مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 46نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 46

***

في اليوم التالي.

كنتُ أقرأ رد ريكو الذي أرسله مع جيتي.

[لقظ تحسنت حالة الشخص الذي كان بحاجة للدواء كثيراً في الوقت الحالي.

وحين أخبرته بأمر الآنسة، قال إنه يتوق لرؤيتكِ شخصياً ولو لمرة واحدة.

شكراً لكِ.]

“هيهي.”

رغم أنني سألته فقط للاطمئنان على حالة أخته، إلا أنني لم أتوقع حقاً أن يجيبني…

ربما يمتلك ريكو جانباً دافئاً ولطيفاً أكثر مما توقعت؟

[أما عن ‘جوزيف لوتمان’ الذي سألت عنه الآنسة، فهو يتواجد حالياً في مقاطعة فالتيراك بالوسط.

لقد فقد عائلته بالكامل قبل عامين وغادر العاصمة ليختفي عن الأنظار، وهو يعيش الآن فاقداً لنصف عقله تقريباً.

ستتمكنين من لقائه إن توجهتِ إلى صالة القمار في شوارع فالتيراك، فهو يقضي وقته هناك كل يوم.

وبما أنه أصبح شخصاً مهجوراً، فستحتاجين لبذل بعض الجهد لإعادته بشراً صحيحاً إن كنتِ ترغبين في استخدامه.]

ما أثار دهشتي حقاً هو حقيقة أن ريكو أخبرني بمكان تواجد جوزيف لوتمان ببساطة ودون تردد.

ألم تكن قاعدة المعلومات تعتمد أساساً على مبدأ “خذ واعط”؟

[مبدأنا الأساسي يقتضي دفع ثمن المعلومات مسبقاً، لكن بما أن الآنسة ضيفة مميزة، فسنعتبره ديناً مؤجلاً.]

شعرت بتأثر طفيف. كدتُ أبكي حقاً.

[إن كنتِ تنوين ايصال المعلومات لوالدك، فيرجى الاعتماد على جيتي.

أرجو لكِ تحقيق نتائج رائعة في مسابقة الفروسية.

وأهنّئكِ مسبقًا بعيد ميلادك.]

بعد الانتهاء من قراءة الرد، طلبت من جيتي قطع الجزء الممتد من ‘مسابقة الفروسية’ وحتى ‘أهنّئكِ مسبقًا’ وإخفائه.

كان ينبغي حرق الورقة لتدمير الأدلة، لكني شعرت بالأسف على ذلك الجزء تحديداً، فقررت الاحتفاظ به لنفسي.

“ماذا يجب أن أكتب للدوق، يا آنسة؟”

أحرقت جيتي رد ريكو، ثم أخرجت ورقةً جديدة وبسطتها أمامي.

بدأت أُملي على جيتي التي كانت تستعد للكتابة:

“أيها الدوق إينوك روبنشتاين، استمع جيداً!”

“…عـ-عفواً؟”

تشتت يد جيتي قليلاً، ثم أطلقت ضحكة متوترة:

“أـ، أليس هذا وقحاً بعض الشيء؟”

“لا بأس بذلك.”

“أوف، حسناً.”

أعادت جيتي الإمساك بالقلم.

كان كل فرد من أعضاء نقابة <النسر الأحمر> يتميز بمهارة فريدة، وكانت موهبة جيتي في تقليد خطوط الكتابة المتنوعة مفيدة للغاية.

“واو! إنه مثالي!”

وبعد قليل، نظرت برضا وسعادة إلى الرسالة المكتملة التي تبدو تماماً كبيان ثوريّ مليء بالغرور والأُهبة.

“همم…”

حدقت جيتي في الرسالة مطولاً قبل أن تطويها وتضعها في الظرف، ثم رمقتني بنظرات مليئة بالفضول والتساؤل.

“أنا… يا آنسة، أيمكنني سؤالكِ سؤالاً واحداً؟”

ترددت أمام نظرات جيتي المفعمة بالفضول.

‘همم. بعد قراءة محتوى الرسالة، من الطبيعي أن تتولد لديها تساؤلات.’

بدت وكأنها تعيش حالة من الحماس والإثارة والترقب معاً.

“من أنتِ بحق يا آنسة؟ هل أنتِ في حياتك الثانية مثلاً؟ إن لم يكن الأمر سحراً خارقاً كهذا، فلا يمكن أبداً… لا، الأهم من ذلك. هل رسالة اليوم تعني ما أعتقده؟ إذن، هل أنتِ حقاً…”

“أختي.”

“نعم، يا آنسة.”

ولأن محتوى الرسالة نال إعجابها على ما يبدو، لمعت عينا جيتي كخادم وفيّ بانتظار إجابتي.

تحدثتُ بتعبير جاد وصارم:

“<النسر الأحمر>، القاعدة رقم واحد.”

فتحت جيتي فمها بذهول، ثم سرعان ما أطلقت ضحكة واهنة وانسدلت كتفاها بيأس.

