الفصل 220: الفصل
220
الفصل 220
تجمَّدَ كايل ذهولًا أمامَ كلماتِ ليون التي بدتْ كوصيَّةِ احتضار.
لم يكنْ كايل يجهلُ مغزى تصرُّفهِ هذا، وهو يسلِّمهُ قلادتي هويَّتهِ العسكريَّةِ كأنَّها لحظاتُهُ الأخيرة.
“أنا……”
أنا من جعلَ هذا الشَّخصَ يصلُ إلى هذهِ الحال.
رجلٌ رأيتُهُ اليومَ لأوَّلِ مرَّة، قاتلَ باستماتةٍ لإنقاذِ حياتي.
وقد يلقى حتفَهُ الآن.
بل على الأرجح، سيموتُ لا محالة.
فهذا الرَّجلُ صاحبُ خبرةٍ واسعة……
ولا بُدَّ أنَّهُ أدركَ دنوَّ موته حينَ تقدَّمَ بهذا الرَّجاء.
“أنـ، أنا……”
“لا وقتَ لدينا. إن أصابَكَ، مكروهٌ أنتَ أيضًا… فكلُّ ما، كـغغ، بذلتُهُ حتى الآن… سيذهبُ هباءً… أنتَ تعلمُ ذلك، أليسَ كذلك……؟”
انتفضَ كايل واقفًا. ورُغمَ أنَّ الدُّموعَ استمرَّتْ في الانهمار، إلا أنَّهُ لم يملكِ الوقتَ ليبكي بحماقة.
“انتظرْني، قليلًا فقط.”
تمالكَ نفسهُ ومسحَ عينيهِ بقسوةٍ بكُمِّ ثوبه.
“سأجلبُ، سأجلبُ النَّاسَ معي… وسأعودُ، هيء، سأعودُ سريعًا.”
“هاها… حـ، حسنًا……”
صرَّ كايل على أسنانه.
ثمَّ انطلقَ يركضُ بكلِّ ما أوتيَ من قوَّة.
إن أصابَ ذلكَ الرَّجلَ مكروه، فلن أتمكَّنَ من العيشِ بسلامٍ طوالَ حياتي من شدَّةِ عذابِ الضَّمير.
لذا يجبُ أن أركضَ دونَ توقُّفٍ حتى لو تحطَّمتْ ساقاي. عليَّ العثورُ على من يمكنهم المساعدةُ مهما كلفَ الأمر.
―هكذا كانَ يفكِّرُ وهو يركض.
***
في تلكَ الأثناء.
كانتْ جيما، التي التحقتْ بالقوَّاتِ المنسحبةِ أوَّلًا، تعينُ القائدَ ألفريدو في إعادةِ تنظيمِ الصُّفوف.
لم يكنْ بوسعهم الاكتفاءُ بالفِرارِ فحسب.
أغلبيَّةُ القوَّاتِ تواصلُ الانسحاب.
أمَّا القلَّةُ ممَّن يملكونَ قدراتٍ عالية، فتقرَّرَ عودتُهم إلى ساحةِ القتالِ الرَّئيسيَّةِ في الطَّليعةِ للالتحاقِ بالمعركة.
وبخلافِها هي التي كانَ عليها التَّوجُّهُ إلى الطَّليعة، كانَ لا بُدَّ من إبقاءِ ليليث في مسارِ الانسحاب.
أي أنَّهُ حانَ وقتُ افتراقهما.
“ليـ… أقصدُ، يا روزالين……”
اتَّسعتْ عينا جيما حينَ التفتتْ إلى جانبها.
“…روزالين؟”
ليستْ هنا.
تلفتتْ جيما في كلِّ الاتِّجاهات.
“مـ، ما هذا……”
في تلكَ اللَّحظةِ الوجيزةِ التي انشغلتْ فيها بترتيبِ القوَّات، كانتْ ليليث قد اختفت.
“أينَ ذهبتْ هذهِ الفتاة؟!!!”
***
بعدَ أن انسحبتُ من الجمعِ بخفَّةٍ حينَ غفلتْ جيما عني، تواريتُ عن الأنظارِ وتفقَّدتُ سواري.
‘الانتقالُ الآنيُّ إلى أخي ليون… أقصدُ إلى الزِّينةِ المعلَّقةِ على سيفهِ! كم يكلِّفُ ذلك؟’
8min
ثمانُ دقائقَ من الطَّاقةِ الحيويَّةِ للانتقالِ إلى جوارِ ليون.
ما السَّببُ في كونِ الكلفةِ ضئيلةً إلى هذا الحدّ؟
‘قد يكونُ ذلكَ لقُربِ المسافةِ بما أنَّني أتيتُ إلى ساحةِ الحربِ بنفسي، ولكن……’
يرجعُ الفضلُ الأكبرُ في ذلكَ إلى الزِّينةِ التي علَّقتُها على سيفِ ليون.
