الفصل 266: القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 6
266 – القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 6
القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 6
“…….”
باحَ بما في داخلِهِ بخجل، لكن لسببٍ ما لم يتلقَّ أيَّ ردّ.
التفتَ تشيشير خلسة، فرأى ليليث وقد احمرَّ وجهُها كالتّفّاحةِ النّاضجةِ وتلعثمت قائلة.
“لـ، لـ، لِمَ لم تقُلْ هذا من قبل….”
“هاه؟”
“أعني، أنا… بما أنّكَ لم تكن تريدُ حتّى تقبيلي، فكيفَ لي أن أعرفَ أنّكَ… ترغبُ في فـ، فعلِ ذلكَ إلى هذا الحدّ؟ معَ أنّني كنتُ مستعدّةً في أيِّ وقت….”
“…….”
عن أيِّ شيءٍ تتحدّثُ هذهِ الفتاة؟
شعرَ تشيشير بالذّهولِ لبرهة، لكنّهُ سرعانَ ما أدركَ أنّ ليليث لم تسمع كلامَهُ جيّدًا، فصحّحَ لها.
“الزّواج.”
“همم؟”
“أريدُ الزّواج. منكِ أنتِ.”
“…….”
عندها أطلقت ليليث شهقةً خافتة. “آه.” ثمّ سارعت إلى التّنحنحِ بحرج.
“احم! كحم! احم!”
شعرَ تشيشير بالإحراجِ هو الآخر، فحجبَ بصرَهُ عنها، لكنّهُ سرعانَ ما شعرَ بالارتياح.
‘حظر سيّدِ البرج….’
صحيحٌ أنّهُ ما زالَ عليهما إيصالُ هذا السّحرِ إلى أوسكار، لكنّهما تأكّدا من نجاحِهِ على الأقلّ. وإذن.
‘…يمكنُ فكُّه.’
وكذلكَ سينجحُ الزّواجُ تبعًا لذلك.
“تشيشير.”
نادتهُ ليليث فجأةً بنبرةٍ فظّة.
“إن نجحَ هذا السّحر، أسنفعلُها؟”
“…ما الّذي، سنفعله؟”
جفلَ تشيشير وارتبكَ تمامًا.
“ليسَ شيئًا غريبًا! بل ما يبدأُ بحرفِ القافِ وينتهي بتاءٍ! قُبلة! كفاكَ تهرّبًا ودعنا نقومُ بها لمرّةٍ واحدة، أرجوك!”
“آه، ذاك.”
حكَّ تشيشير خدَّه.
في الحقيقة، لقد نجحَ الأمرُ بالفعل.
تردّدَ تشيشير في الإجابة، ووقعت عيناهُ دونَ قصدٍ على الدّائرةِ السّحريّةِ الظّاهرةِ خلفَ ليليث.
كانت في حالةٍ متطابقةٍ تمامًا مع ما كانت عليهِ قبلَ إلقاءِ السّحر.
‘لكنّ الحظر لا بدّ أنّهُ فُعِّلَ الآن.’
لقد نجحت العودةُ بالزّمن. وإذن، فإنّ الوحشَ السّحريَّ الّذي كانَ الأضحيةَ يجبُ أن يكونَ الآنَ في الحالةِ ذاتِها الّتي يمرُّ بها أوسكار.
‘هل سيموتُ الكائنُ الخاضعُ للقيدِ موتًا فوريًّا حقًّا إن أدركَ شخصٌ وجودَه؟’
لم يسبق لتشيشير أن رأى بنفسِهِ شخصًا خالفَ الحظر، لذا كانَ يجدُ قلقَ ليليث وإينوك المفرطَ على سلامةِ أوسكار غريبًا في بعضِ الأحيان.
ما مدى رعبِ هذا الحظر لدرجةِ أن يهجرَ أوسكار ليليث الّتي أحبّها إلى هذا الحدّ….
ولماذا تصرُّ ليليث على إخفاءِ عودةِ أوسكار عن الجميعِ طوالَ أربعةِ أشهرٍ بكلِّ هذا الإصرار….
‘لقد مضت الدّقيقتان، وهي نقطةُ العودةِ بالزّمن.’
والوحشُ السّحريُّ ما زالَ في مكانِهِ كما هو.
وفوقَ ذلك، فإنّ ليليث هي الّتي أعدّت هذا السّحر، لذا فهي تدركُ بدقّةٍ سببَ وجودِ الوحشِ السّحريِّ هناكَ والغايةَ منه.
