الفصل 262: القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 2
262 – القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 2
القصة الجانبية، الجزء 1، الفصل 2
“شـهيق، زفـير، شـهيق، زفـير.”
عشرُ دقائقَ مضت وهي واقفةٌ أمامَ بابِ مختبرِها تأخذُ أنفاسًا عميقةً في محاولةٍ لكبحِ جماحِ غضبِها.
“اهدئي يا ليليث. إيّاكِ أن تغضبي.”
أجل، لا داعي للغضب.
راحت تُذكّرُ نفسَها محاولةً تهدئةَ الغضبِ الّذي بلغَ ذروتَهُ في رأسِها.
أوسكار هو الشّخصُ الّذي مسَّ سحرَ العودةِ بالزّمنِ المحظورَ من أجلي…….
وهو مَن وقعَ تحتَ لعنةٍ مرعبةٍ جعلت النّاسَ ينسونَهُ ثمنًا لذلك، وهو شخصٌ أشعرُ نحوَهُ بالامتنانِ والاعتذارِ معًا…….
‘كلا، ذاكَ أمرٌ وهذا أمرٌ آخر. ألدى معلّمي عقلٌ يفكّرُ بهِ أم لا؟ لا بدّ أن ينالَ توبيخًا قاسيًا هذهِ المرّة.’
طَـاخ!
وما إن فتحتِ الباب،
“أوه، أتيتِ؟”
حتّى رأت أوسكار مستلقيًا بطولِهِ على الأريكةِ يقرأُ كتابًا بكلِّ استرخاء.
بَـام!
أغلقت ليليث بابَ المختبرِ واقتربت منهُ بملامحَ يملؤها الغضب، ثمّ خطفتِ الكتابَ من يده.
“ذلكَ المُبلّغُ الدّاخليّ، هو أنتَ يا معلّمي، أليسَ كذلك؟”
“أجل، هو أنا.”
“أجل؟ بهـذهِ البساطة؟”
“وماذا تريدينَ منّي أن أفعل؟”
اعتدلَ أوسكار في جلستِهِ أخيرًا، وراحَ يحكُّ أذنَهُ بسبابته.
“مـ، ما سرُّ هذهِ الثّقةِ والجرأة؟”
“أعني، أيُّ شخصٍ ينظرُ إليهِ سيرى أنّهُ كُتِبَ بشكلٍ مريع، فكيفَ يوزّعونَ مهزلةً كهذهِ كدليل؟ وفوقَ ذلكَ يطبعونَ بكلِّ فخرٍ في خانةِ المؤلّفِ ‘كافّةُ باحثي برجِ السّحر’؟ هل يريدونَ أن يُشاعَ في كلِّ مكانٍ أنّ مجموعةً من الأغبياءِ هي الّتي ألّفته؟”
أجل، كانت تعلمُ أنّهُ بعيني العبقريِّ الفذِّ أوسكار، لن يُعجبَهُ أيُّ شيء.
تعلمُ ذلك، ولكن!
“يا معلّمي، لا تدارُ الحياةُ المهنيةُ بهذهِ الطّريقة. إن كانَ هناكَ ما لم يعجبكَ، كانَ عليكَ مناقشتُهُ مع زملائِكَ أوّلًا.”
“وهل تظنّينني لم أتكلّم؟ أولئك النّاس، لمجرّدِ أنّ لديهم بعضَ الأقدميّة، لم يُلقوا بالًا لكلامِ موظّفٍ جديدٍ إطلاقًا.”
“…….”
“فماذا بيدي أن أفعل؟ انظري، حينَ تحدّثتُ مع أعلى سلطة، حُلَّ الأمرُ فورًا، أليسَ كذلك؟”
“هاااه.”
“أستخسفينَ الأرضَ بتنهّداتِكِ هذه؟ هيّا، تنهّدي أكثر، أكثر!”
“حسنًا، لا بأسَ في كلِّ هذا. لكن بعيدًا عن الحياةِ المهنيّة، لا يجوزُ لكَ يا معلّمي أن تتصرّفَ بطريقةٍ تلفتُ الأنظارَ هكذا.”
أصبحَ صوتُ ليليث جادًّا.
“سأُذكّرُكَ في حالِ كنتَ قد نسيت. أنتَ الآن، وبسببِ الحظر، لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ غيري أن يُدرِكَ حقيقتَكَ أو ملامحَكَ بدقّة.”
كانت ليليث تتذكّرُ ذلكَ بوضوح، ولهذا كانَ الخوفُ يتملّكُها.