ليون من رتبةِ دوس.
فإن استخدمتُ القدرةَ باستهدافِ شخصٍ ذي رتبةٍ عاليةٍ مثلِ دوس مباشرة، فسيكونُ استهلاكُ العمرِ باهظًا.
‘لكن! إن حدَّدتُ وجهتي بالتَّفكيرِ في الزِّينةِ الجامدة، فيمكنني توفيرُ الطَّاقةِ الحيويَّةِ بدرجةٍ هائلة!’
قدرةُ بريميرا القائمةُ على ‘التَّخيُّل’ و‘التَّفكير’.
وبحكمِ طبيعتِها تلك، أتاحَ لي هذا التَّدبيرُ استخدامَ الطَّاقةِ الحيويَّةِ بأعلى كفاءةٍ وبأقلِّ خسارة.
لم أكنْ أعلمُ في البدايةِ أنَّ مثلَ هذهِ الحيلةِ ستنجح.
بل كانتْ ثمرةَ أبحاثٍ وتجاربَ مضنيةٍ خضتُها طوالَ تلكَ الفترةِ بالاستعانةِ بهذا السِّوارِ السِّحريِّ النَّافع.
‘ماذا كنتُ سأفعلُ لولا هذا السِّوار.’
حيلةٌ ذكيَّةٌ لا يمكنُ للإمبراطورِ معرفتُها طوالَ حياته، إذ يعجزُ عن قياسِ كلفةِ استهلاكِ عمرهِ بالأرقامِ والتَّجريبِ مثلي……
8min 2sec
8min 3sec
……
استمرَّ الرَّقمُ الظَّاهرُ على السِّوارِ في التَّغيُّر.
وهذا يعني أنَّ ليون يواصلُ الرَّكضَ والابتعادَ بكلِّ قوَّتهِ في هذهِ اللَّحظة.
‘فلأبدأْ بالتَّجهيزِ إذًا.’
استحضرتُ في مخيِّلتي هيئةَ ‘الآنسةِ روزالين فيرساتشي’ التي صمَّمتُها بعناية.
جسمٌ نحيل.
شعرٌ أحمرُ فاتن.
وعينانِ ذهبيَّتانِ برَّاقتان.
10min/sec
عليَّ إخفاءُ هويَّتي الحقيقيَّة، لذا سأموهُ مظهري بسحرِ الوهم.
‘حسنًا، الخطوةُ التَّالية……’
سيكونُ الأمرُ مرعبًا إن وصلتُ إلى هناكَ واصطدمتُ بديناصورِ التِّيرانوصور.
‘بحالةٍ لا تدركُني فيها أعينُ الوحوشِ كهدفٍ للهجوم!’
10min/sec
“كلا! مهلًا، مهلًا!”
سأظهرُ فجأةً في ومضةٍ أمامَ ليون وكايل.
‘سيفزعانِ بطبيعةِ الحال، أليسَ كذلك؟’
سحرُ الانتقالِ الآنيّ.
رُغمَ أنَّ سيِّدَ البرجِ العبقريَّ قد ابتكرهُ منذُ زمن، إلا أنَّهُ للأسفِ سرٌّ لا يعلمهُ سوى القلائل.
‘إذًا، فلأجعلْ نفسي خفيَّةً تمامًا! فلا تراني الدِّيناصورات، ولا تلحظُني عينا ليون!’
30min/sec
“واااا! ما خطبُ هذهِ الكلفةِ المرتفعة؟! ثلاثونَ دقيقةً من عمري تحترقُ في كلِّ ثانية؟!”
ولكن في الواقع.
أن أكونَ غيرَ مرئيَّة، إنَّهُ سحرٌ بالغُ الفائدةِ بشكلٍ مذهل، لذا يستحقُّ مثلَ هذا الثَّمن.
“أوف، لا حيلةَ أمامي. سأبطلُهُ فورَ وصولي وأختبئُ في الجوار……”
والخطوةُ التَّالية.
‘جسدي ثمين. درع.’
درعٌ متحرِّكٌ من الفئةِ A.
سأُحيطُ نفسي بهِ وأنطلق.
1sec/sec
بعدَ إتمامِ كافَّةِ الاستعدادات، قدَّرتُ المسافةَ بيني وبينَ ليون مجدَّدًا.
8min 12sec
“أوه؟”
الرَّقمُ الذي كانَ يتزايدُ باستمرارٍ مع ابتعادِ المسافة، قد ثَبَتَ فجأة.
هذا يعني أنَّ ليون قد توقَّف.