إذن، الآن.
‘بمجرّدِ أن ينصبَّ انتباهُ ليليث على الوحشِ السّحري، فسيموتُ نظريًّا في الحال.’
نظرَ تشيشير إلى ليليث، وقد تملّكهُ مزيجٌ من الخوفِ والفضولِ في آنٍ واحد.
“…….”
انحنى تشيشير بجذعِهِ فجأةً فاقتربَ وجهُهُ منها، فاتّسعت عينا ليليث المتفاجئة.
“أ، الآن؟”
ارتجفت شفتاها الصّغيرتانِ الحمراوان. فتردّدَ تشيشير وهو يراقبهما لبرهةٍ ثمّ قال:
“…فلنتأكّدْ أوّلًا ممّا إذا كانَ السّحرُ سينجح.”
“هاااه.”
أغلقت ليليث عينيها ببطءٍ وتنهّدت بخيبةِ أمل.
“أتظنُّ أنّني سأفشلُ يا هذا؟ حسنًا، أرِني ما عندَك!”
استدارت ليليث بكلِّ ثقةٍ وحماس.
وفي اللّحظةِ الّتي وقعَ فيها بصرُها على الدّائرةِ السّحريّة، وعلى الوحشِ السّحريِّ داخلَ القفصِ الموضوعِ في وسطِها.
“كـييييييك!”
تلوّى الوحشُ السّحريُّ الصّغيرُ وهو يتقيّأُ دمًا أحمرَ قانئًا.
“كياااك!”
وقبلَ أن تستوعبَ ليليث ما يحدث، سقطَ الوحشُ جثّةً هامدة.
“…….”
“…….”
سادَ صمتٌ مطبق.
وضعت ليليث يدَها على صدرِها وهي تلهثُ من شدّةِ الصّدمة، وسرعانَ ما استوعبتِ الأمر.
“آه، لقد….”
أدارت رأسَها نحو تشيشير وتمتمت.
“لقد نجحَ الأمرُ… بالفعل….”
أومأَ تشيشير برأسِهِ بصمتٍ من شدّةِ الصّدمة، واتّجهت نظراتُ الاثنينِ مجدّدًا نحو الوحشِ الميّت.
“الأمرُ… مرعبٌ للغاية، أليسَ كذلك؟”
“أجل.”
الآنَ وقد شهدا بأعينهما نهايةَ الأضحيةِ المحتومة.
لم يعد لدى أيٍّ منهما بالٌ للتّفكيرِ في قُبلةٍ أو غيرِها، ولا حتّى وقتٌ للابتهاجِ بنجاحِ السّحر.
“ليليث.”
أمسكَ تشيشير بكتفي ليليث بسرعةٍ ونظرَ في عينيها قائلًا:
“لا أظنُّ أنّ هذا أمرٌ يحتملُ التّأخير. فلننطلقْ الآنَ فورًا.”
***
في مطعمٍ راقٍ بالعاصمة.
كانَ إينوك المتأنّقُ بثيابٍ فاخرةٍ يُمسكُ بسكّينِ الطّعام، متباهيًا بوسامةٍ تجعلُ عُمْرَهُ يمرُّ دونَ أثر.
وراحَ بعضُ روّادِ المطعمِ يرمقونَ هيئتَهُ الشّبيهةَ بالتّمثالِ بنظراتٍ خاطفة.
“يا سيادةَ دوق روبنشتاين؟”
في تلكَ الأثناء، اقتربَ شخصٌ مألوفٌ كانَ يتناولُ طعامَهُ هناكَ وألقى التّحيّةَ على إينوك.
“أوه، يا سيّدَ البرج! من كانَ يظنُّ أنّني سأراكَ هنا؟”
كانَ إينوك يلتقي بهانز ويبر، زميلِ ليليث وسيّدِ برجِ السّحر، بينَ الحينِ والآخر، وكانت علاقتهما وديّةً للغاية.
“هذا مطعمٌ ذو أجواءٍ رومانسيّة، فمعَ مَن جئت؟ لا تقلْ لي… معَ حبيبتِك؟”
“هههه! كلا. لقد طلبَ أحدُ زملائي الباحثينَ مقابلتي، وبما أنّهُ شخصٌ أدينُ لهُ بالكثير، فقد أردتُ أن أُكرِمَهُ بوجبةٍ رائعة.”
أشارَ هانز نحو طاولةٍ لا يظهرُ من الجالسِ عندها سوى الجزءُ الخلفيُّ من رأسِه.
