الفصل 260: (النهاية)
بعدَ تبادلِ التحايا، دخلَ أوسكار إلى قاعةِ الامتحانِ بمفردِهِ برفقةِ المراقبةِ ليليث.
وظلَّ يختلسُ النظرَ إلى وجهِ الفتاةِ في كلِّ فرصةٍ تسنحُ له، كأنهُ يروي ظمأَ شوقِهِ الذي تراكمَ طوالَ تلكَ السنين.
“بما أنهُ الامتحانُ النهائي، فستكونُ درجةُ صعوبةِ الأسئلةِ أعلى قليلًا من المرحلةِ الثالثة.”
“آه، حسنًا.”
وضعتْ ليليث ورقةَ الامتحانِ أمامَهُ وجلستْ في المقابل، ثم شرعتْ تثرثرُ بملامحَ يفيضُ منها السرور.
“لقد طبعتُ عشرَ نسخٍ فقط من ورقةِ الامتحانِ النهائي، وكنتُ أظنُّ في الحقيقةِ أنني سأتلفُها كلَّها دونَ فائدة. لذا فأنا في غايةِ السعادةِ لأنني وجدتُ أخيرًا من يحلُّ ورقةً واحدةً منها على الأقل!”
ما الذي يُبهجُها إلى هذا الحد؟
ابتسمتْ ليليث ابتسامةً عريضةً وتناولتْ قلمًا هي الأخرى.
“درجةُ النجاحِ هي 85 نقطة. أتمنى لكَ التوفيق. وبما أنكَ قد تشعرُ بالمللِ إن حللتَها بمفردِك، فسأجلسُ هنا وأحلُّها معكَ أيضًا.”
“……”
أسندَ أوسكار ذقنَهُ بيده، وراحَ يتأملُ وجهَ ليليث التي بدأتْ تركزُ في أوراقِها بسكون.
ولعلهُ لغيابِ صوتِ حفيفِ القلم،
رفعتْ ليليث رأسَها ومالتْ بهِ قليلًا وهي تنظرُ إلى أوسكار.
“هل تجدُها صعبة؟”
“آه، كلا.”
استعادَ أوسكار تركيزَهُ أخيرًا، وقلَّبَ ورقةَ الامتحانِ ملقيًا نظرةً خاطفةً على الأسئلة.
‘…أينَ الصعوبةُ التي تزعمُ أنها تفوقُ المرحلةَ الثالثة؟’
مهما دققَ فيها، بدتْ أسئلةً لا تستحقُّ حتى أن يُطلقَ عليها اسمُ ‘الامتحانِ النهائيِّ’ بهذا التكلف.
‘هاااه، أيُّ أحمقٍ هذا الذي وضعَ أسئلةً تفتقرُ لأدنى معاييرِ التمييزِ بينَ المستويات…؟’
كتمَ أوسكار تنهيدتَهُ وخفضَ بصرَهُ نحو اسمِ واضعِ الامتحانِ في الصفحةِ الأولى.
واضعُ الإمتحان: ليليث روبنشتاين
‘…بالإمعانِ فيها مجددًا، أراها بالغةَ الصعوبةِ بالفعل. لا شكَّ أنها أفضلُ أسئلةٍ وُضِعَتْ لامتحانٍ نهائي.’
صححَ أوسكار رأيَهُ في نفسِه، وشرعَ يحلُّ المسائل.
ومرتْ فترةٌ من الوقت.
“يا سيدَ جيمس، هل تعرفُ قصةَ <الأميرةِ المحبوسةِ في البرج>؟”
“…كلا.”
“إنها قصةٌ ممتعة. إن لم يكن في ذلكَ إزعاجٌ لك، فهلّا رويتُها؟”
يبدو أنها تشعرُ بمللٍ شديد.
ابتسمَ أوسكار ابتسامةً خافتةً وأومأَ برأسِهِ موافقًا، مسرعًا من حركةِ يدِهِ في حلِّ الأسئلة.
“يُحكى أنهُ في قديمِ الزمان، كان هناكَ ملكٌ شريرٌ يحكمُ مملكةً خبيثة. قامَ ذلكَ الملكُ باختطافِ أميرةِ المملكةِ الطيبةِ وحبسَها داخلَ برجٍ عالٍ وموحش.”
صوتُ حفيفِ القلمِ فوقَ الورق.
