مساحة للحكاية، ووقت لك← My Daddy Hides His Power
الفصل 44نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 44

‘أأنت تمنحني هذا الفضل لكوني لم أمتط ِحصاناً قط؟’

بدا الأمر كذلك حقاً.

وما إن احتضنني جدي بذراعيه حتى بدأ يتجول بحصانه في ساحة الإسطبل المجاورة.

“و، واو.”

دورة، دورتان… لعله كان يمنحني الوقت لأعتاد على الأمر باعتباري أركب للمرة الأولى، فزاد سرعته تدريجياً.

‘لا أشعر بأي ألم في المؤخرة! ولا أهتز بقوة أيضاً!’

أخبرني تشيشير سابقاً أن ركوب الخيل يسبب ألماً شديداً في المؤخرة.

ولكن لسبب ما، شعرتُ وكأنني أجلس على مرتبة وثيرة ناعمة دون اهتزازات مزعجة.

‘ألست بارعة في هذا الأمر أكثر مما توقعت؟’

“وضعت سحراً مؤقتاً على السرج لتسهيل ركوبك. وحين تركبين وحدك لاحقاً، سيكون عليكِ الاعتياد على الإرهاق الجسدي الناتج عن الوضعية.”

…آه، هكذا إذن.

وكأنه تنبأ بما كانت تفكر فيه حفيدته التي كانت تمني نفسها بوهم عبقرية الفروسية الخارقة، حطمني جدي ببرود.

“فهمت إذاً. شكراً لكَ يا جدي، هيهي…”

انتعش قلبي. كان ركوب الخيل ممتعاً للغاية أكثر مما توقعت.

وبعد جولة طويلة في الساحة، استدار جدي باللجام متجهاً نحو خلف القصر.

كانت خلفية القصر متصلة بجبل منخفض. وما إن دخل الحصان في مسار التنزه ذي الانحدار الخفيف حتى بدأ يتسارع قليلاً.

“هوااااه.”

ومع نسمات الفجر المنعشة، وارتفاع الارتفاع، ظهر منظر القصر البديع بوضوح.

نبض قلبي بشدة وبسعادة.

“جـ، جدي! يمكنني رؤية القرية بأكملها من هنا!”

وفي الأفق الذي أصبح مرتفعاً فجأة، ظهرت العاصمة بأكملها واضحةً للعيان.

القصر الإمبراطور الشامخ بترفٍ في المنتصف.

المعبد الأبيض المقدس والمهيب.

منازل النبلاء المصنوعة كتحف فنية، وحتى المناطق التجارية حيث تلتصق المباني ببعضها…

“إنه جميل جداً!”

توقف جدي ليمنحني الفرصة للاستمتاع بذلك المنظر الخلاب.

وبعد أن بقيت هكذا لفترة أستنشق الهواء المنعش، سألت:

“جدي، ألم تكن ستعود برفقة أبي غداً؟”

“حفلة العشاء للنبلاء كانت بالأمس. أما يوم العودة الرسمي فهو اليوم. ولكن ما فائدة بقائي هناك حتى اليوم؟”

أطلق جدي نقرة بلسانه وأضاف:

“لا يوجد ما هو أسوأ من الاضطرار لرؤية وجه ابني البائس الذي لطالما جلب لي الهم لأكثر من نصف يوم. لذا عدتُ فوراً.”

“هكذا إذن.”

التفت للوراء لأرمق جدي وأنا أبتسم بخفة.

رغم قسوة كلامه، كانت ملامحه تنضح بعاطفة عميقة لا يمكن إخفاؤها.

“لماذا تبتسمين؟”

“يبدو وجهكَ سعيداً يا جدي. وهذا يسعدني أيضاً.”

“يبدو سعيداً؟”

“نعم. لكنكَ مسرور بعودة أبي، أليس كذلك؟ لقد كنت تشتاق إليه طوال تلك المدة.”