“إذن أراكَ لاحقًا. أتمنّى لكَ وجبةً شهيّةً يا سيادةَ الدّوق.”
“أجل، شكرًا، ولكَ أيضًا يا سيّدَ البرج.”
لوّحَ إينوك بابتسامةٍ لهانز المنصرف، لكنّ شفتيهِ سرعانَ ما تراجعتا عن الابتسام، ثمّ تنهّدَ وهو ينظرُ إلى الشّخصِ الجالسِ في الجهةِ المقابلة.
“ما خطبُك؟ لِمَ تتنهّدُ وأنتَ تنظرُ إلى وجهي هكذا بطريقةٍ تثيرُ الاستياء؟”
كانَ ذلكَ أكسيون بملامحَ عابسةٍ تمامًا.
مطعمٌ راقٍ استُدعِيَ إليهِ فجأة.
وأجواءٌ لا تلائمُ إطلاقًا جلوسَ رجلينِ معًا.
“أعني، لماذا تأتي إلى ‘مطعمٍ ذي أجواءٍ رومانسيّة’ معي أنا بدلًا من أن تأتيَ معَ امرأة؟ هاه؟”
سألَ أكسيون وهو يقطعُ اللّحمَ في طبقِهِ بتذمّر، فأسندَ إينوك ذقنَهُ على يدِهِ وتنهّدَ مرّةً أخرى.
“هذا ما أقولُهُ لنفسي أيضًا.”
“ألا تملكُ امرأة؟”
“وهل تظنُّ أنّ لدي؟”
“إذن لِمَ حجزتَ هنا؟ لم تكن تنوي القدومَ معي منذُ البداية، أليسَ كذلك؟”
“صحيح. كنتُ أنوي المجيءَ معَ امرأة.”
“ألم تقلْ للتّوِّ إنّكَ لا تملكُ امرأة؟”
“امرأة، أجل، معَ أميرتنا….”
أضافَ إينوك بوجهٍ حزين.
“حجزتُ المطعمَ وأرسلتُ العربةَ لتناولِ العشاءِ معًا بعدَ طولِ غياب… لكنّها أخبرتني أنّها ستتناولُ العشاءَ معَ حبيبِها.”
“أأنتَ غبيّ؟ حدّدْ موعدًا مسبقًا على الأقلّ. فللفتاةِ جدولُ أعمالِها الخاصّ.”
نقَرَ أكسيون بلسانِهِ ساخرًا، ثمّ رمقَ إينوك بنظرةٍ خاطفة. فبما أنّ الحديثَ فُتِح، كانَ هناكَ ما يريدُ سؤالَهُ عنه.
“اسمع، أترى أنّ الوقتَ… ما زالَ مبكّرًا على زواجِهما؟”
“ماذا؟”
“أعني، لقد تواعدا لفترةٍ طويلة، وفي هذهِ الأيّامِ الجميعُ يتسابقونَ للزّواج، لذا كانَ من الطّبيعيِّ أن يبدأَ الحديثُ عن الأمر….”
“…….”
“أيعقلُ أنّكَ أنتَ مَن يعارض؟ يبدو أنّ لدى تشيشير نيّةً جادّة، لكنّ ردّةَ فعلِ ليليث فاترٌ نوعًا ما.”
ارتبكَ إينوك من سؤالِ أكسيون الاستقصائيّ.
الزّواج؟
صحيحٌ أنّ توديعَ ابنتِهِ الّتي ربّاها كقرّة عينِهِ ليسَ أمرًا سارًّا بالنّسبةِ له، لكنّهُ ليسَ ذلكَ الأبَ الّذي سيعارضُ زواجَها دونَ سببٍ إن كانت ترغبُ في ذلك.
إلّا أنّ إينوك كانَ يعرفُ السّببَ الّذي يجعلُ ابنتَهُ تُعلّقُ عرضَ الزّواجِ رغمَ تلقّيهِ منه.
‘لحظة. السّبب؟ ما كانَ السّببُ يا تُرى؟’
أوسكار مانويل.
‘آه، أجل. سيّدُ البرج…. يجبُ أن يعودَ سيّدُ البرجِ أوّلًا، لأنّها تنتظره….’
فركَ إينوك ما بينَ حاجبيهِ بضيقٍ بعدَ أن طفا على سطحِ ذاكرتِهِ اسمُ ذلكَ الشّخصِ الّذي كانَ يتعمّدُ ألّا يفكّرَ فيه.