حينَ جاءَ جدُّ أوسكار في يومٍ من الأيّامِ ليعطيَهم تلميحًا عن ذلكَ الحظر.
“لكن، ماذا لو اشتبهَ أحدٌ، مجرّدَ اشتباه، في هويّتِكَ الحقيقيّة؟ وماذا لو تأكّدَ فجأةً من ذلك؟ سيكونُ الأمرُ منتهيًا! ستموتُ في الحال، موتًا فوريًّا!”
كانت تتذكّرُ كيفَ ماتَ جدُّهُ فورَ أن أدركَ الآخرونَ وجودَهُ دونَ أن يتركَ لهم حتّى مجالًا للإنقاذ….
“يا فتاة، لا تقلقي.”
استعادَ أوسكار الكتابَ من يدِ ليليث واستلقى مجدّدًا على ظهرِهِ بكلِّ راحة.
“بعدَ أن عشتُ هنا لبضعةِ أشهر، تبيّنَ لي أنّ الأمرَ ليسَ بتلكَ الخطورة. طالما لم أُجَنَّ وأصرخَ متجوّلًا: ‘أنا أوسكار مانويل! انظروا إلى وجهي جيّدًا!’، فلن يُكشَفَ أمري أبدًا.”
أربعةُ أشهرٍ مضت منذُ عودةِ طاغيةِ برجِ السّحر، أوسكار مانويل، الّذي أخفى قوّتَهُ وهويّتَه.
“أساسًا، سحرٌ محظورٌ أو قيد، هل يملكُ أولئك الأغبياءُ فكرةً عن هذهِ الأمورِ أصلًا؟”
وكانَ سببُ تراخيهِ هذا هو أنّ العيشَ وسطَ وجوهٍ يعرفُها كانَ أسهلَ ممّا توقّع.
“وبعدَ ذلك، مَن ذا الّذي قد يشكُّ قائلًا: ‘أيعقلُ أن يكونَ جيمس غراي هو أوسكار مانويل، المصابُ بلعنةٍ تمنعُ النّاسَ من التّعرّفِ عليهِ لأنّهُ استخدمَ سحرًا محظورًا؟’ أينَ يوجدُ شخصٌ قد يفكّرُ هكذا؟”
قهقهَ أوسكار وأضاف.
“بمستوى ذكاءِ أصحابِ الرّؤوسِ المتحجّرةِ المجتمعينَ هنا، يستحيلُ عليهم حتّى تخيّلُ ذلك، لذا كفّي عن القلقِ بلا فائدة.”
أجل، مَن يجبُ الحذرُ منهم حقًّا هم أولئك الّذين يعرفونَ حقيقةَ استخدامِ أوسكار لـ ‘سحرِ العودةِ بالزّمن’ ويعلمونَ بأمرِ ذلكَ ‘الحظر’.
مثل إينوك أو تشيشير على سبيلِ المثال.
وبدا أنّ أوسكار يرى أنّ الأمرَ ينتهي بمجرّدِ تجنّبِ رؤيةِ وجهي هذينِ الاثنين.
“يا معلّمي.”
“ماذا؟”
“ومع ذلك، لا يمكنُ الاستمرارُ هكذا. حانَ الوقتُ لفكِّ لعنتِكَ. كنتُ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التّحضيرِ وما زلتُ أبحثُ في الأمر، ولكن بما أنّكَ ستستمرُّ في التّصرّفِ بجنونٍ وطيش، فلا يمكنني التّأجيلُ أكثر.”
“أنا مرتاحٌ على وضعي هذا، فما المشكلة؟”
“المشكلةُ أنّني لستُ مرتاحة!”
“على أيّةِ حال، لولاكِ أنتِ لما عُدتُ إلى هنا أصلًا. وطالما أنّكِ الوحيدةُ الّتي تستطيعينَ التّعرّفَ عليّ، فهذا يكفي.”
ابتسمَ أوسكار برضا وأضاف.
“حياةٌ لا يعرفني فيها أحدٌ ولديّ فيها الكثيرُ من المال! إنّها مثاليّةٌ حقًّا. يا أميرة، لم يشعر معلّمُكِ بسعادةٍ كهذهِ طوالَ سبعةٍ وعشرينَ عامًا من حياته.”
“وهل تنوي البقاءَ معي وحدي طوالَ حياتك؟ ألا تشتاقُ إلى رؤيةِ والدي؟”
“ارغ. ولمَ قد أرغبُ برؤيةِ ذلكَ الشّخص؟”
شعرت ليليث بخيبةِ أملٍ إزاءَ نفورِ أوسكار الصّادق.
“أنتَ قاسٍ جدًّا. مع أنّ أبي يشتاقُ إليكَ كثيرًا….”