“……”

“كان يقول دائماً إنه يعتذر لأنه غادر دون وداع… ويشعر بالأسى لأنكَ شعرتَ بقلق بالغ.”

تذكرت الكلمات التي تلفظ بها أبي حين تذكر جدي يوماً عندما سألته: “أليس لديكَ أب أنت أيضاً؟”

“أنا أشعر بالحزن حتى لو ابتعدت عن أبي قليلاً فقط… لكن أبي افترق عنكَ لفترة طويلة… لذا فكرت أنه لابد أنه كان حزيناً، ومشتاقاً، ومتألماً للغاية…”

رفعت بصري مجدداً لأنظر إلى جدي.

“ولهذا السبب، أصررت على أبي لنعود إلى العاصمة. رغم أنني أدرك سبب محاولته الاختفاء طوال تلك المدة… لكن المجيء إلى العاصمة سيمكننا من رؤية جدي وعمتي أيضاً…”

“أهكذا إذن.”

ابتسم جدي بخفة ومسح على شعري.

“أعلم أن السبب في هذا الفراق الطويل بينك وبين أبي هو أنا. لذا أنا آسفة…”

“أصبحت كلمة ‘آسفة’ محفورة على لسانكِ. والدكِ هو من ارتكب الحماقة، فلماذا تعتذرين أنتِ في كل مرة؟”

“لكنه بسببي أنا بالذات… ومغادرة أبي لهذا المكان، و… و… الآن عودته مجدداً إلى ساحات المعركة بسببي أيضاً.”

خفضت نظري. وشعرت بتجهم ملامح جدي.

“أبي بالتأكيد يكره خوض الحروب السيئة التي تؤذي شعوب الدول الأخرى… لكنه سيضطر لفعل ذلك من أجلي، أليس كذلك؟”

“يا حفيدتي، ليليث.”

“جدي، أنا بخير حقاً. لذا أرجوك، أخبر أبي ألَّا يخوض حروباً سيئة. أتعلم؟”

حدق بي جدي مطولاً بنظرات غامضة يصعب سبر أغوارها قبل أن يطلق تنهيدة طويلة.

“قد يكون هذا كلاماً صعباً لفتاة في سنكِ، لكن الحياة لا تسير وفق أهوائنا دائماً. فما إن نكسب شيئاً حتى نخسر آخر، وحين نرغب في حماية شيءٍ ما فعلينا التخلي عن آخر.”

“……”

“والدكِ لم يتوانَ يوماً عن التخلي أو الخسارة. حين كان صغيراً، حاول الذهاب للإمبراطور ليطلب منه المطالبة بإلغاء النظام الطبقي، ومنعتُه أنا مرات عديدة.”

كان ذلك يشبهه تماماً. ابتسمت رغم عبوسي.

“لكنه استسلم في النهاية وكبح غضبه وعاش بالطريقة التي أريدها. بسببـي. لأنه كان يرى أن طاعة والده هي واجبه الأبدي.”

“……”

“وهذا لن يختلف هذه المرة أيضاً. في لحظة الاختيار، يتخلى ذلك الغبي دائماً عن معتقداته. تحمّل العيش من أجلي أنا أبوه، والآن، من أجل ابنته… سيختار الخيار الذي يضمن لكِ السعادة الأكبر.”

كان جدي يعلم أيضاً.

لكي أعيش كفتاة نبيلة عادية لا كجندية…

فإن أبي سيحمل السيف ويقبل بخوض صراع يتعارض مع قناعاته التامة.

“يؤسفني حقاً أن أجعل طفلة تعيش في عالم كهذا. ويؤسفني أكثر أنني لا أستطيع تلبية طلبكِ.”

وضع جدي يده على رأسي وأضاف:

“أنا أيضاً، إن كان عليّ رؤيتكِ تجتازين خطوط الموت كل يوم… فلن أحتمل رؤية ذلك المنظار مطلقاً. ووالدكِ يشعر بما هو أشد من ذلك بكثير.”

