لكَ على السماح لي بركوبكَ…”
حين رآني أبكي لتوي، ضحك تشيشير بصوت عالٍ وهو يمشي ببطء بجانبي.
“…مبارك لكِ.”
“نعم!”
***
تولى زيفير حمل ليليث والتجول بها في ساحة الفروسية لمدة نصف يوم تقريباً.
كان أداء ليليث في الركوب متواضعاً للغاية.
فجسدها الصغير جعل الحفاظ على التوازن أمراً صعباً حتى عند محاولة زيادة السرعة قليلاً.
ونتيجة لذلك، اضطر زيفير للتحرك بحذر شديد وببطء لئلا تقع ليليث عن ظهره.
[أتنازلت عن غروركَ أخيراً؟]
سخر والتر من جانبه.
[أستشاركَ في مسابقة الغد؟]
[……]
[كن إنسانياً، لا، كحصان، أجبني أيها الوغد!]
تجاهل زيفير والتر الذي كان ينفخ بأنفه غضباً وإزعاجاً.
المسابقة، هه…
『”زيفير، أيمكنكَ مرافقتي غداً؟ لا أقصد الذهاب للتنافس مع الخيول الأخرى، بل… لنذهب هناك لنستمتع بمشاهدة الزهور والتنزه قليلاً، ما رأيك؟”』
ابتسمت ليليث بخجل وبقيت في الإسطبل لوقت طويل قبل أن تغادر.
ورغم محاولته إخفاء الأمر، تذكر زيفير وجه ليليث المفعم بالحماس والبهجة وابتسم بخفة.
[…ما بك؟ ما هذه الأصوات الغريبة التي تصدرها؟ ألعلك تبتسم الآن؟]
[اصمت.]
وحلّ الظلام على الإسطبل بهدوء.
***
وفي اليوم التالي، يوم مسابقة الفروسية.
اكتظت تلال زارت الواقعة في ضواحي العاصمة، حيث تقام الفعاليات، بالمتنافسين والمتفرجين منذ ساعات الصباح الأولى.
لم يتجاوز عدد المشاركين سبعة أشخاص، بما فيهم أنا.
يقال إن المشاركة تكون منخفضة في الفعاليات التي تُحسم نتائجها مسبقاً، نظراً لسعي الجميع المحموم خلف الجوائز.
‘لا أصدق أن أطفالاً بهذه القلة تجرؤوا على الحضور خوفاً من ديمون مارتيني.’
ألقيت نظرة فاحصة على منطقة الانتظار.
رأيت أطفال النبلاء وهم يتفقدون خيولهم برفقة مدربيهم، والصحفيين المتجمعين بدفاترهم لتسجيل أحدث الأخبار.
“أنا قلق على ابنتي حقاً…”
جلس أبي مطأطئاً أمامي وركّب لي خوذة الفروسية وأحكم ربط الحزام أسفل ذقني بقلق بالغ.
ألقيت نظرة حذرة حولنا وهمست:
“أبي، ما داعي لكل هذا القلق؟ بفضل سحر منع السقوط، سألتصق بالسرج ولن أقع أبداً.”
“مع ذلك…”
“ألم تقل إن كل ما نقوم به هنا ينتهي فوراً في الصحف؟ إن رآك الصحفيون وأنت تبالغ هكذا، ستظهر عناوين تسخر من هوس دوق روبنشتاين بابنته. هيا اذهب، أرجوك.”
ألم يشعر بكل هذه النظرات المركزة علينا؟
آباء وأمهات بقية الأطفال ينتظرون في منصة التتويج خلف خط النهاية، بينما بقي أبي هنا يثير كل هذه الضجة.
“لقد امتطيتِ زيفير للمرة الأولى بالأمس فقط.”
“نعم، وتدربت لحوالي خمس ساعات.”
“بالضبط. خمس ساعات فقط. ألا تريدين مني أن أقلق إذن؟”
“أبي، عذراً، لكن ليس لديّ أي نية للفوز أصلاً. لم أتدرب على مسار الحواجز حتى. كل ما أنويه هو القيام بنزهة هادئة ومريحة بين المناظر الطبيعية برفقة زيفير فحسب.”
عانقتُ زيفير المتألق بوقار ومرغت خدي بعُرفه الناعم.
كان زيفير هادئاً ووديعاً للغاية، وهو ما دفعني لمداعبته وتقبيله مراراً وتكراراً من شدة الإعجاب.
“ألهذه الدرجة يُعجبك؟”
“نعم، كثيراً. أرأيتَ حصاناً أجمل من زيفير يا أبي؟”
“لم أرى، لم أرى قط.”
ابتسم أبي بيأس لعجزه عن مجاراتي.
وفي تلك اللحظة.
“أه، تشيشيـ… واو؟”
دخل تشيشير إلى منطقة الانتظار مرتدياً زي الفروسية.