“من يرغب في معرفة معلومات عليه تقديم معلومات مكافئة لها… نعم… وأين لي بمعلومات تكفي لأكتشف حقيقة الآنسة. حسناً، فهمت. لن أتساءل بعد الآن.”

“هيهي.”

***

ميدان التدريب، دوقية روبنشتاين.

جلس إينوك يراقب كتيبة الجنود وهم يتدربون بشرود، وكان عقله غارقاً في الأفكار.

『”أنا أكتفي بوجود أبي فقط.”』

『”دعنا نعيش سعيديْن معا نحن الاثنين فحسب.”』

كانت ليليث تتمتع بذكاء ونضج يفوق سنها بكثير. ومن المرجح أنها نطقت بتلك الكلمات فقط لتخفف قلق أبيها.

حتى الآن، كان يظن أن غياب الأم أمر يمكن تجاوزه طالما أن الأب يقوم بدوره على أكمل وجه…

‘بالتأكيد هناك أمور يعجز الأب عن تقديمها. وستظهر أمور أخرى مع نموها. وخاصة أنها فتاة.’

إن كان ابناً لكان الأمر مختلفاً، لكنها فتاة. وبعد لقائه بسيلينا، أدرك إينوك مدى عمق غياب الأم بشكل جعل المسألة تبدو خطيرة ومهمة بالنسبة له.

“هاه.”

جلس إينوك على الأرض وأطلق تنهيدة عميقة، ثم لاحظ شيئاً بجانبه فجأة.

كان تشيشير في استراحة من التدريب.

“……”

بدا تشيشير بوجه منزعج لسبب ما. كان يحرك لسانه داخل فمه باستمرار حتى انتفخت وجنته بشكل ملحوظ.

“ما الأمر؟ أتشعر بالمرض؟”

“لا.”

أجاب تشيشير باختصار وأدخل يده فجأة في فمه. بدا وكأنه يتحسس مكان ضرسه أو ما شابهـ―

“اه، اه! ماذا تفعل بحق…!”

―ثم خلعه ببساطة.

اتسعت عينا إينوك من صدمة المنظر.

مضغ تشيشير فمه بضع مرات، ثم بصق الدماء وضرساً صغيراً على الأرض.

“……”

ثم التقط قطعة قماش قريبة ووضعها في فمه دون اهتمام، يبدو أنه أراد إيقاف النزيف.

راقب إينوك المشهد بذهول تام وفاهه مفتوح، ثم أدرك الأمر متأخراً.

“آه.”

“……”

“ألم تُبدل أسنانك اللبنية كلها بعد؟”

يبدو أن السن كان يهتزّ فخلعه بنفسه.

دون أن يشعر حتى بالخوف.

‘انـ، انتظر. حتى ابنتي…’

في تلك اللحظة، استرجع الأب العازب إينوك روبنشتاين لحظات التأثر الساحرة حين ظهرت سنابل أسنان ابنته السفلية لأول مرة بشكل لطيف.

كم كان الأمر لطيفًا وجميلاً حتى كادت دموعه تنهمر…

بينما كان زوج الجيران سوزان وجو يضحكان على الأب الشاب ويقولان إنه سيجمع كل أسنان ابنته الساقطة لاحقاً لتصرفاته المبالغ فيها.

‘ابنتي ستفقد أسنانها اللبنية قريباً أيضاً!’

“أنت، أنت يا تشيشير. هل كنتَ تخلع أسنانك بنفسك هكذا طوال الوقت؟”

“نعم.”

“ألا تخاف؟”

“…ما المخيف في ذلك؟”

“يا فتى، كم أنت شجاع… لا، الأهم من ذلك.”

تحرك إينوك بعجلة وأمسك بذقن تشيشير ليتفقد داخل فمه.

“متى بدأتَ تفقد أسنانك لأول مرة؟ وكم سناً سقطت حتى الآن؟”

“……”

فكر تشيشير قليلاً قبل أن يجيب:

“سقطت أول سنّ سفلية حين كنت في السادسة من عمري. أما الآن فقد سقطت تقريباً كلها عدا الأسنان الخلفية.”

“أـ، أهكذا حقاً؟”

السادسة من عمره؟

أمسك إينوك رأسه المشوش بذهول.

***

فووش.

تقلّبت صفحات الكتب بسرعة.

عاد إينوك إلى مكتبه ليجد أن كتب تربية الأطفال أصبحت كومة هائلة فوق مكتبه.

!معلومات تربوية!

الأعمار الطبيعية لسقوط الأسنان اللبنية

-عادة يبدأ سقوط الأسنان اللبنية في سن 6 إلى 7 سنوات وتبدأ الأسنان الدائمة بالظهور.

-تتساقط جميع الأسنان اللبنية عادة في عمر 12 سنة.

أكدت الكتب العشرة التي تصفَّحها نفس الحقيقة. شعر إينوك باليأس المطلق.

وبما أنه كان يغسل أسنان ابنته بنفسه كلما أتيحت له الفرصة حتى بعد قدومه للعاصمة، كان إينوك على دراية تامة بحالة أسنان ليليث أكثر من أي شخص آخر.