امتزجَ صوتُ القلمِ بنبرتِها المنسابةِ برقةٍ كجدولِ ماءٍ عذب، وكان وقعُهُ على الأذنِ جميلاً ومريحًا.
“ولكي يستعيدَ الملكُ الطيبُ ابنتَهُ المسلوبة، اضطُرَّ خاضِعًا إلى أن يصبحَ تابعًا للملكِ الشرير. لكنَّ المأساةَ كانت في أن الملكَ الطيبَ لم يلتقِ بابنتِهِ مجددًا؛ إذ أضناها المرضُ داخلَ ذلكَ البرجِ وفارقتِ الحياة.”
‘يا لها من قصةٍ مأساوية’، هكذا فكرَ أوسكار.
“عزمَ الملكُ الطيبُ على الانتقام، واقتحمَ المملكةَ الشريرةَ برفقةِ الأمير. وفي النهاية، نجحا في قتلِ الملكِ الشرير. ولكن!”
“…ولكن؟”
“تبينَ في النهايةِ أن الأميرةَ لم تمتْ، بل كانت لا تزالُ على قيدِ الحياة!”
ابتسمَ أوسكار في سرِّه.
‘إنها تتحدثُ عن نفسِها.’
كنتُ أتساءلُ لماذا تبدو هذهِ الأحداثُ مألوفةً إلى هذا الحد.
“لكنَّ الأميرة، التي سقطتْ ضحيةً لسحرِ الملكِ الشرير، أخذتْ تقتلُ الناسَ بلا وعي. فلم يجدِ الأميرُ خيارًا غير قتلِ الأميرةِ لإنقاذِ الأبرياء. وكان على الملكِ الطيبِ المسكينِ أن يفارقَ ابنتَهُ مجددًا فورَ علمهِ بأنها كانت حية.”
“إنها مأساةٌ حقًا.”
“نعم. لكنَّ هذهِ الحكايةَ تخفي وراءَها فصلًا سريًا لم يُروَ.”
“وما هو؟”
“في الحقيقة… طوالَ فترةِ حبسِ الأميرةِ في ذلكَ البرج، كان هناكَ ساحرٌ يزورُها كلَّ يومٍ كي لا تشعرَ بالوحدة… يلعبُ معها، ويقصُّ شعرَها كلما طال، ويخبرها… بأنهُ يحبُّها.”
“……”
“حزنَ ذلكَ الساحرُ حزنًا لا يُقاسُ لموتِ الأميرة، حتى إنهُ أقدمَ في النهايةِ على دفعِ ثمنٍ مروعٍ ليصنعَ سحرًا يعيدُ بهِ عقاربَ الزمن.”
“……”
حدقَ أوسكار بهدوءٍ في ليليث. كانت عيناها الزرقاوانِ تشعانِ بشوقٍ حزينٍ ودفين.
“وكان الثمن… أن يُمحى ذلكَ الساحرُ من ذاكرةِ جميعِ البشر. وعندما عادتِ الأميرةُ إلى الحياةِ وعلمتْ بالأمر، قطعتْ عهدًا وقالت: ‘حتى لو عجزَ كلُّ أهلِ الأرضِ عن معرفتِك، فسأعرفُكَ أنا حتمًا’.”
“وهل… عرفتْهُ في النهاية؟”
“نعم!”
كتمَ أوسكار ضحكتَهُ في صدرِهِ وهو يرى إجابتَها المفعمةَ بالبراءة.
كانت تلكَ الخاتمةُ التي اختلقتْها الفتاةُ كما تشاءُ نهايةً غيرَ سيئة. ليتَ الواقعَ كان يماثلُ ختامَ تلكَ الحكاية.
حتى وإن نسيني الجميع، لو أنكِ أنتِ وحدَكِ لم تنسِني…
“امم.”
أسرعَ أوسكار من حركةِ يدِهِ ليبتلعَ ذلكَ الشعورَ بالكآبة، حتى تسمرتْ يدهُ عندَ السؤالِ الخمسينَ الأخير.
[50. أَرِنا العالمَ الذي صنعتَهُ بنفسِك.]
‘ما هذا؟’
ما بالُ هذا السؤالِ الذي يبدو عديمَ الجدوى بالمرة؟ أأصابَ التعبُ ليليث بعدَ أن أتمتْ صياغةَ تسعةٍ وأربعينَ سؤالًا؟
“معذرةً… السؤالُ الخمسون، هذا… كيفَ يُفترضُ بي حلُّه؟”
“نعم؟”
مالتْ ليليث برأسِها.