“يا له من فتى وسيم حقاً.”
“حـ، حقاً.”
تحت خوذة الفروسية السوداء، برز وجهه الوسيم بملامحه الباردة والمميزة، وتناغم مع ساقيه الرشيقتين حذائه الأسود اللامع.
حتى حصانه الأسود الفاخر، والتر، الذي رافقه بمهابة وهيبة، جذب أنظار الجميع إليه فور ظهوره.
‘حـ، حسبنا. لقد أدركت أنكَ البطل، لذا تكفينا هذه الإطلالة… ارحم الإضافيين قليلاً!’
اضطررت لرفع يدي وحجب الضوء عيني وكأن هالة من النور الساطع تنبعث منه.
سواء أبي أو تشيشير، فحين يظهران هكذا يبدو الأمر وكأن كل منهما يصرخ بأعلى صوته: “انظروا إلي أيها الإضافيون الحقراء! أنا بطل القصة هنا!”
“…أمتأكدة أنكِ بخير حقاً؟ ألم أقترح عليكِ التدرب على مسار الحواجز على الأقل؟”
بمجرد وصوله، أبدى تشيشير قلقه نحوي.
“لا داعي لذلك. خمس ساعات من التدرب على المشي البطيء بالأمس كانت متعبة للغاية. لقد وعدت زيفير ألا نخوض أي سباقات، وقد بذل جهده وتدرب معي بما فيه الكفاية. وإن ظهرت حواجز فلن نتخطاها بل سندور حولها فحسب. فلتفز بالبطولة أنت.”
رغم نجاحي في امتطاء زيفير، ظلت خطتي القائمة على الاستمتاع بالمشاهدة قائمة كما هي.
وفي تلك اللحظة.
“أه، ها قد حضر.”
“وأخيراً وصل المرشح الأبرز للفوز.”
تجمهر الصحفيون وعلت نظراتهم حماسةٌ بالغة.
كان ديمون مارتيني.
وصل مرتدياً أرقى أزياء الفروسية يقود حصانًا بنيّا بدا عليه الاهتمام الفائق.
وما إن رآني ديمون المتبختر حتى تجمد في مكانه بدهشة تامة.
وبالأحرى، حين وقع بصره على زيفير الواقف إلى جانبي.
“زـ، زـ، زيفير؟”
ولم يلبث أن لمح تشيشير ووالتر بحضورهما الطاغي حتى احمر وجهه غضباً وحنقاً.
‘عذراً، فالأضواء ليست مخصصة لكَ.’
أمام بطل تحظى حتى أنفاسه بالاهتمام، لا مكان لظهور شرير ثانوي متغطرس.
ابتسمتُ بسخرية.
“مرحباً بك يا صاحب السمو دوق روبنشتاين. سعادتي لا توصف بلقياك. أنا ديمون مارتيني، الابن الثالث لعائلة الكونت مارتيني.”
توجه ديمون نحو أبي أولاً لتحيته رغم صعوبة التحكم بتعابير وجهه.
“أهلاً بك يا سيد مارتيني. أتمنى لك منافسة موفقة.”
“نعم، نعم…”
بلع ديمون لعابه بصعوبة، ثم ألقى نظرة خاطفة نحوي أنا وزيفير.
“تفاجأت لرؤية اسم الآنسة في قائمة المشاركين… يبدو أنكِ أحضرتِ حصاناً جميلاً؟”
“مرحباً بكَ سيد مارتيني! اسم هذا الحصان هو زيفير.”
رفعت صوتي عمداً.
وفي الوقت ذاته، رفع الصحفيون دفاترهم دون تردٍ.
‘كنت أنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر أيها الوغد سيء الأخلاق.’
حين دخلت منطقة الانتظار للتو، تعجب الصحفيون الذين تعرفوا على زيفير فوراً.
ولا شك في أن فضولهم دفعهم للتساءل عن سبب وجود حصان المرشح الأبرز للفوز، ديمون، بين يدي ابنة دوق روبنشتاين.
“كان زيفير مصاباً، لكن قصته حزينة جداً لدرجة جعلتني أرغب باصطحابه. أتدري؟ لقد باعه مالكه السابق لإسطبل الخيول فور إصابته!”
“يا إلهي!”
“واو، أهكذا كان الأمر…”
“يالها من صدمة.”
تحركت أقلام الصحفيين بسرعة فائقة لالتقاط السبق الصحفي.
رفعت صوتي كمن يقف على منصة إلقاء خطابات:
“لا أعلم من يكون المالك السابق، لكن ألا يعتبر إنساناً شريراً بحق؟ يقال إن الحصان المصاب بساقه يرسل إلى المسلخ، وبدا أنه كان يعلم بذلك وتخلص منه عمداً! كيف يتخلى المرء عن صديقه هكذا…”
أطبقت شفتي بوجه يوشك على البكاء واحتضنت رقبة زيفير بحنان.