“……”

“ولا يسعنا سوى الأمل بيوم يتغير فيه هذا العالم أخيراً.”

التزم جدي الصمت بعد تلك الكلمات.

كانت رياح الفجر أبرد بكثير مما كانت عليه قبل قليل.

***

القصر الإمبراطوري لإمبراطورية بافيليون.

وقف إينوك بوجه مهيب وصامت، مستغرقاً في تأمل القاعة الكبرى المزخرفة.

نهاية الممر المفروش بالسجاد الأحمر القاني.

العرش الذهبي المبهر.

وعلى ذلك العرش المطلق، جلس الإمبراطور الشاب وبصحة جيدة، وكأن سنواتٍ سبعٍ لم تمر قط.

بدأ إينوك بالمشي ببطء نحو العرش.

في يوم عودته الهادئ والمخطط له وفق رغبته، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الوثائق والوجوه المألوفة.

الإمبراطور، نيكولاس فون بافيليون.

والفرسان المقدسون أمامه.

وقف إينوك في المنتصف، ورفع بصره نحو الإمبراطور.

“شمس بافيليون، أحييك يا صاحب الجلالة بريميرا العظيم، أنا تابعك إينوك روبنشتاين.”

“لقد عدتَ أخيراً. سيف الإمبراطور العظيم، وتابعي المخلص.”

نزل الإمبراطور عن عرشه بابتسامة دافئة على وجهه الجميل.

“لا يمكنني وصف مدى سعادتي لرؤية تابعي الذي أنهى ترحاله الطويل وعاد ليكرس نفسه للإمبراطورية.”

“أعتذر عن إثارة قلقك.”

“ولماذا أعاتب تابعي المخلص على أخطاء الماضي؟ أرجو فقط أن تحمل سيفك مجدداً وفقاً لرغبتي، ولأجل واجب الفارس المقدس في جلب السلام.”

السلام.

ابتسم إينوك بسخرية وركع أمام الإمبراطور بخضوع.

“كل شيء وفقاً لرغبة بريميرا العظيم.”

***

غرفة الإمبراطور.

استدار الإمبراطور الذي كان واقفاً واضعاً يديه خلف ظهره يتأمل الخريطة على الجدار.

“لماذا لم تُحضر ابنتك معك؟ كنت أتطلع لرؤيتها اليوم.”

ظهرت تشققات طفيفة على وجه إينوك الجالس كتمثال حجري.

ابتسم الإمبراطور في داخله لهذا التغيير البسيط.

“بما أنها من دم روبنشتاين، فلا داعي لاختبار قدراتها. أنا مسرور جداً لزيادة عدد المواهب المستعدة لسفك دماؤها بسعادة من أجل الإمبراطورية.”

أطبق إينوك قبضتيه بشدة. كل ما فكر به الإمبراطور فور رؤيته هو تجنيد ابنته للحرب…

رغم قراءته لغضب إينوك خلف وجهه الجامد، اكتفى الإمبراطور بالابتسام.

“تعال إلى هنا.”

نهض إينوك ببطء واقترب من الإمبراطور ليتشارك معه نفس المشهد.

خريطة الإمبراطورية التي ابلعت القارة بأسرها.

رفع الإمبراطور الغطاء القماشي الذي كان يغطي شيئاً ما بجانبه.

“……!”

اتسعت عينا إينوك.

كانت لوحاتٍ لرفاقه الراحلين في السلاح.

“ألا تعرف الكثير من الوجوه المألوفة؟ كيف لي ألا أخلد ذكرى الأبطال الأجلاء الذين ضحوا بحياتهم من أجل الإمبراطورية.”

اجتاحت إينوك صدمة عميقة.

تلك اللحظات الكثيرة التي جمعته برفاقه وهو يلم جثثهم ويبكي، أولائك الذين تقاسم معهم الضحكات ذات يوم.

ذكريات مرعبة لم تبهت رغم مرور السنين.