“كيفَ تحلُّه؟ تحلُّهُ تمامًا كما هو مكتوب!”
“أتعنينَ أن أرسمَ رسمة؟”
“نعم.”
“وأيُّ نفعٍ يُرجى من مثلِ هذا السؤالِ في اختبارِ توظيفِ الباحثين؟”
“أوه، نفعُهُ عظيمٌ بطبيعةِ الحال! فالخيالُ هو الأساسُ الأولُ لابتكارِ المعادلاتِ السحرية.”
“……”
كان الأجدرُ بكِ الاعترافُ بأنكِ شعرتِ بالكسلِ عن وضعِ سؤال.
تنهدَ أوسكار وضغطَ بالقلمِ فوقَ ورقةِ الإجابة.
وفي تلكَ اللحظة.
“أتعلم، كانت الأميرةُ التي قضتْ عمرَها محبوسةً في البرجِ تتلهفُ لمعرفةِ العالمِ الخارجي. وكان الساحرُ يشرحُ لها معالمَ ذلكَ العالمِ بالكلمات، من الألفِ إلى الياء.”
نهضتْ ليليث من مكانِها.
“وبينما كانت تستمعُ لكلماتِ الساحر، شيدتِ الأميرةُ في خيالِها عالمًا خاصًا بها. ولذلك، يمكنُ القولُ إن الساحرَ قد أهداها عالمًا بأكملِه.”
انتقلتْ ليليث لتجلسَ بجانبِ أوسكار، وبسطتْ ورقةَ أسئلتِها أمامه.
“إن كان السؤالُ يستعصي عليك، فسأريكَ كيفَ أحلُّ السؤالَ الخمسين.”
“مهلًا، يا آنسة.”
كانت ورقةُ ليليث مكتملةَ الإجاباتِ عدا السؤالِ الخمسين.
أشاحَ أوسكار ببصرِهِ عن الورقةِ التي لا تختلفُ عن نموذجِ الإجابةِ وقال:
“يبدو أنكِ حللتِها بأكملِها، فهل يصحُّ أن يطّلع المتقدمَ عليها هكذا؟”
“بففف.”
أطلقتْ ليليث ضحكةً خافتة، ووكزتْ صدرَ أوسكار بمرفقِها بدلال.
“……؟”
اتسعتْ عينا الرجلِ دهشة؛ يا لهُ من تصرفٍ بالغِ الألفةِ لشخصينِ يلتقيانِ للمرةِ الأولى!
“على أيةِ حال، يا سيدَ جيمس، هذهِ أسئلةٌ بوسعِكَ حلُّها وأنتَ مغمضُ العينين، أليسَ كذلك؟”
“…عفوًا؟”
“أم أنكَ كنتَ تنوي تعمدَ الخطأِ في بعضِ المسائلِ لتطابقَ درجةَ النجاحِ بالضبط؟”
“ما هذا الـ…”
وقبلَ أن يفيقَ من ارتباكِه، انحنتْ ليليث وهي تبتسمُ بمكرٍ وشرعتْ ترسمُ تحتَ السؤالِ الخمسين.
“الملكُ الطيبُ والأمير.”
شخصان.
“ثم الأميرةُ والساحر.”
وتحتهما، شخصانِ آخران.
“وهذه، عربةٌ تسيرُ بسرعةٍ دونَ حاجةٍ لخيول…”
اتسعتْ عينا أوسكار ذهولًا أمامَ الرسمِ الذي كانت أناملُ ليليث تخطه.
نعم…
إنها رسومٌ سبقَ لهُ رؤيتُها حتمًا في زمنٍ مضى.
“وهذا، طائرٌ يحملُ البشر.”
تلكَ الأشياءُ التي رسمتْها طفلةٌ سُلِبَ منها العالم، بعدما سمعتْها بالكلماتِ من أوسكار الذي رغبَ في تعريفِها بذلكَ العالم.
“انظر. هذا هو العالمُ الذي أهديتَني إياه.”
سادَ سكونٌ تامٌّ لبرهة.
ثم شقَّ ذلكَ السكونَ صوتٌ نادى.
“…معلمي.”
في تلكَ اللحظةِ التي صاغَ فيها شوقُ الطفلةِ العارمُ تلكَ الكلمةِ التي تناديهِ بها.
“آه…”
اختنقتْ أنفاسُهُ من فيضِ المشاعر.
وامتلأتْ عيناهُ المتّسعتان بالدموعِ في طرفةِ عين.