وضع الصحفيون أيديهم على أفواههم بصدمة وهم يخطون الكلمات على أوراقهم بلا توقف.
“مـ، مـ، ماذا يكتب هؤلاء المجانين؟”
أصبح وجه ديمون شاحباً كالملابس المغسولة.
‘يا إلهي.’
رغم أنني بدأت القصة بنصف تمثيل، إلا أنني حين عانقت زيفير شعرت بمرارة حقيقية تخنق صدري.
وكأنه أدرك حقيقة الموقف، حدق زيفير بديمون بنظرات ثابتة ومباشرة.
“إذن، لـ، لنخض منافسة ممتعة!”
استدار ديمون وفر هارباً من أمامنا وكأنه يهرب من كابوس مرعب.
***
“يجب أن تكوني حذرة يا ابنتي! زيفير، احرص على ألا تصاب أميرتنا بأذى، أسمعتني؟ انتبه جيداً.”
ورغم تكراري لطلبي بالتوقف عن القلق، استمر أبي في إبداء مخاوفه حتى قبيل انطلاق السباق بثلاثين دقيقة قبل أن يتوجه نحو منصة المشاهدة مجدداً.
ومع انتهاء السباق، لا شك في أن الصحف ستكتظ بعناوين مثل: <دوق روبنشتاين، لم يعد أباً حنوناً فحسب بل أصبح مجنوناً بابنته؟!>.
“يا زيفير، لنقم بنزهة هادئة ومريحة. لنستمتع بالمناظر المحيطة… آه! يذكرون أن مسار C يمر ببحيرة جميلة، وإن شعرنا بالعطش فنستطيع التوقف والشرب هناك!”
ألقيت نظرة أخيرة على الخريطة التي توضح المسارات من A إلى E، ثم صعدت على ظهر زيفير بثقة.
وبطبيعة الحال، لم تكن هناك أي حاجة لحفظ المسار بالنسبة لي، إذ لم أتلق سوى تدريب بسيط داخل إسطبل منزلنا.
فقد انتشرت أخلاق ديمون على نطاق واسع، والفوز سيكون من نصيب تشيشير، لذا فقد انتهت مهمتي هنا.
“نرجو من المشاركين التقدم والوقوف أمام خط الانطلاق. يتواجد الحكام عند نقاط بداية كل مسار، لذا في حال حدوث أي طارئ كالانسحاب فيمكنكم طلب المساعدة. انطلقوا فور سماع دوي المدفع!”
اصطفت الخيول السبعة بانتظام عند خط البداية.
ألصقتُ نظرة سريعة على وجهي تشيشير وديمون. وعلى عكس وجه ديمون المشتعل بالحقد والشر، بدا تشيشير هادئاً كالعادة ومتحرراً من أي توتر.
‘ههه، سيكون عرضاً مشوقاً.’
قريباً، سأستمتع بسماع جملة الشرير الاعتيادية: ‘أرغ! كيف تجرأتَ على هزيمتي!’.
دووومـ!
دوى صوت المدفع معلناً بداية السباق،
“……؟”
وأنا.
“أيييه، كياااااااعع!”
أطلقت صرخة فزع مدوية من سرعة زيفير الذي انطلق كالصاروخ فور سماع الإشارة وكأنه كان بانتظارها.
“أوك! واااااع!”
من شدة المفاجأة، أفلتَ اللجام من يدي تماماً.
لولا وجود سحر منع السقوط المثبت على السرج، لكنت تدحرجت واقعة على الأرض منذ اللحظة الأولى.
“وا، آآه، أياااااااااه!”
التفَّ العالم حولي بسبب قوة الرياح التي جعلت فتح عيني أمراً شبه مستحيل.
وببذل آخر قطرة طاقة متبقية، تمكنت من مد يدي والإمساك باللجام المفقود بصعوبة بالغة.
‘مـ، ما هذا بحق! ما هذا! ماذا يحدث هنا!’
أهذه مسابقة فروسية خاطئة؟
ألم تكن مسابقة فروسية هادئة تعتمد على الانسجام والتواصل التدريجي بين الحصان والراكب؟
أهذا مضمار سباق خيول حقيقي؟
من ذا الذي وضع رهانه على زيفير وابنة دوق روبنشتاين؟
‘ما الذي يحدث بحق؟ ألم نتفق على القيام بنزهة هادئة يا زيفير؟’
يبدو أنني كنت الوحيدة التي تفكر في ذلك.
فرغم كل شيء، انطلق زيفير بسرعة مذهلة خارجة عن نطاق السيطرة.
تطايرت المناظر الطبيعية حولي بسرعة خاطفة.
تجاهلت شعوري بالغثيان والتفت للوراء بسرعة.
حسب تقديراتي، لم تمر ثلاث دقائق على انطلاقنا.
لكن بقية الخيول لم تكن في أي مكان مرئي على الإطلاق…
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.