“دعينا من هذا، ولا تُهدري طاقتَكِ في أمورٍ لا طائلَ منها. إن كنتِ قلقةً إلى هذا الحدّ، حسنًا، سأكونُ أكثرَ حذرًا، أيرضيكِ هذا؟”
“الحذرُ واجبٌ عليكَ بطبيعةِ الحال، ولا بدّ من فكِّ هذا الحظر الملعونِ أيضًا. أشعرُ في كلِّ يومٍ كأنّني أسيرُ فوقَ جليدٍ هشّ.”
“…….”
“أتمنّى لو تعيشُ حياةً طبيعيّةً دونَ الحاجةِ إلى القلقِ بشأنِ أيِّ شيء. ألا ترغبُ أنتَ أيضًا في أن تُظهِرَ طِباعَكَ الفظّةَ تلكَ كما يحلو لكَ دونَ قيود؟ وفوقَ ذلك، ألن يكونَ استرجاعُ منصبِ سيّدِ البرجِ كفيلًا بمنعِ تكرارِ ما حدثَ اليوم؟”
“أأنتِ متأكّدةٌ أنّكِ تقولينَ هذا من أجلي أنا حقًّا؟”
“بالطّبعِ من أجلِكَ، من أجلِ من قد يكونُ غيرُ ذلك؟”
“ألستِ تفعلينَ هذا لأنّكِ لن تتمكّني من الزّواجِ ما لم يُفكَّ قيدي؟ ألم تقولي إنّكِ تريدينَ الدّخولَ إلى قاعةِ الزّفافِ معي؟”
اتّسعت عينا ليليث من الدّهشة.
“ما هذا؟ لم أقل لكَ هذا من قبلُ أبدًا! كيفَ عرفت؟”
أجل، كانت لديها خطّةٌ كبرى.
أن تَفُكَّ الحظر بنجاح، ثمّ تسيرَ في ممرِّ الزّفافِ متشابكة الأذرع مع أوسكار وإينوك.أجل، واحدًا عن يمينِها والآخرَ عن شمالِها.
“أجل، كنتُ أعلمُ أنّ الأمرَ هكذا~”
“مهلًا، لحظة! لا أدري كيفَ عرفت، لكنّ هذا العهدَ كانَ كلُّهُ من أجلِكَ أيضًا! إنّه تعبيرٌ عن إرادتي بألا أتزوّجَ أبدًا قبلَ أن أُحرّرَكَ!”
“يا ويلي! إن كانَ ذلكَ من أجلي، فأرجوكِ لا تُضيّعي وقتَكِ عبثًا في محاولةِ فكِّ الحظر! فأنا لا أريد حقًّا أن تتزوّجي~”
“تبًّا لك!”
استشاطت ليليث غضبًا وهي ترى أوسكار يقهقهُ بلؤم، فبحثت عن ورقةٍ وقلمٍ ودفعتهما بينَ يديه.
“يكفي! اكتب كلَّ شيءٍ هنا بالتّفصيل!”
“ماذا أكتب؟”
“عنوانَ المنزلِ الّذي عشتَ فيهِ في طفولتِك، علاقاتكَ العائليّة، علاقاتُكَ مع أصدقائِك، الأشياءَ الّتي تحبُّها، وتلكَ الّتي تكرهُها، وما إلى ذلك. أرجو أن تكتبَها بأدقِّ تفصيلٍ ممكن.”
“ولمَ تحتاجينَ إلى أمورٍ كهذه؟”
تردّدت ليليث لبرهةٍ أمامَ نظراتِ أوسكار المستغربة.
‘أأُخبِرُهُ، أم لا؟’
طريقةُ فكِّ الحظر.
لقد فكّرت في الأمرِ طويلًا، لكنّها لا تستطيعُ ضمانَ النّجاحِ هكذا ببساطة.
‘قد تفشلُ المحاولة. وحينها لن أكونَ قد فعلتُ سوى زرعِ أملٍ كاذبٍ في قلبه.’
وبعدَ أن حسمت أمرَها، قالت ليليث.
“سيّد جيمس غراي، هذا أمرٌ بصفتي مسؤولتكَ في العمل، لذا لا تسأل ونفّذْ ما طُلِبَ منكَ رجاءً.”
***
دوقية بريميرا، العاصمةُ رومويل.
ساحةُ تدريبِ الجيشِ الوطنيِّ الّتي ما زالت قائمةً في الموقعِ الّذي كانَ فيهِ القصرُ الإمبراطوريُّ سابقًا.
“انتهى دوامُ العمل!”