فأوسكار المقيّدُ باللّعنةِ هربَ بعيدًا عن كلِّ مَن يعرفونه.
فلو أنّهُ عادَ صدفة، ولو التقى بهِ أحدٌ وتعرّفَ عليهِ بمحضِ الصّدفة.
‘ستكونُ العواقبُ مروّعة.’
إذ سيتفعّلُ الحظر ويخطفُ حياةَ أوسكار في لمحةِ عينٍ دونَ أيِّ مجالٍ لإنقاذه.
ولهذا السّبب، كانَ إينوك يستعينُ كثيرًا بقدرةِ ليليث الّتي تمنعُهُ من إدراكِ وجودِ أوسكار عندما يخطرُ ببالِهِ فجأة.
لكنّ تلكَ القدرةَ لا تمحو الذّكرياتِ من جذورِها، بل هي قدرةٌ تدومُ لثانيةٍ واحدةٍ تجعلُ التّفكيرَ متبلّدًا فحسب، لذا.
‘كلّما سنحت فرصةٌ للتّذكّرِ قفزَ إلى ذهني فورًا، وهذا أمرٌ مزعجٌ ومقلقٌ للغاية.’
وقبلَ قليل، وأثناءَ محاولتِهِ تذكّرَ سببِ تأجيلِ ليليث للزّواج، قفزَ إلى ذهنِهِ أوسكار الّذي كانَ هو السّبب.
“أأنتَ من يعارضُ الأمر… حقًّا؟”
“آه.”
تردّدَ إينوك عندما عاودَ أكسيون سؤالَهُ بحذر.
‘لا يمكنني إخبارُهُ بالحقيقة.’
وفي النّهاية، تهرّبَ إينوك بكذبة.
“أجل، بطبيعةِ الحال. أميرتي ما زالت صغيرةً بعضَ الشّيء، أليسَ كذلك؟”
“امم، حسنًا، هذا صحيح.”
أومأَ أكسيون برأسِه، لكنّ ملامحَهُ بدت كئيبةً لسببٍ ما.
وفي،
الوقتِ ذاتِه، والمكانِ ذاتِه.
“أعتذرُ منكَ يا سيّد جيمس. لقد رأيتُ شخصًا أعرفُهُ فذهبتُ لإلقاءِ التّحيّةِ عليهِ لبرهة.”
عادَ هانز إلى مقعدِهِ بعدَ تحيّةِ إينوك، وأمسكَ بأدواتِ المائدةِ مجدّدًا ثمّ قالَ كمن تذكّرَ أمرًا.
“آه! بما أنّهُ يتناولُ طعامَهُ الآنَ فلا أودُّ إزعاجه، لكن ما رأيُكَ أن أُعرّفَكَ بهِ لاحقًا؟”
“مَن هو؟”
“والدُ ليليث، يا سيّد جيمس. دوق روبنشتاين.”
“……؟”
تجمّدَ جيمس غراي والشّوكةُ عندَ فمه.
مَن قلت؟
لماذا يظهرُ هذا الاسمُ هنا والآن؟
“إنّهُ شخصيّةٌ شهيرةٌ للغاية، لذا لا بدّ أنّكَ تعرفُهُ يا سيّد جيمس، وهو رجلٌ طيّبٌ بحقّ. وبما أنّهُ يشغلُ منصبًا رفيعًا، فالإلمامُ بمعرفتِهِ سيفيدُكَ من نواحٍ عديدة.”
كانَ هانز يرغبُ في توسيعِ شبكةِ علاقاتِ موظّفِهِ الّذي يُحبّه، لكنّهُ لم يدرك.
أنّ عبارة. أتريدُ أن أُعرّفَكَ بدوقِ روبنشتاين؟
كانت في أذني جيمس تعني….
أتريدُ أن أقتُلَكَ في الحال؟
تمامًا كما لو قالَها هكذا!
“……؟”
طقطقطقطقطق.
أمالَ هانز رأسَهُ مستغربًا وهو يرى الطّاولةَ تهتزّ.
“…سيّد جيمس؟”
ورغمَ أنّهُ كانَ يبتسمُ متظاهرًا بالهدوء، إلا أنّ جيمس، الّذي كانت ساقاهُ ترتجفانِ تحتَ الطّاولةِ بعنف، كانَ يبدو تمامًا ككلبٍ يحتاجُ لقضاءِ حاجتِهِ بصورةٍ عاجلة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.