“أنا حزين أيضاً. رغم أن الأمر من أجل سلامة الإمبراطورية، إلا أنني أدفع برجالي إلى جحيم الموت.”

“……”

“الحروب قاسية ومرعبة. وفي قلب الجحيم، لا يمكن لأحد ضمان نجاته.”

أصبحت أنفاس إينوك ثقيلة وهو يمر ببصره على لوحات رفاقه واحدة تلو الأخرى.

“رغم ذلك، من أجل هذا البلد وشعبي، فهذه معركة لا يمكننا التوقف عن خوضها.”

“يا جلالة الإمبراطور.”

“نعم يا إينوك.”

أجاب الإمبراطور بحنو.

“هل لديكَ ما تقوله؟”

كانت نبرة صوته تحمل حدة تكشف عن نواياه الخبيثة.

كان السبب وراء إيقاظ الإمبراطور لتلك الذكريات المؤلمة والمروعة في ذاكرة إينوك واضحاً وجلياً.

“أليس من المؤسف ترك ابنة صغيرة كالملاك ترعرع في سلام، دون أن تصاب بأذى؟”

“……”

“كيف لكَ أن ترسل ابنة كهذه إلى جحيم الحرب؟”

أغمق إينوك عينيه بهدوء.

راقبه الإمبراطور بصمت ثم وضع يده بحنو على كتفه.

“من أعماقي، أتمنى أن تنمو ابنتكَ في سلام تام. وأود منحها الاستثناءات بقوتي. لكنكَ تعلم.”

“……”

“أنت لست الأب الوحيد هنا. فعدد لا يحصى من الآباء في هذه الأرض سيشتكون من الظلم. فمن يرغب حقاً في إرسال ابنه إلى ساحة المعركة؟”

أبناء الإمبراطور لم يكونوا استثناءً.

وكذلك ليليث.

فهي من نسل روبنشتاين، وكلا والديها من أعلى رتبة.

وكشخصية قوية ومميزة دون الحاجة للاختبار، كانت ابنته ملزمة بواجب لا يمكنها الهروب منه.

“لكن أنتَ تمتلك القوة. القوة لحماية ابنتك. وقوة تتيح لك تحمل واجب ابنتك نيابة عنها، ودون أن يجرؤ أحد على الاعتراض.”

تغلغل صوت الإمبراطور الخبيث في أذن إينوك.

“منذ القدم، كانت هناك حروب لا تتوافق فيها رغبتي مع رغباتك.”

حروب الغزو الوحشية المجردة التي تهدف لتوسيع الأراضي وإشباع شهوات السيطرة البربرية.

“طالما كررتَ أن السيطرة على القارة لا مبرر لها، ولكن.”

“……”

“كل ما أفعله هو من أجل شعبي العزيز في هذه الإمبراطورية. سأجعل هذه الإمبراطورية أقوى ولن تجرؤ أي قوة على الاقتراب منها.”

“أتُحضّر لغزو جديد؟”

سأل إينوك بنبرة تخنق حلقه.

لقد توقع مسبقاً أي نوع من الطلبات سيطرحه الإمبراطور متخذاً ابنته ورقة تفاوض.

وقد عقد العزم على تسليم رقبته للإمبراطور ومنحه مقاده إن كان في ذلك سلامٌ لابنته.

ولكن، مع ذلك.

كان جرح لحظة إدارة الظهر لقناعاته ودفعها نحو الهاوية مؤلمًا بشكلٍ لا يطاق.

“أجل. رغم أنكَ كنت ثابتاً طوال حياتك، إلا أنني أتوقع إجابة مختلفة هذه المرة. تماماً كما تختلف الإمبراطورية اليوم عن ما كانت عليه قبل سبع سنوات…”

“……”

“لأنكَ تغيرت أنت أيضاً.”

همس الإمبراطور بابتسامة خبيثة في أذن إينوك.

“لأنك أصبحت أباً الآن.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.