هتفَ ليون أنتراس رافعًا ذراعيهِ في الهواءِ بعدَ أن أنهى تدريبَهُ واستحمَّ في حمّامِ ساحةِ التّدريب.
أُعِيدَ تنظيمُ جيشِ الدوقية بعدَ الثّورةِ ليصبحَ قائمًا على التّجنيدِ التّطوعي.
حتّى أنّ الدّوامَ أصبحَ لخمسةِ أيّامٍ فقط في الأسبوع، مع الاكتفاءِ بأربعِ ساعاتٍ من التّدريبِ كحدٍّ أدنى في اليوم…….
وعلى حدِّ تعبيرِ ليليث:
『“واو، هل أصبحَ إصلاحُ الجيشِ هكذا؟ إنّها وظيفةٌ مريحةٌ للغاية!”』
أجل، لقد أصبحت مهنةً في غايةِ الرّاحة.
لكنّ هذا الكلامَ لا ينطبقُ على الضّباطِ من أمثالِ ليون أو تشيشير.
فبما أنّ عليهما البقاءَ من بدايةِ التّدريبِ حتّى نهايتِه، كانا يبدآنِ العملَ في 7 صباحًا ولا يغادرانِ إلا في 6 مساءً.
“ولكن، ما بالك متأنّقٌ هكذا؟ إلى أينَ أنتَ ذاهب؟”
سألَ ليون تشيشير بينما كانا يغادرانِ ساحةَ التّدريبِ معًا.
فعلى عكسِ ليون الّذي كانَ يرتدي ملابسَ مريحةً لأنّه عائدٌ إلى منزلِهِ مباشرة، كانَ تشيشير يرتدي ثيابًا أنيقةً ومرتّبةً للغاية.
“أنا ذاهبٌ إلى ليليث.”
“واو….”
عبس ليون قائلًا.
“عفوًا، لدى ليليث قدمانِ وعربةٌ أيضًا. أتفرحُ بالذّهابِ لاصطحابِها من برجِ السّحرِ بعدَ يومِ عملٍ شاقٍّ ومرهق؟ هل أنتَ عبدٌ لها؟ أم أنّ النّظامَ الطّبقيَّ لم يختفِ بعد؟ هل ما زلتُ أعيشُ في الماضي يا سيادةَ القائد؟”
“…كفَّ عن هذا يا أخي. أنا ذاهبٌ إلى مختبرِها لأنّها أخبرتني أنّ لديها أمرًا مهمًّا تودُّ الحديثَ فيهِ اليوم.”
“يا الهي! تذهبُ لرؤيتِها كالجروِ في كلِّ يومٍ بعدَ انتهاءِ دوامِك، ثمّ تتكلّمُ كأنّكَ ذاهبٌ اليومَ فقط؟”
تذمّرَ ليون بدافعِ الشّفقةِ على تشيشير لا أكثر.
فتفاني تشيشير مع ليليث يُسعِدُ ليون بطبيعةِ الحال، لكونِهِ معاملةً طيّبةً لأختِهِ الصّغرى الغالية، ولكن….
‘بماذا تفكّرُ تلكَ الفتاةُ بحقّ؟’
لم يكن يشعرُ في الآونةِ الأخيرةِ إلا بالعتبِ واللّومِ تجاهَ ليليث.
‘حتى لو بحثتَ في العاصمةِ بأكملِها، فمن الصّعبِ العثورُ على شخصٍ مثلِ تشيشير.’
إذ كانت ترفضُ عروضَ زواجِ تشيشير مرّةً تلوَ الأخرى دونَ أن يُعرَفَ سببُ تردّدِها.
‘لا يُعقَلُ أنّ قلبَها يميلُ نحو وغدٍ تافهٍ في مكانٍ ما، أليسَ كذلك؟’
وبلغَ قلقُهُ عنانَ السّماء.
“آه.”
توقّفت خطواتُ ليون حينها.
فقد رآها، امرأةٌ كانت تنتظرُ عندَ مدخلِ ساحةِ التّدريب، وما إن لمحتهما حتّى لوّحت بيدِها مرحّبةً واقتربت منهما.
تلكَ السّيّدةُ الجميلةُ المتأنّقةُ بأبهى ثيابِها كانت….
هي نفسها، الآنسةُ إيريكا فاليرين، ابنةُ الكونت.
إيريكا، الّتي اعتادت ملاحقةَ ليون منذُ الصّغر، كانت على وشكِ أن تصبحَ عروسًا في ربيعِ مارس من العامِ المقبل، بعدَ علاقةِ حبٍّ دامت عامًا ونصف.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.