أحدثَ مكروه؟
أهو في مواجهةٍ مع الوحوش؟
رحتُ أخمِّنُ في عقلي، ثمَّ هززتُ رأسي بقوَّة.
‘فلأذهبْ وأرَ بنفسي!’
نفثتُ نَفَسًا حارًّا من أنفي ورفعتُ ذراعي نحو الهواء.
“هيّا، فلننطلق!”
***
“هاااه……”
لم يشعرْ ليون ببعضِ الرَّاحةِ إلا بعدَ أن تضاءلَ حجمُ كايل في الأفقِ حتى اختفى عن ناظريه.
‘أيمكنُني… النَّجاة؟’
ربَّما لأنَّهُ لم يعدْ يستشعرُ أيَّ أثرٍ لوحوشِ غليبتور تلاحقه.
راودتْهُ رغبةُ البقاءِ على قيدِ الحياةِ ببطء.
‘آه، ولكن……’
كانَ وعيُهُ يتلاشى.
لم تكنِ الجروحُ الظَّاهريَّةُ بالغةَ الخطورةِ باستثناءِ ذراعهِ اليمنى المتدلِّيةِ بعجز، لكنَّ أعضاءَهُ الدَّاخليَّةَ بدتْ ممزَّقة.
يوجدُ سحرةُ علاج، لكن يصعبُ عليهم مداواةُ حالةٍ حرجةٍ كهذه.
‘إذًا، سيِّدُ برج السحر……؟’
غريزةُ البقاءِ مخيفةٌ حقًّا، لدرجةِ أنَّها جعلتْهُ يتذكَّرُ شخصًا لا يكادُ يعرفُ سوى اسمهِ وملامحه.
سيِّدُ برج السحر، أوسكار مانويل.
لكنَّهما… لم يكونا مقرَّبين……
‘لقد أنقذَ ثيو في السَّابق. كم أتمنَّى لو ينقذُني أنا أيضًا بوساطةٍ من ليليث.’
ومع غيابِ وعيه، راودتْهُ شتَّى أنواعِ الأفكار.
‘لكنَّ هذا لا يتحقَّقُ إلا إن صمدتُ وعُدتُ إلى العاصمةِ الإمبراطوريَّة. آه، لا يجوزُ أن أفقدَ وعيي……’
كـوووووووم―
في تلكَ اللَّحظة، دَوَّى صوتٌ مشؤوم.
‘ما هذا.’
اهتزَّ الجرفُ الصَّخريُّ الذي كانَ يسندُ ظهرَهُ إليهِ باضطراب.
رفعَ ليون رأسَهُ بمشقَّةٍ ونظرَ إلى الأعلى.
“آه.”
تضاريسُ وادٍ تكثرُ فيهِ الجبال. وقد قطعَهُ ركضًا مع وحوشٍ سحريَّةٍ تتمتَّعُ بأوزانٍ هائلة.
هو نفسه أطلقَ طاقةَ السَّيفِ مرارًا، وكايل أمطرَ المكانَ بسحرِ هجومٍ من الفئةِ A بلا هوادة.
‘أأنا… أحمق……؟’
القتالُ مع مراعاةِ خطرِ انهيارِ التَّضاريسِ كانَ من أساسيات المعارك.
رُغمَ أنَّ الظَّرفَ لم يكنْ يسمحُ بحسابِ مثلِ تلكَ الأمورِ أصلًا.
“هاها، ها……”
تسرَّبتْ منهُ ضحكةٌ خائرة.
كـواااررر― طَـخ! طَـخ!
صخورٌ ضخمةٌ انحدرتْ بعنفٍ تتدحرجُ من منتصفِ الجبل.
وسُحِقَ المحيطُ وتدمَّرَ في لمحةِ بصر.
‘اللَّعنة……’
وسقطتْ صخرةٌ هائلةٌ متَّجهةً مباشرةً نحو رأسه.
‘…لن يجدوا حتى جثَّتي.’
أغمضَ ليون عينيهِ وهو يفكِّرُ في ذلك.
ولكن.
‘……؟’
لا يوجدُ ألم.
الصَّخرةُ التي ظنَّ أنَّها ستهشِّمُ رأسَهُ بوحشيَّة……
‘ما هذا؟’
تفتَّتتْ كالهباء.
تحطَّمتْ كالغبارِ قبلَ أن تلامسهُ حتى.
“بففف!”
بَصَقَ ليون الغبارَ الذي دخلَ فمهُ بعدَ أن غطَّاهُ ركامُ الحجارةِ المفتَّتةِ فجأة.
كـواااررر― طَـخ! طَـخ!
كانَ المحيطُ لا يزالُ يموجُ في جحيمِ الرُّكام.
الصُّخورُ المنهالةُ بلا انقطاعٍ كانتْ ترتطمُ بالأرضِ وتتحطَّم.