“هل تذكرُ الاسمَ الذي أطلقتُهُ على هذا؟”
التفتتْ نحوه، وكانت الدموعُ تترقرقُ في عينيها هي الأخرى، ومع ذلكَ كانت تبتسم:
“ألم أقلْ لك؟ أنني لن أنساكَ أبدًا يا معلمي.”
انحدرتْ دمعةٌ ساخنةٌ على وجنةِ أوسكار. وابتسمَ باكيًا، متبعًا ابتسامتَها.
“…سيـ—يارة.”
“وهذا، ما اسمه؟”
“طائرة…”
انفجرتْ ليليث ضاحكةً بصوتٍ مسموع، بينما كانت الدموعُ تنهمرُ من عينيها بلا توقف.
“لقد عاهدتُك… أنني سأعرفُكَ حتمًا يا معلمي…”
“……”
“لم تصدقْني، يا لكَ من أحمق…”
“أجل…”
أجهشتْ ليليث في بكاءٍ حارٍّ وارتمتْ بينَ أحضانِ أوسكار.
“آه، هااه…”
اعتصرَ قلبَه الدفءُ الذي ملأَ حضنَه.
كان شعورًا يفيضُ بالفرحِ إلى حدِّ الألم.
طوقَ الرجلُ الفتاةَ بذراعيهِ المرتجفتينِ وضمَّها إليهِ بكلِّ ما أوتيَ من قوة.
“العالمُ الذي أهديتَني إياهُ كان رائعًا جدًا، لكنني عدتُ لألتقيَ بكَ مجددًا… لأريكَ أنني أعيشُ سعيدةً هنا… ألم أخبركَ أنني عدتُ لأجلِ هذا؟”
“نعم…”
دفنتِ الفتاةُ وجهَها في صدرِهِ وهي تهمس، ثم رفعتْ رأسَها نحوه.
أمسكَ أوسكار وجنتيها بكفيه، وحفرَ ملامحَ ذلكَ الوجهِ الحبيبِ في أعماقِ عينيه.
“إذن… ما الذي حلَّ بتلكَ الأميرةِ التي التقتِ الساحر؟”
“عاشتْ في سعادةٍ وهناءٍ إلى الأبد، بطبيعةِ الحال.”
ابتسمتْ ليليث بضياء، وأضافت لطمأنةِ أوسكار القلق.
“أرأيتَ كيفَ نضجَ تلميذُكَ هانز بصورةٍ رائعة؟”
فالحاكم لم يكن ليتجاهلَ بطلَهُ وأولئك الذين أحبهم البطل.
فقد أرسلَ الساحرَ لأجلِ الأميرة، ومحا الزمنَ الفاشل، وسمحَ بولادةِ آخرِ بريميرا، وكان كلُّ ذلكَ برهانًا على رحمته.
“لقد سهرَ هانز الليالي وصنعَ اثنتينِ وأربعينَ معادلةً سحريةً لأجلِكَ يا معلمي!”
لذا كانت ليليث موقنةً بأن هناكَ سبيلًا رُتِّبَ لكسرِ لعنةِ أوسكار.
“سنكونُ سعداءَ حتمًا.”
فسيجدونَ الطريق،
كما فعلوا دائمًا وأبدًا.
“معًا، طوالَ العمر، وإلى الأبد.”
ابتسمَ الاثنانِ بملءِ فيهما وهما يتقابلانِ عن قرب، ووجهاهما مبللانِ بفيضِ الدموع.
***
زمني لم يتوقفْ قط.
حتى حينَ كنتُ محبوسةً في البرج، كان الزمانُ يتدفق دائمًا داخلَ ذلكَ العالمِ الذي حدثتَني عنه.
وحتى الآن، بعدما عدتُ وبقيتُ على قيدِ الحياة، لا يزالُ يتدفق.
و…
سيظلُّ يتدفق في قادمِ الأيام.
في هذا العالمِ الذي بلغَ كمالَهُ باجتماع كلِّ من يحبونَني، ومن أحبُّهم أنا.
“أهلًا بعودتِك، يا معلمي.”
في هذا العالمِ المشرقِ والبهي.
< أبِي يُخفِي قوَّته>
-النهاية-
─── ⋆⋅☆⋅⋆ ───
لينك قناتي على التلغرام تنزل بيها الفصول اول باول كملفات 🫶:
https://t.me/+yNkoz9kx10szNWNk
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.