ولم تكن هناك أي مؤشرات على تساقط أسنان ليليث، بل إن بعض أسنانها اللبنية لم تظهر أساساً…

‘ابنتي تبلغ السابعة من عمرها بالفعل…’

كانت طفلته تعاني من بطء ملحوظ ومقلق في النمو. وحتى نطقها تأخر كثيراً.

ورغم اطمئنانه لاحقاً بعد أن أصبحت تتباهى بمفردات لغوية وافرة ووضوح مخارج حروف تفوَّق على أقرانها في مرحلة ما…

“بطيء جداً.”

كان عليه الاعتراف بالحقيقة. فحتى لو أخذنا الفروق الفردية بين الأطفال بعين الاعتبار، كانت حالة نمو ليليث متأخرة بوضوح.

ما السبب في ذلك؟

هناك أسباب لا تحصى تخطر بباله.

فهو بالطبع لم يتمكن من إرضاعها طبيعياً، ولم تتناول طعام الأطفال المهروس حتى تجاوزت شهرها الخامس…

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد.

رغم محاولته توفير وجبات غنية ومتنوعة قدر الإمكان مؤخراً، إلا أن فترة عيشهم في زينون كانت تفتقر لأبسط مقومات التغذية الجيدة مقارنة باليوم.

بانغ.

اجتاحته موجة ثقيلة من تأنيب الضمير فضربَ جبهته بسطح المكتب.

“أنا غبي حقاً…”

وفي وقت كان يشعر فيه بالقلق المستمر تجاه المستقبل وما يفتقده بسبب غياب الأم…

شعر إينوك بمرارة شديدة لإدراكه أنه لم يكن أباً مثالياً أو جيداً بما يكفي حتى الآن.

“بالتأكيد تأخرتُ في تقديم وجبات الأطفال…”

رفع رأسه الذي غرسه في المكتب وأطلق تنهيدة عميقة اهتزت لها الأرض، لتصدم بصره…

“…أه، أفزعتَني.”

وجد الخادم ريم يقف أمامه مباشرة.

“يا ريم، ألا تملك عادةَ إصدار بعض الأصوات عند اقترابك؟”

“حوالي عشر مرات؟ طرقت الباب بقوة تكفي لتحطيمه، يا سيدي الشاب.”

ابتسم ريم بابتسامة هادئة وأضاف:

“وحتى لو تسللتُ بخفة وظللت خفياً، فالمفترض بشخص في مكانتك أن يشعر باقتراب الآخرين بسهولة، لكن يبدو أن عقلك كان شارداً في عالم آخر تماماً.”

وبابتسامة مرسومة، التقط ريم كتب تربية الأطفال التي كان إينوك يقرؤها ولوّح بها في الهواء:

<كيف تربي طفلكَ بذكاء>

“أيها السيد الشاب، قد يبدو لك كلامي تدخلاً فيما لا يعنيني بصفتي خادماً…”

“إذن لا تتحدث.”

“…لكنكَ لست بحاجة لقضاء وقتك في قراءة كتب تربية الأطفال بعد الآن. فهذا القصر يكتظ بالخادمات المتخصصات اللاتي يعتنين بالآنسة بكل تفانٍ وإخلاص.”

“……”

“عليكَ التركيز على واجباتك الأساسية كسيدٍ لهذا المنزل.”

بانغ.

أنزل ريم حزمة من الملفات والرسائل على زاوية المكتب وأضاف:

“هناك الكثير لتنجزه. ألا تعلم أن 24 ساعة لا تكفي شخصاً في مكانتكَ لإنجاز مهامه.”

“يكفي يا ريم.”

مرر إينوك يده على شعره بتعب.

“أنت أب أيضاً يا ريم. ألا تفهمني؟ هل يشعر الأب بالراحة حين يترك أبناءه لأيدي الآخرين؟”

“بصفتكَ سيد هذا القصر قبل أن أكون أبا، عليك ترك الآنسة لنا والانشغال بعملك، بعملك حصراً.”

“أنا لا أهمل واجبي…”

“يجب عليك إنجاز هذه الملفات قبل نهاية اليوم. ولا تنسَ مراجعة البريد المتراكم. حظًّا موفقًا.”

تحدث ريم ببرود وقسوة، ثم حمل كتب تربية الأطفال وانصرف بخطوات سريعة.

وبقي إينوك وحيداً يتأمل كومة العمل الضخمة ويمسح خده بوهن وضعف.

“ليس لدي وقت حتى لأقضيه مع ابنتي، فلماذا أقرأ هذه الكتب أصلاً…”

وهو يتنهد ويقلب بعض الأوراق، توقف فجأة.

تطايرت كومة الأوراق وسقطت، ليظهر من بينها مظروف رسالة بارز.

كان ختم الشمع الأحمر الذي يحمل الحرف (L) بوضوح مألوفاً للغاية لديه.

‘هذا…!’

حين كان يبحث عن تشيشير، كان هو نفس الشخص الذي أرسل له معلومات عن مكانه.

إنه ذلك الحرف (L).

فتح إينوك الرسالة على عجالة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.