“آه! ما، كـغغ! بفف! ما هذا بحقِّ خالق السَّماء!”
غيرَ أنَّ كلَّ ما أصابَ ليون، لم يكنْ سوى مطرٍ من غبارِ الحجارةِ التي تتفتَّتُ قبلَ أن تلمسه.
‘ما الذي يحدثُ هنا بحقِّ الخالق؟’
ووسطَ ذهوله، هدأتْ أخيرًا الانهياراتُ بعدَ أن سقطَ كلُّ ما أمكنهُ السُّقوط.
سكونٌ عمَّ الأرجاء.
وتناهى صوتُ وقعِ خطواتٍ خافتةٍ من مكانٍ ما.
‘أهو غليبتور؟’
كلا، إنَّهُ إنسان.
شخصٌ حَجَبَ وجهَهُ بالكاملِ خلفَ قناعٍ ورداءٍ طويل، يقتربُ قفزًا بخفَّةٍ فوقَ الصُّخورِ المنهارة.
“مـ، مَن هذا……؟”
بالاستنادِ إلى جسده النحيل، يبدو أنَّها امرأة.
وبحسبِ هيئتها، كانتْ مرتزقة.
تردَّدتِ المرأةُ بارتباكٍ حينَ رأتْ حالةَ ليون، ثمَّ سارعتْ بالدَّورانِ نحو جهتهِ اليمنى.
ذراعُهُ اليمنى الممزَّقةُ والمتدلِّيةُ بعجز.
“……؟!”
وفجأة، سرتْ طاقةٌ مقدَّسةٌ دافئة، والتأمتِ الجراحُ في طرفةِ عين.
‘ما هذا؟ هذا سحرُ شفاءٍ من الفئةِ B على الأقل؟’
أليستْ هذهِ المرأةُ مرتزقة؟
إن كانتْ كذلك، فيجبُ أن تكونَ من رتبةٍ غيرِ قتالية، فكيفَ تطلقُ سحرَ شفاءٍ بهذا المستوى الرفيع؟
“أُوغ!”
أمسكتِ المرأةُ بكتفِ ليون وفحصته. فسرى ألمٌ حادٌّ من العظامِ المكسورة.
“ماذا تفعلـ…… كـهاك!”
ثمَّ ضَغطتْ على بَطنِهِ مباشرةً دونَ تردُّد.
يبدو أنَّها كانتْ تتأكَّدُ مِنْ حجمِ إصابتِه.
‘مؤلم!’
…وقبلَ أنْ يَستوعبَ الألم، أصابتهُ الدَّهشة.
شعرَ بطاقةٍ مقدَّسةٍ نقيَّةٍ تتغلغلُ في جسدهِ وتُحدِثُ تحوُّلًا عجيبًا.
الكتف، والصَّدر، والسَّاقان……
شعورٌ غريبٌ وغيرُ مألوف، حيثُ التحمتِ العظامُ المحطَّمةُ في غمضةِ عين.
وبطنهُ الذي كانَ في أسوأِ حالاته.
تلاشى تمامًا ذلكَ الألمُ المبرحُ الذي جعلهُ يوقنُ بأنَّ أعضاءَهُ الدَّاخليَّةَ قد تَمزَّقت.
“ما هذا؟!”
اعتدلَ ليون جالسًا بعدَ أن كانَ مستلقيًا بوهن، وراحَ يتحسَّسُ جسدَهُ في ذهولٍ وعدمِ تصديق.
ما هذا حقًّا؟
أهو حلم؟
وبينما كانَ يَرمِشُ بغيرِ تصديق، وَقفتِ المرأةُ بهدوء.
“هاي!”
بدا كأنَّها تنوي الفِرار.
“لن تهربي!”
جذبَ ليون طرفَ ردائها بقوَّة.
“وااااه!”
ففَقدتْ تَوازُنَها وسَقطتْ على الأرض.
سَحبَ ليون الرِّداءَ الذي يُغطِّي وجهَها على الفَور.
فتَطايرَ شَعرٌ أحمرُ زاهٍ.
“آهاها.”
أنزلتِ المرأةُ القناعَ الذي كانتْ ترتديهِ برفقٍ وابتسمتْ بارتباك.
حدَّقَ ليون بذهول……
في وجهِ المرأةِ الذي ظهر أمامه.
“أأنتَ بخير؟”
“…….”
كانتْ لديهِ تساؤلاتٌ لا تُحصى.
لكنَّ عقلَهُ ابيضَّ تمامًا.
‘واو……’
في تلكَ اللَّحظة.
لم يتبقَّ في ذهنهِ سوى فكرةٍ واحدةٍ فقط.
‘إنَّها… فائقةُ الجَمال…!’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.